أرواح الناس مصونة

خميس بن سليمان المكدمي –

«أرواح الناس مصونة وكل من يعرضها للخطر في أي غش كان سواء في الغذاء أو الدواء أو في التضليل على الناس وإيهام بأن سلعة ما أصلية فيشتريها الناس على أنها كذلك وهي ليست بذات المواصفات المطلوبة خيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وما أحرى فاعل ذلك بعقوبة تردعه وتأديب يوقفه عند حدوده ولكم أزهقت من نفوس وذهبت من أرواح كان مبعث أصحابها جشع أعمى أعينهم وأصم آذانهم وغشى على عقولهم وأفئدتهم».
ميادين الإصلاح رحبة وفسيحة، وهي هدف من الأهداف التي تثبت أركان المجتمع لأن الكل يعلم بأن الإسلام جاء بقيمه ومبادئه وتعاليمه وأنظمته، ليؤسس مجتمعا صالحا قويا، متحابا متآلفا، فالقوة لابد أن تكون منتظمة مع الحب لا تنفك عنه، والمبادئ والقيم منظومة لا يمكن أن يتنازل عنها حينما تكون القوة مستحكمة وإلا لأدى ذلك إلى ضياع هذه القوة واضمحلالها.
ولأن الأمر كذلك فقد سعى ديننا الإسلامي الحنيف حثيثا إلى إثبات معانيها وترسيخها في نفوس أتباعه، ولم يدع مجالا أو ميدانا إلا حاول الوصول إليه في هذا الباب، وإرساءه في هذا المجال، ولم تكن معه في يوم من الأيام أن الغاية تبرر الوسيلة ولم يترك الأمر مفتوحا في أي مجال من المجالات لعبث العابثين أو تصرفات الطامعين والشأن ذاته فيما يتعلق بأرزاق الناس وموارد كسبهم فقد دعا وبقوة إلى أجل إصلاح هذا الجانب المهم الذي يمس معايشهم، وعليه قوام حياتهم، لأن خرابه مؤذن بخراب الأرض وهو ما نهى المولى فقال -عز وجل – قال سبحانه: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا).
ولأن ميدان الإصلاح رحب وفسيح فإني سأطرق ميدان التجارة والسمات التي يجب أن يتحلى بها كل من البائع والمشتري فإن استقامة شأنهما وسداد أمرهما – بلا ريب – سبب لسداد أمر المجتمع وصلاح شأنه، بينما إن خبث سيرتهما وسريرتهما خبث المجتمع وعادت شؤونه إلى بوار وضياع، لكل هذا، لم تأت تعاليم الإسلام لتقف مع البائع ضد المشتري أو في صف المشتري ضد البائع وإنما حرص كل الحرص أن يسلك مسلكا وسطا في هذا الميدان، وأن يكون في مقام يراعي فيه المصلحتين، بحيث لا يحيف جانب على آخر ولا يرعى حق طرف على حساب طرف ثان، فأما مراعاته لجانب التاجر فقد دعا الدين الإسلامي إلى امتهان التجارة وحث على السعي والكسب في كثير من المواقف النبوية صلى الله عليه وسلم يقول الحق جل ذكره قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، وقال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، قال البغوي: «أي إذا فرغ من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة، والتصرف في حوائجك».
وروى البخاري في صحيحه من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». ومن الأدلة على فضل التجارة وبركتها ما ورد في الصحيحين من حديث أنس أن عَبْدالرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: «أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ، قَالَ: بَارَكَ اللَّه لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا». وسئل الإمام أحمد بن حنبل: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلـم: «وَجُعِلَ رِزْقي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي».
هذا فيما يتعلق بأهمية التجارة، وأما ما يتعلق بالتاجر ورعاية الدين له ففوق ما ذكر فقد دعا الحق – سبحانه وتعالى- للوفاء بالعقود، فإن الوفاء بها من الدين والخائن لا مقام له وليس له موطئ قدم بين فئام المسلمين والدعوة للوفاء بها فيه حفظ لحق التاجر لاسيما إن كان تاجرا تقيا برا أمينا، لأجل ذلك لا نستغرب إن كان التاجر الصدوق سينضوي ضمن فئة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كما جلّى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فعن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: «التاجر الأمين الصدوق المسلم، مع الشهداء يوم القيامة». ولأنه بهذه المنزلة والمقام كان حريا به أن يكون متحملا لهذه المسؤولية مبتعدا عن كل ما من شأنه أن يمس بسمعته وألا يركض خلف أطماعه ضربا بمصالح المحتاجين إليه عرض الحائط قال الله تعالى: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ).
قال الشيخ محمد رشيد رضا – رحمه الله: فإن البخس يشمل النقص والعيب في كل شيء، يقال: بخسه – من باب نفع – حقه وبخسه ماله وبخسه علمه وفضله. والأشياء جمع شيء وهو أعم الألفاظ، وجمعه يشمل ما للأفراد وما للجماعات والأقوام من مكيل وموزون ومعدود ومحدود بحدود الحسية ومن حقوق مادية ومعنوية) وعن ابن عبّاس – رضي اللّه عنهما – قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «خمس بخمس، قيل: يا رسول اللّه وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلّا سلّط اللّه عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل اللّه إلّا فشا فيهم الموت، ولا منعوا الزّكاة إلّا حبس عنهم القطر، ولا طفّفوا المكيال إلّا حبس عنهم النّبات، وأخذوا بالسّنين».
وأما بالنسبة للمشتري أو المستهلك فتتوجه إليه بعض التوجيهات التي تحفظ له حقوقه فمن بين هذه الحقوق أن يكون وفيا فالوفاء قيمة أساسية لاستمطار الرحمات وجلب الخيرات وتنزل البركات وانهمار العطايا فمادام أن المرء وفيا فلا خوف على الحقوق ولا ضياع على الأرزاق بل إن هذه الأرزاق تتضاعف للطرفين للبائع والمشتري ولنا في نبي الرحمة القدوة الأسمى والطريق الأسنى الذي عاش موفيا في تجارته التي كان يتاجر بها في مال السيدة الكريمة خديجة بنت خويلد وهو الذي دفعها لتصطفيه عن غيره وتدنيه منها ليكون الزوج الحبيب وأب أولادها وهل سيجد التاجر قدوة أجل من شخصه وأسمى من نفسه صلوات ربي وسلامه عليه، كما أن يتوجب على المشتري أن يحرص على ألا يسعى للنيل من التاجر أو أن يتمادى في ظلمه أو يتسبب في التشهير به والحط من منزلته فتلك أخلاق لا يرتضيها الدين ولا يقبلها المسلم ولا الإسلام روى البخاريُّ عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضَى».
إن صلاح المنظومة التجارية ومراعاة معايش الناس وأرزاقهم باب من أبواب الدين وجزء من رسالة الإسلام فليس من الأخلاق في شيء المساس بأرزاق الناس والخوض في الغش والتدليس من أجل حفنة قليلة من الأموال، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فعن أبي هريرة: أن رسول الله – صلَّىَّ الله عليْه وسلَّم – مرَّ على صبرة طعام، فأدخَل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام؛ كي يراه الناس، مَن غشَّ فليس مِنِّي»؛ رواه مسلم، فعن عُقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم – يقول: «المسلم أخو المسلم؛ لا يحلُّ لمسلمٍ باعَ من أخيه بيعًا فيه عيبٌ إلا بيَّنه له»؛ رواه ابن ماجه.
على أن أراوح الناس مصونة وكل من يعرضها للخطر في أي غش كان سواء في الغذاء أو الدواء أو في التضليل على الناس وإيهام بأن سلعة ما أصليه فيشتريها الناس على أنها كذلك وهي ليست بذات المواصفات المطلوبة خيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وما أحرى فاعل ذلك بعقوبة تردعه وتأديب يوقفه عند حدوده ولكم أزهقت من نفوس وذهبت من أرواح كان مبعث أصحابها جشع أعمى أعينهم وأصم آذانهم وغشى على عقولهم وأفئدتهم.
لقد أصبح التكاتف والتآزر على حفظ المجتمع من الغش بأنواعه مطلب ديني ووطني لا ينبغي السكوت عليه فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام وفوق هذا وذاك فقد نهى الحق جل ذكره وتقدست أسماؤه عن الفساد في الأرض بعد إصلاحها فقال عز من قائل: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). وأخيرا فإن هذه الأمة لا يمكن أن يستقيم أمرها ويصلح شأنها ما لم تستحكم الأخلاق في نفوس أفرادها ويسود الحب في مختلف أرجائها وما لم يغدو الإصلاح هدفا من أهدافها فوجود ذلك سبيل البناء وغياب ذلك معاول هدم وتقويض لبنيان المجتمع المسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.