الجـــــــنون

عادل محمود –

ـ 1 ـ
في حفلة وداع صديق طبيب حديث التخرج، وسيسافر خلال أسبوع للتخصص في فرنسا. سألني: ما رأيك، أي اختصاص تقترح؟ قلت ضاحكاً: طب نفسي. استغرب. فشرحت:
نحن الآن في الثمانينات، وريثما تنتهي من التخصص تكون بلادنا قد صارت عصفورية «مشفى عمومي للمجانين…»
في تلك الأيام… كانت الحرب الأهلية في لبنان، والحرب الإسرائيلية ـ السورية ـ اللبنانية… وأزمات دواء، وغذاء، حتى أن السوريين كانوا يتبادلون الهدايا في المناسبات :كمية صغيرة من البن أو الشاي، أو
علبة مناديل ورقية، أو بضعة حبوب أسبيرين…
في تلك الأيام زرت مشفى الأمراض العقلية كصحفي «وكنت لم أزل سليماً» فقال لي أحد المجانين ونحن نتجول في الحديقة: يبدو عليك أنت وزميلك الفقر الشديد. وبناء عليه سأعطيكما «شيك»،
وأخرج من جيبه دفتر كتابة عادياً، وكتب على إحدى أوراقه: إلى بنك القنيطرة، لصرف مبلغ مائة ليرة لحامله. وختم الورقة بغطاء زجاجة مرطبات ووقعها. شكرناه ومشينا، فنادانا، واقترب مني، وقال: هل لديك نصف ليرة … فأنا بلا سجائر.كانت مدينة القنيطرة، تلك الأيام، تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا سبيل لصرف هذا الشيك الذي أحتفظ به حتى الآن.
ـ 2 ـ
مضت الأيام…
زمن مضى … فأصبحت الحياة أشد قسوة، ثم جاءت الحرب، وكان مشفى المجانين قريباً من مناطق الاشتباكات … التقيت ذات يوم بطبيب يعمل في المشفى، وقد عاد لتوه من فرنسا «صديقنا الذي ودعناه قبل ربع قرن … لم يعد. وأصبح في باريس معارضاً ثوريا وواعظاً دينياً». سألت الطبيب: ما الحالة النموذجية للتعبير عن جنون السوريين هذه الأيام؟ فكر قليلاً ثم قال: أحد المجانين رسم خطاً بالطباشير على الإسفلت في ممر المشفى، ودعا زملاءه إلى المرور من تحت الخط … ومن ينجح في المرور يصبح حرا. بعد أقل من ساعة كانت رؤوس ووجوه وأنوف وذقون الجميع مدماة … وأسنانهم محطمة.
ـ 3 ـ
أحد أهم المغنين والملحنين اللبنانيين ـ فيلمون وهبه، يروي أنه كان يحب الطبيعة الجميلة التي يقع فيها مشفى المجانين في جبل لبنان … يذهب إلى تلك الممرات المشجرة يتمشى حول المشفى، وحين يدركه الإلهام لتلحين جملة شعرية يبدأ بتلك الحركات الإيقاعية بالأصابع على صدره:
«ورقو الأصفر… شهر أيلول
تحت الشبابيك… ذكّرني ورقو بدهب مشغول
ذكرني فيك» ■
وهو على هذه الحال يستوقفه أحد المجانين، داخل السور الشبكي: لماذا تفعل هذه الحركات؟
وأراد فيلمون أن يشرح له: أنا ألحن أغنية، وأحرك أصابعي بالأنغام والإيقاعات…ضحك الرجل المجنون بفرح طفولي وقال: كلنا بدأنا هكذا.
ـ 4 ـ
على الحدود بين بلدين شرق أوسطيين تتوقف أمام شرطة الأمن العام سيارة فاخرة. مرسيدس آخر موديل. يفتح السائق الشباك ويبرز بطاقة عضوية برلمان، في تلك اللحظة يندفع كلب يشبه ذئباً في الأفلام … وينبح دالاً على وجود مخدرات في السيارة. ولم يجرؤ جنود الموقع على إيقاف السيارة وتفتيشها. ولكن الكلب ضاعف من نباحه، وأفلت من السلسلة وهاجم السيارة … مما اضطر الضابط لتفتيش السيارة، وكانت مليئة بكل أنواع المخدرات.
كان مشهداً من مشفى المجانين، أيضا:
نائب يزمجر غاضباً، وكلب يزمجر معترضاً.
■ أغنية شهيرة لفيروز (المغنية اللبنانية
الأكثر شهرة، والكلمات للشاعر جوزيف حرب).