الاتفاق الأمريكي المكسيكي الكندي الجديد .. نموذج يمكن البناء عليه !

عبد العزيز محمود –

بالتأكيد هي خطوة إيجابية، لكنها لم تكن تستحق كل هذا الضجيج، فالإعلان عن اتفاق تجارة جديد بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، لم يكن إلا تحديثا لاتفاق قائم، لكنه يستمد أهميته من كونه يحافظ على استمرار حركة التجارة في منطقة أمريكا الشمالية، والتي تقدر قيمتها بنحو تريليون ومائة مليار دولار سنويا وهو أمر شديد الأهمية لكل من الدول الثلاث .
الاتفاق الذي توصلت إليه الدول الثلاث من حيث المبدأ، هو اتفاق معلق للتجارة الحرة يحمل اسم (يوسمكا-USMCA)، وقد جاء بعد نحو عامين من المفاوضات، لكنه لن يصبح ساري المفعول حتى تصدق عليه برلمانات الدول الثلاث، ويوقع عليه قادتها، ليصبح بديلا لاتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية والمعروفة باسم (نافتا- NAFTA ) الذي وقعته الدول الثلاث في عام ١٩٩٢.
الاتفاق الجديد سبقه اتفاق مبدئي أمريكي مكسيكي في نهاية أغسطس الماضي، ثم انضمت إليه كندا في نهاية سبتمبر الماضي، ومن ثم تم فتح صفحة جديدة في شراكة التجارة بين بلدان قارة أمريكا الشمالية، ورغم أن اتفاق « يوسمكا» هو نسخة معدلة من «نافتا»، إلا أن الرئيس ترامب اعتبر الاتفاق الجديد إيفاء بتعهد انتخابي بإلغاء نافتا التي اعتبرها أسوأ اتفاقية تجارية في تاريخ الولايات المتحدة، حسب وجهة نظره .
والحقيقة أن ما حدث هو عملية استبدال وليس إلغاء، فالرئيس ترامب لم يكن بوسعه إلغاء نافتا، لأنه بذلك يدمر شراكة تجارية مهمة مع المكسيك وكندا، وهو ما سينعكس بالسلب على الاقتصاد الأمريكي، بوصفه المتضرر الأكبر، خاصة في حالة اتجاه كندا والمكسيك لتطوير علاقاتهما التجارية مع الصين على سبيل المثال .
ومع ذلك فالإدارة الأمريكية تعتبر التوصل إلى «يوسمكا» انتصارا للنهج الذي تتبعه في مفاوضات التجارة مع الدول الأخرى، بما يعني أن الاتفاق يمكن الاستفادة منه والبناء عليه في التوصل إلى اتفاقات مماثلة مع الاتحاد الأوروبي والصين.
ولا شك أن اتفاق «يوسمكا» سوف ينهي حالة عدم الاستقرار، وأيضا حالة عدم اليقين التي عاشتها قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات التي تعتمد على التجارة المعفاة من الجمارك في منطقة أمريكا الشمالية، بسبب تهديدات الرئيس الأمريكي بإلغاء اتفاق «نافتا» ما لم يتم التوصل إلى اتفاق جديد.
وبموجب هذا الاتفاق سوف يتم إعفاء السيارات من التعريفة الجمركية في حال تصنيع ٧٥٪ من أجزائها في أمريكا الشمالية (بدلا من ٦٢٪ في ظل نافتا)، وزيادة الحد الأدنى لأجور عمال ٤٥٪ من شركات السيارات إلى ١٦ دولارا للساعة بحلول عام ٢٠٢٣.
كما وفر الاتفاق حماية لكندا والمكسيك من التعريفات الجمركية التي أعلنها ترامب في يونيو الماضي على واردات بلاده من الصلب والألمنيوم، ورفع حدود الإعفاء من الرسوم الجمركية للمتسوقين عبر الإنترنت إلى ١٠٠ دولار لدخول المكسيك و١١٥ دولارا لدخول كندا، مما يخدم المتسوقين وشركات الشحن والتجارة الإلكترونية.
وفيما يتعلق بشركات الأدوية يمدد الاتفاق فترة احتكارها لبراءات الاختراع إلى عشر سنوات، ويسمح لمنتجي الألبان الأمريكيين بوصول المزيد من منتجاتهم إلى السوق الكندية، ويحسن إجراءات حماية الملكية الفكرية، ويمنع الدول الموقعة عليه من إضعاف عملتها لكسب ميزة تجارية.
كما يقلص «يوسمكا» آلية تسوية المنازعات، لكنه يبقيها في إطار قواعد «نافتا» ، ويجبر الولايات المتحدة والمكسيك وكندا على مراجعة الاتفاق كل ست سنوات، وإمكانية تجديده بعد ١٦ عاما، وهو ما يكفل استقرارا للقواعد القانونية التي تحكم حركة التجارة.
وبدا واضحا من السرعة في إنجاز الاتفاق، أن الجانب الأمريكي تخلي عن تشدده في المفاوضات، بهدف تحقيق إنجاز يرمم شعبية الرئيس ترامب، ويدعم الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، والمقرر إجراؤها في ٦ نوفمبر المقبل.
والأهم من ذلك تهدئة نزاعات الولايات المتحدة التجارية مع حلفائها في أمريكا الشمالية وأوروبا، بعد أن ألحقت ضررا بالغا بمصداقيتها ونفوذها العالمي، لتتفرغ لمفاوضاتها أو بمعنى أدق نزاعها التجاري مع الصين، وهو نزاع تسبب وفقا للمؤشرات الراهنة في رفع درجة التوتر بين أكبر اقتصاديين عالميين، وسط مخاوف من انهيار العلاقات الثنائية، ودخول البلدين في حرب تجارية تقوض النظام التجاري العالمي.
وبينما تطرح الإدارة الأمريكية اتفاق «يوسمكا» مع المكسيك وكندا، باعتباره نموذجا يمكن الاحتذاء به في مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة وكل من الصين والاتحاد الأوروبي، فإن الحقائق على الأرض تقول شيئا آخر، فيوسمكا الذي يحل محل نافتا، قد يحل نزاعات التجارة في منطقة أمريكا الشمالية، وأيضا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكنه لا يصلح مدخلا لحل النزاع التجاري بين واشنطن وبكين، والذي بلغ مرحلة غاية في التعقيد.
فالبلدان يتبادلان منذ مارس الماضي فرض الرسوم الجمركية على واردات كل منهما، وسط تهديدات من ترامب بفرض رسوم جمركية على ما قيمته ٤٠٠ مليار دولار من السلع الصينية، بينما توقفت الصين تماما عن استيراد النفط الأمريكي، وخفضت وارداتها من فول الصويا، وقلصت استثماراتها في السندات الأمريكية، وتهدد بوقف توريد مواد ضرورية للجيش الأمريكي، من بينها إلكترونيات ومواد كيميائية تستخدم في صناعة الذخائر.
ومع اتهام نائب الرئيس الأمريكي ما يك بنس للصين بالتدخل في الانتخابات الأمريكية، وهو ما نفته بكين، وتصميم واشنطن على وضع حد لما تعتبره محاولة الصين الهيمنة على قطاع التكنولوجيا العالمي فإن حرب التجارة بين البلدين مرشحة للتطور من تبادل الرسوم الجمركية إلى وقف الاستيراد وهو أحد أشكال حرب التجارة التي تحمل نوايا انتقامية.
وهكذا فان اتفاق «يوسمكا» لن يحل النزاع التجاري الأمريكي الصيني، فالاتفاق ورغم أهميته مجرد نسخة معدلة من نافتا، وكل ما فعله ترامب هو انه لم يلق اتفاقية نافتا في سلة المهملات، بل قام بتحديثها تحت اسم «يوسمكا»، وكأن ما حدث هو إعادة إنتاج نافتا باسم جديد.