إجازة من الهاتف .. هل يمكن ؟!

سعيد الكندي –

إن السنوات القليلة القادمة ستشهد تحولات كبيرة في وسائط ووسائل التواصل الاجتماعية، ولا يلوح في الأفق أن هناك من إمكانيات تكنولوجية قابلة للحد من إيقاف الزمن في وجه هذه الماكينة التي باتت تطحن كل ما يقف أمامها من قيم ومثل وأفكار، لأن الوقت المهدر أكبر من الوقت المستغل .
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن أرى فيه الجد والحفيد يتنازعان في إضاعة وهدر الوقت في الانشغال الدائم بمالئ دنيا العصر وشاغل وقتهم ـ الواتس آب ـ الذي لا يفتر صباحا ولا مساء وهو في حركة دائبة. وكأنه كوكب في فلك يدور، وما أرى الناس حول هذا الكوكب إلا أشبه بأقمار أتباعا تدور حوله في أفلاك هي أيضا باتت قدرا.
ولعلنا الآن نعيش في فترة حرجة من الزمن الذي يحمل النقيضين في آن، وأنه من دواعي العجب في المنطق أن يحمل الشيء نقيضه، أي أننا في زمن تطور تكنولوجي متسارع، مع شعوب أصبحت أسيرة أجهزة كفية تتحكم في كل مفصل من مفاصل حياتها، حتى يكاد تتحكم في اتخاذ قراراتها، وتحسب حسابها في كل سكنة أو حركة أو نأمة .
فلماذا أصبحنا أسرى هذه الأجهزة، وبتنا تحت رحمتها، تتحكم بنا ولا نستطيع منها فكاكا ؟ لعله من المهم الوقوف على عدد من الجوانب الأكثر تأثيرا ومراوغة في حياتنا، والتي تخاتل فيه هذه التكنولوجيا لقتل أوقاتنا، وتقتل فينا كل ما نحاول أن نستثمره من ذلك الوقت، وتساهم في تفويت الفرص في لحظة انشغال تحسب علينا، مما يترتب عليها ضياع الكثير من الأعمال والمصائر المتعلقة بالآخرين الذين كانوا في أمس الحاجة إلى ذلك المشروع أو العمل. ومن المؤكد أننا لن نحمل عقدة الذنب في ذلك، ومما حصل أن تفويت الفرص أصبح من الأمور الاعتيادية، وخاصة أن أثمن شيء نمتلكه هو الوقت الذي إذا ذهبت ثوانيه لن تعود أبداً، ولا ساعة من ندم.
وأول ما نبدأ به الطفولة البريئة التي أصبحت محاطة بالكثير من الأخطار ومهددة بالكثير من الانحرافات والسلوكيات، التي باتت تشغل هواتفهم النقالة التي سمح الآباء باقتنائهم لها؛ غير مدركين ما يمكن أن تنطوي عليه محتويات ما يتابعونه عبر الشبكة أو الألعاب الإلكترونية التي تدفعهم إلى الانحراف، ناهيكم عما يمكن أن تعرضهم لطرق هي بمثابة شرك ينصبها الناصبون لاستمالتهم أو تجنيدهم دون إدراك منهم إلى الشبكات المشبوهة والمعروفة بالابتزاز الإلكتروني، الذي أصبح لا يستهدف شريحة الأطفال فحسب بل تتعدى الكبار نتيجة ميلهم إلى الانحراف بمتطلبات تغريهم منها وهي معروفة.
ومما يؤسف عليه أيضا أن الخطر يحدق بالكثير من المراهقين وطلبة المدارس وطلبة الجامعات، فأصبحت تسرق كل وقتهم وتلهيهم عن المذاكرة والتحصيل الدراسي الذي نتج عنه ضعف القراءات الرصينة، ناهيك عن السهر إلى الساعات المتأخرة من الليل، وما يمكن متابعته من خلال ما يبث لهم وينتقل إليهم من أقرانهم.
كما أصبحت الحياة الاجتماعية للكثير من الأزواج وكأنهم يعيشون في كوكبين معزولين كل عن الآخر في هذا الفضاء الأزرق اللامتناهي، مما تسببت هذه الانشغالات بوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بالكثير من حالات انفصام عرى العلاقات الاجتماعية بشكل عام، وارتفاع حالات الطلاق بين الأزواج في الكثير من المجتمعات التي أصبحت فيها الحياة الزوجية هي علاقة مقتصرة على ما يبيحه الشرع في العلاقة، أما غير ذلك فكل في فلكه يسبح .
وما يثير العجب أن نجد من يخرج في رحلات الترفيه يكون فيها الهدف هو طلب الاستجمام والراحة من ضغوط العمل نهاية الأسبوع؛ لنجد أن الهواتف تحتل الموقع، وخاصة إذا كانت الرحلة جماعية فتتحول تلك الرحلة إلى كلام في كلام، وكأنها لم تخرج في طلبها، ولكن الأدهى والأمر أن تجد الفرد منهم يتابع أعماله وما يقوم به موظفوه عن بعد، وهو في إجازة نهاية الأسبوع التي يتطلب فيها أخذ قسط من الراحة أو قضاء يوم مع العائلة؛ لنجد أن الروتين ـ العادة ـ يطغى على المحفل، الذي دأب عليه طيلة أيام الأسبوع وكأنها أصبحت نسخة طبق الأصل ليومي إجازة نهاية الأسبوع، فيبيتون في تواصل غير منقطع مما يزيدون انفسهم رهقا.
تعزى الكثير من الحوادث في الشوارع لأجهزة الهواتف التي تشغل وتشتت انتباه السائقين لمركباتهم، ففي الطرق الآمنة الواسعة السريعة، والمصممة بأحدث المواصفات في التصميم، نجد أن الحوادث تكثر فيها نتيجة عدم انتباه السائقين ومراعاتهم لأنظمة السير على الطرق، كما أن ذلك ينطبق أيضا حتى على الراجلين من مستخدمي الطريق فهم في الغالب لا ينتبهون إلى الإرشادات التي توضع على الشوارع بغرض الصيانة فالكثير من الأفراد في المشاهد المسجلة لآلات تصوير الطرق هي لمستخدمي هواتف سقطوا في حفر الصرف الصحي أو في الحفريات المعدة للصيانة أو اصطدموا بالحواجز التحذيرية أو دخلوا أمكنة تشكل خطرا على الراجلة أثناء سيرهم دون اكتراث .
في بعض المجتمعات ذات الكثافة في المراهقين والكبار، والتي باتت تعاني من أزمة حقيقية في كيفية التواصل، فكل فرد من أفراد العائلة أصبح في جزيرة معزولة عن الآخر، كما باتت الحسنة اليتيمة للقاء هو اللقاء العابر، والذي إذا تم فإنه لا يخلو من مشاحنات أو لوم أو عتب ومشادات كلامية، والتي لا طائل منها في الأساس كونها تنبع عن عدم تشرب كلا الطرفين بما عند الآخر من مشاعر؛ كونهما يعيشان بمعزل عن بعضهما البعض.
تشير الكثير من الدراسات إلى أن هناك عددا كبيرا من الأمراض التي باتت تؤثر على الكثير من الأفراد نتيجة استخدامهم للهواتف بصور متواصلة، منها فقد القدرة على التركيز، وضعف الإبصار، وخاصة ممن يتعرضون لإضاءة الهاتف ليلا في الغرف المظلمة، وآلام الرقبة والعمود الفقري، وتكلس الغضاريف المحيطة بالنخاع، وغيرها من الآلام التي يمكن أن تتسبب في مضاعفات، ناهيك عن إرهاق الأعضاء التي لها علاقة مباشرة بحركة اليد، والتهابات الأذن كعضو للاستماع المتواصل عبر السماعات المتصلة مباشرة بالأذن، والرقبة في انتكاسها الدائم إلى الأسفل وغيرها من المؤثرات العصبية، وخاصة إذا كان الأفراد المستخدمون غير رياضيين الذين لا يمكنهم تعويض ذلك من خلال ممارسة الرياضة .
إن السنوات القليلة القادمة ستشهد تحولات كبيرة في وسائط ووسائل التواصل الاجتماعية، ولا يلوح في الأفق أن هناك من إمكانيات تكنولوجية قابلة للحد من إيقاف الزمن في وجه هذه الماكينة التي باتت تطحن كل ما يقف أمامها من قيم ومثل وأفكار، لأن الوقت المهدر أكبر من الوقت المستغل .
إن سرعة التطور التكنولوجي وخاصة في الهواتف الذكية لا تحدها حدود، وأصبح نمو هذه التكنولوجيا لا يواكب معدلات نمو دخل الفرد في كثير من البلدان، مما يضطر كثير من مدمني شراء الهواتف الجديدة إلى الاستدانة أو طلب الشراء بالتقسيط المريح، وذلك خوفا منهم من عدم امتلاكهم النسخة الأخيرة من الإصدار، كما أن روح التمظهر والتباهي في كثير من المجتمعات تدفع ـ وخاصة ذوي الدخول الفقيرة ـ إلى الشراء لإرضاء الذات بصورة جنونية، فحقا أن جليس الزمان ليس لمثل هذا الزمان.
فلماذا لا نتحرر من عبودية الهواتف التي بتنا نرسف في أغلالها، ونخصص لنا يوما في الأسبوع نبتعد فيه كليا عن الهاتف أو نحدد ساعات معينة في اليوم أو أسبوعا في الشهر نطلب فيه نقاهة عالية من مرض بتنا مدفنين فيه ومدمنين على دائه .