الذكاء الاصطناعي وضرورة التقنين

د. عبد القادر ورسمه غالب –
awarsama@warsamalc.com –

الثورة التقنية فتحت آفاقا بعيدة وسبرت أغوار العلم والمعرفة في شتى المجالات والعلوم وارتقت بالبشر لعالم بعيد المعالم للدرجة التي لا تعرف الحدود. وآثار هذه التقنيات وفوائدها وانعكاساتها لا تحصى ولا تعد، ولا أحد يدري إلى أين ستقودنا في الغد القريب. ولقد تدخلت الثورة التقنية في تكييف حياتنا لأبعد الدرجات وللدرجة التي لا نستطيع الفكاك أو الابتعاد عنها، وعلينا تحمل النتائج بما فيها من خير مطلق أو شر كامن. ومن آخر ما أتت به التقنية، ما يعرف بالذكاء الاصطناعي (آرتفيشيال انتلجنس) الذي أصبح واقعا يشاركنا حياتنا في العديد من المجالات، بعد أن كان مجرد أفكار علمية غريبة نشاهدها في أفلام الخيال العلمي التي تتضمن الأجهزة الذكية والإنسان الآلي الروبوت وغيره. ولا ندري، ماذا يحصل إذا وصل هذا الإنسان الآلي إلى ذكاء عال جدا أكثر من الإنسان ويتفوق عليه بكثير؟ ماذا يحدث؟؟. أصبح الذكاء الاصطناعي الآن أكثر تقدما وقربا من حياتنا اليومية خاصة في ما يتعلق بـ«تعلم الآلة»، والذي يتألف من خوارزميات يتم تعلمها عن طريق اكتشاف بعض الأنماط ثم استخلاص النتائج من البيانات الخام غير المصنفة. وما إن تقوم هذه الخوارزميات الاستكشافية بدراسة ما يكفي من البيانات وبناء مكتبة جيدة من الاستجابات الروتينية، فإنه يصبح من الممكن أن تطبق هذه الحسابات لاتخاذ القرارات وحساب التوقعات عند مواجهة أوضاع مماثلة في المستقبل. وهكذا عبر هذا التطور، يصبح للآلة الصماء «مخ» يفهم ويعمل وفق ما يفهمه. ولكن ماذا يحدث إذا لم يتم الفهم بصورة كاملة؟ وما ردود الفعل إذا فهمها معكوسة أو تجاوز حدودها ؟ هذه أسئلة تحتاج للتمعن والإجابة الفنية التقنية لما لها من آثار مؤثرة.
إن الذكاء الاصطناعي يندمج الآن في المنتجات التجارية والخدمية، ومن الأمثلة على ذلك بعض تطبيقات أو محركات البحث في جوجل، أو ميزة التعرف على الوجه في الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي الخاص بشركة سامسونج، أو أنظمة السلامة في السيارات الذكية ذاتية القيادة «سمارت كارز» أو في طائرات «الدرون» أو برمجة الروبوت.. وفي هذا الخضم تلاحظ، وجود التنافس المحموم بين شركات السيارات مثل أودي وتيسلا ونيسان في إنتاج سيارات ذاتية القيادة بالكامل. وكذلك شركات الهواتف الذكية اقتحمت مجال السيارات ذاتية القيادة مثل شركة أبل التي حصلت على تصريح في كاليفورنيا للقيام بإنتاج واختبار السيارات الذكية. وكل العالم بدأ الاهتمام بهذا المجال ومن المتوقع أن يتم إنتاج أكثر من سيارة ذاتية القيادة في الأعوام القادمة وبدأت بعض البلدان في منح التراخيص للاستخدام وسوف يحتل برنامج «تعلم الآلة» مقعد السائق. والترخيص وجد ترحيبا من فئة كبيرة من الجمهور، كما حدث في كل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تستخدم الآن بشكل يومي في عدة خدمات ومنتجات. والدليل هو اعتماد مواقع التسوق والخدمات على آلية «تعلم الآلة» لتوقع ما قد يرغب فيه الزبون، وعرض الاقتراحات عليه بناء على هذه التوقعات. وتقول هذه الجهات أن كشف الاحتيال، على الرغم من عدم اكتماله بعد، أصبح أكثر كفاءة بمساعدة خوارزميات تعلم الآلة.
ثم ماذا بعد وما هي الآثار القانونية التي تترتب علي هذه التطورات التقنية التي تزحمنا وتفاجئنا في كل يوم ؟ لقد كانت الفترة الأخيرة، مثيرة بالنسبة للقانونيين العاملين في إيجاد الأحكام والتشريعات لمقابلة الثورة التقنية وخاصة فيما يتعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي. وفي أمريكا، قام «سيناتورس» من الحزبين الرئيسيين بعمل مسودة قانون تتناول الذكاء الاصطناعي وآفاقه في العالم. وهذا يعتبر أول قانون فيدرالي حول تقنين الذكاء الاصطناعي، وبموجبه تنشأ «لجنة مختصة» تدرس جميع الحيثيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وإصدار القرارات كل وفق تخصصه. وهناك أمر هام، أن من اختصاصات هذه اللجنة دراسة آثار التكنولوجيا على القوى العاملة في أمريكا والاستراتيجيات الخاصة بحماية خصوصية المتأثرين بها. وهذا بالطبع من مشاكل الصراع المستمر بين التقنية الآلية والإنسان.
وقامت بلدية نيويورك بالمصادقة على قانون هو الأول لها لمحاولة تقنين ما يحدث من مستجدات وبصفة خاصة عمل التقنيات الحديثة شاملة الذكاء الصناعي، وكذلك هناك ما يتعلق بعدم تأثيرها سلباً على القوى العاملة. وبطبيعة الحال، فإن الجهود الحالية في عدة دول تبدو متماشية مع الدعوات التي تطالب بتقنين مجال الذكاء الاصطناعي ووضع أطر معينة تحكمه تفادياً للآثار السلبية التي من الممكن أن يحدثها على المجتمعات مع المخاطر الأخرى المتعددة، هذا إضافة للتحذيرات التي أطلقها العديد من المفكرين والتي أشاروا فيها إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تهديداً كبيراً على البشرية ككل. وبالطبع كل جديد سيجد المقاومة والاعتراض بل والشجب.
وبما أن تطور التقنية أصبح أمرا واقعا لا محالة، يجب علينا وقبل أن نبدأ في الحديث عن الذكاء الاصطناعي العمل على معرفة مكوناته وعناصره الحقيقية، البحث الدقيق عن التفاصيل والآثار والنتائج. مع ضرورة إصدار أطر عمل قانونية وإجرائية وأخلاقية ومهنية تكون محددة ومباشرة للتنظيم المحكم في تنفيذ كل البرامج التقنية. حتى نكون في أمان، ولو أمان نسبي..
وفي هذا الخصوص، بعض الدراسات أشارت إلى أنه لا وجود لتعريف معين للذكاء الاصطناعي، والذي تم وصفه بشكل عام على أنه برنامج «تجميع متنوع من التقنيات الحديثة» والتي تأتي من الأفكار وتعتمد على القدرات البشرية. وتشير التعريفات للذكاء الاصطناعي إلى أنه التقنية التي يمكنها أداء ما يقوم به الإنسان من أعمال ومهام، بيد أن المدى الذي يمكنها الوصول إليه في تنفيذ جميع ما يقوم به الإنسان تبقى المعضلة الكبرى. وعدم وضوح التعريف، هو أحد أكبر المشاكل التي تواجه تقنين التقنية. وما زلنا نعاني من تعريف الجريمة الإلكترونية وحدودها، والأمر سيان الآن للذكاء الاصطناعي الذي يحتاج للتعريف ليسهل التقنين. ولذلك هناك من يقول بترك الذكاء الاصطناعي بدون تنظيم وتقنين حتى نجد تعريفا محددا. وهكذا تتعارض الأفكار، ولكن في رأينا، لا بد من التقنين الذي ينظم ما يحدث في إطار واضح دون كبح جماح التطور التقني الذي نتطلع له للمستقبل والأجيال القادمة من «جيل التقنية».