عطر: هي أمي وأنت زوجتي

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

هناك سؤال يثير قلقا متجذرا وعميقا بعقول وقلوب كل الأمهات، يربكهن وحتما يخشين احتمالاته المفتوحة والمرتبطة بالآخر، وهن لا يعلمن كيف ستكون مسارات إجاباته، هل سيخضعن لقانون الاستسلام لأن لا اختيارات أخرى أمامهن، أم سيسكنهن العناد والغضب ويقترفن الندم، ويغامرن بصورتهن في عالم اجتهدن في غزل نسيجه خلال رحلة أعمارهن؟

هو امتحان التوزان الذي يعيشه كل من الأمهات والأبناء وتحديدا الذكور منهم، حين يقرر الابن أنه آن الأوان ليرتبط بامرأة، ويختارها لتكون زوجته.
نعم إنه أمر حتمي وطبيعي، ومن الصعب أن يفهم المجتمع ما تعيشه الأم في هذه الحالة، انه مزيج عجيب من نسب متفاوتة من الفرح والقلق والشعور بالمتغيرات القادمة، فهي التي كانت محور يومياته، تهتم بكل تفاصيله وتعرف ما يحب وما يكره، ومتى يغضب، وما هي أفضل أكلاته وأجمل مواقفه وكل أحداث طفولته ومغامراته؟ ومتى قال لأول مرة: (بابا)، نوادر مراهقته وكل أصدقائه، كيف كان تلميذا مشاغبا وكم عذبها في المواد النظرية،أمور أخرى كثيرة على سبيل المثال لا الحصر، هي وحدها من يملك أسراره وتعرف أول حبية له، وحتى تلك الأشياء المخجلة التي اقترفها بسذاجة وبراءة الطفولة، إنها حضنه الأول يختبئ وراءها من غضب والده، يحتمي بظلها ويبتسم حين تبتسم له، ويبكي أن غضبت منه.
الأمومة لا يمكن اختصارها بوصف أو بتعبير، هي أمواج عاتية من الحب الخالص الذي لا تشوبه عواصف الشك، ولا خوف النهايات، كونها عاطفة لا ترتبط بزمن أو بمكان، إنها نعمة إنسانية تضيف للمرأة نوعا آخر من الحب، لا علاقة له بالمادة أو بالشكل أو بالهدف، هي اللاهدف في أجمل هدف.
هي الرحم الذي احتواه وحماه ليطل على الحياة من آلامها، فتخرج الحياة من قلب الحياة، سر غريب أراده الله سبحانه وتعالى، فحين ينتهي المخاض وتلد المرأة يتوقف الألم، وكأنه لم يكن، ويهمد الجسد المنهك لتعلو ابتسامة الفرح والخلاص، علاقة مربوطة بالحبل السري شيء من عظمة الله في خلقه.
هي الأم من عرف قيمتها أدرك أن حبها هو العلاقة الأقوى والأسمى، لكن الرجل يرغب في تأسيس عائلة فيبحث عن عاطفة من نوع آخر، زوجته مصدرها، لتكون الحبيبة والأنيسة علاقة تحكمها مشاعر مختلفة وقيم مختلفة، وليس من العدل مقارنتها بعلاقة الأم بولدها، حيث لا يمكن اعتبارها علاقة أبدية لأنها قد ترتبط بزمن الحب أو الرغبة، وقد تنتهي لسبب من الأسباب،هي إذا الحاجة للاكتمال بالآخر ولبناء عائلة وانجاب الأبناء، إنها رحم أولاده وشريكة أيامه القادمة، عاطفته نحوها، عاطفة جياشة وجميلة ولكن لا ينفع أن تقارن بعاطفة الأم فذلك أمر ستكتشفه الزوجة يوم تصبح هي نفسها أما، أي حين تنضج أنوثتها بعمق أمومتها.
من أكثر المشاكل التي يقع فيها الأزواج الجدد، هو أن تطلب الزوجة تفضيلها على أم الزوج، وتقف موقفا سلبيا من هذه العلاقة، فلا تحترمها وتستخف بها أو حتى تطلب من زوجها أن لا يصغي إلى أمه، أو تمنعه من القيام بواجبها، ولا يمكن أن ننسى أن على الأم من جهتها، أن لا تضغط على ابنها أو تسمعه كلاما تتهمه فيه أنه يتجاهلها أو يتناساها.
إنها علاقة ثلاثية، تحتاج مايسترو يجيد توزيع نوتاتها، كي لا تتضارب نغماتها وتصدر نشازا يدمر جهازه العصبي.
مهمة صعبة في بداية الزواج ولكن هو وحده بإمكانه أن يحسمها، ويقضي على تصاعدها حين يعمل على إعطاء هاتين السيدتين القطبين بحياته، الجرعة الكافية من الاهتمام والاحترام والعناية، واضعا نصب أعينه أن الدبلوماسية المتوازنة، ستساعده على فرض التوازن الكافي الذي يحفظ لكل امرأة منهن عالمها ومكانتها وسعادتها وقيمتها أمامه وأمام نفسها.