النفط بين السياسة والتجارة وأشياء أخرى !!

د.عبد الحميد الموافي –

إذا كان العرب لم يعودوا قادرين على استخدام النفط كسلاح سياسي، سواء برغبة منهم أو اضطرارا، فإن واشنطن وإدارة ترامب تمارس أقصى الضغوط الممكنة لتوظيف النفط كسلاح سياسي ضد إيران، وضد روسيا وضد فنزويلا، وتعمل في الوقت ذاته، وبالضغوط أيضا لضمان تدفقات نفطية في الأسواق العالمية بشكل يحول دون حدوث ارتفاع حاد في أسعار النفط في الأشهر القادمة.
تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والأربعين لحرب السادس من أكتوبر 1973، وهو ما يطرح العديد من الذكريات والتداعيات وشريط الأحداث خلال تلك الفترة العربية الفتية التي لا يمكن أن يقلل منها، أو يبعدها، ما تمر به المنطقة العربية الآن من تطورات وأحداث تدعو للأسى، بل وتكاد تهز ثقة كثيرين، خاصة ممن لم يعيشوا تلك الفترة، ولعل ذلك هو ما يدعو للتوقف قليلا أمام تلك الفترة المجيدة التي أثرت بشدة في واقع المنطقة العربية، وفتحت عيون الدول الغربية على عناصر قوة عربية أثارت قلقا حقيقيا لدى الغرب، حول ما قد يمكن للعرب القيام به في المستقبل، ليس سياسيا ولا عسكريا بالمعنى الضيق لذلك بالطبع؛ لأن ذلك ليس في متناول العرب، ولكن اقتصاديا ونفطيا بشكل محدد، بحكم وزنهم النفطي، سواء من حيث حجم الإنتاج أومن حيث حجم الاحتياطي المؤكد من النفط والغاز الموجود في أراضيهم، وهو ما ترتب عليه في الواقع سلسلة متصلة من الأحداث والتطورات، ليس من المبالغة القول إن آثارها ونتائجها لا تزال تعبر عن نفسها بأشكال مختلفة، مباشرة وغير مباشرة، وتتردد أيضا في جنبات المنطقة العربية والشرق الأوسط ككل من حولها.
وإذا كان من المؤكد أننا لن نحكي قصة العرب مع النفط، منذ اكتشاف بعض آباره في ثلاثينات القرن الماضي، بل وتعرض بعض الآبار النفطية لمحاولة القصف خلال الحرب العالمية الثانية من جانب إيطاليا، فضلا عن الصراع المحموم والتنافس الشرس في عمليات الاستكشاف والسيطرة من جانب الدول الغربية على أكبر مساحات ممكنة من مكامن النفط العربية، وبصيغ متعددة، فإنه من المعروف أنه حتى عام 1973، وتحديدا حتى اندلاع حرب أكتوبر المجيدة، فإن أسعار النفط لم تكن وصلت إلى ثلاثة دولارات للبرميل، وكانت تدور حول 5.1 دولار إلى 2 دولار للبرميل تقريبا، برغم أن منظمة أوبك كانت قد أنشئت قبل ثلاثة عشر عاما من ذلك التاريخ، فقد أنشئت منذ عام 1960م، غير أن الأمر اختلف تماما بعد حرب أكتوبر، وبسببها أيضا، خاصة مع تطبيق الدول العربية المنتجة للنفط خطة لتخفيض إنتاجها من النفط بنسبة 5% تزيد تدريجيا، مع وقف إمداداتها النفطية إلى الولايات المتحدة وهولندا ودول غربية أخرى، بسبب مواقفها الداعمة بقوة لإسرائيل، وذلك تضامنا ودعما من جانب الدول الشقيقة لمصر وسوريا في معركة العبور، ومنذ ذلك الوقت، وعلى مدى خمسة وأربعين عاما تأرجحت أسعار النفط بين السياسة والتجارة تارة، وبين المطامع والضغوط والتهديدات السافرة والمبطنة تارة أخرى، وحتى الاحتلال السافر حينا، والتلويح باحتلال بعض مناطق إنتاج النفط عند الضرورة حينا آخر، وهو الأمر الذي وصل إلى ذروة الضغوط واللغة غير المسبوقة في الآونة الأخيرة، وعلى أية حال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدة جوانب، لعل من أهمها ما يلي:
* أولا: أنه إذا كانت الدول العربية المنتجة للنفط، قد استخدمت النفط في عام 1973 كسلاح سياسي لدعم مصر وسوريا، والوقوف إلى جانب الحق العربي بوجه عام، في مواجهة إسرائيل والتأييد الأمريكي والغربي الشديد لها، فإنه ترتب على ذلك أثران مباشران:
– أولهما هو بدء ارتفاع أسعار النفط تدريجيا، وبشكل ملموس اعتبارا من عام 1974، وهو ما حقق ويحقق مصالح الدول العربية، المنتجة للنفط وغيرها أيضا، بدرجات متفاوتة ومرتبطة بعوامل واعتبارات عدة بالطبع.
– والأثر الثاني هو التحرك المحموم من جانب وزير الخارجية الأمريكية الداهية هنري كيسنجر في ذلك الوقت، ليس فقط للإسراع بوقف تخفيض العرب لإنتاج النفط وإنهاء مقاطعة بلاده، ولكن من أجل حرمان العرب من هذا السلاح بشكل تام من ناحية، والإسراع بإنشاء مجموعة الدول الغربية المستهلكة للنفط، باسم مجموعة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومقرها باريس من ناحية ثانية، وكان من بين أغراضها التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء لمواجهة أية أزمة في الإمدادات النفطية، بما في ذلك العمل على تكوين احتياطي نفطي لعدد منها لمواجهة أية ظروف، واقتسام الموارد والإمدادات النفطية لدول المجموعة في أوقات الطوارئ أو الأزمات، وتشكيل موقف للدول المستهلكة للنفط يوازن موقف الدول المنتجة التي تمثله «أوبك»، وفي الوقت ذاته الترويج الواسع للدعوة لعدم استخدام النفط كسلاح سياسي مرة أخرى من جانب العرب، والتعامل معه كسلعة تخضع لعوامل السوق، والعرض والطلب، كأي سلعة أخرى، وبالفعل تأرجحت أسعار النفط، برغم تحسنها المطرد، وانهارت الأسعار بفعل ظروف عديدة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وتقريبا كل عشر سنوات بعد ذلك، حتى حدث الانهيار الكبير في منتصف عام 2014، حيث انخفضت أسعار النفط من نحو 115 دولارا للبرميل – وكان قد وصل أحيانا إلى 130 و135 دولارا للبرميل – لتصبح في حدود 30 إلى 35 دولارا للبرميل، واستمر هذا الانخفاض الشديد ليعصف بموازنات وخطط التنمية في الدول المنتجة للنفط على مدى أكثر من ثلاث سنوات، حتى اتفقت دول أوبك على امتصاص الفائض في أسواق النفط عبر تخفيض مبرمج ومتفق عليه فيما بينها، وبمشاركة عدد من الدول المنتجة للنفط من خارج أوبك، ومنها السلطنة وروسيا، وقد نجحت هذه الخطة في دفع الأسعار إلى التحسن النسبي خلال هذا العام 2018 لتدور الأسعار حول 70 دولارا للبرميل في الأسابيع الأخيرة، ولتسجل ارتفاعا وصل بها إلى نحو 80 دولارا، وهو ما أثار هياجا ووعيدا أمريكيا، عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عدة مناسبات، مهددا أوبك ومطالبا لها بزيادة الإنتاج، ومتهما إياها باستغلال الدول المستهلكة، متناسيا تماما أن الولايات المتحدة والدول الغربية تكسب من النفط ضرائب وأسعار منتجات مكررة ووفورات أخرى، أضعاف أضعاف ما تكسبه الدول المنتجة والمصدرة للنفط التي تقوم بتصدير إنتاجها كنفط خام، وأرباح شركات النفط الغربية تقول الكثير في هذا المجال. غير أن الرغبة في استغلال موارد النفط والغاز العربية تسيطر على الكثيرين في العالم، بعيدا عن أية اعتبارات قانونية أو حتى أخلاقية !!
* ثانيا: أنه في الوقت الذي تعهدت فيه الدول العربية المنتجة للنفط، بصيغ عديدة، مباشرة وغير مباشرة، بعدم استخدام النفط كسلاح سياسي، والتعامل معه من منظور تجاري كسلعة، تخضع للعرض والطلب في أسواق النفط، فإن الدول الأعضاء في منظمة أوبك عملت باستمرار من أجل التعاون فيما بينها للحفاظ على أسعار مناسبة للنفط في الأسواق العالمية، وبما يفي أيضا ببعض احتياجاتها التنموية والاقتصادية، وقد تجنبت في كثير من الأوقات المشاحنات والخلافات السياسية فيما بينها؛ لأن ذلك، وكما أثبتت تجارب عديدة، لا يصب في خدمة مصالحها، وإذا كانت أوبك تنتج نحو ثلث حجم النفط الذي يستخدمه العالم يوميا، فإن قدرتها على التحكم في أسعار النفط في الأسواق العالمية تظل قدرة غير كبيرة، خاصة أن أكبر منتجي النفط في العالم، مثل أمريكا وروسيا على سبيل المثال ليستا أعضاء في أوبك. يضاف إلى ذلك أن أوبك قد عملت بالفعل، في أوقات عديدة، على تحقيق قدر أكبر من التعاون، بقدر الإمكان، مع الدول المستهلكة للنفط في العالم، والتوصل إلى أسعار قادرة على تحقيق المصالح المتوازنة بين المنتجين والمستهلكين، إلى أقصى مدى ممكن، إدراكا منها لأهمية وضرورة تحقيق والحفاظ على استقرار أسعار النفط، خدمة لمصالح كل الأطراف، وبالفعل هناك الآن تعاون كبير ومتواصل تقريبا، بين منظمة أوبك وبين عدد من الدول المنتجة للنفط من خارجها من بينها السلطنة وروسيا، وهو ما سبب تحسنا ملموسا في الأسعار اعتبارا من بداية هذا العام، وقد أكدت الدول المنتجة للنفط من داخل أوبك وخارجها، سواء في اجتماع الجزائر في 23 سبتمبر الماضي، أو في مؤتمر موسكو قبل أيام على استمرار التزامها بالحفاظ على أسعار متوازنة، وعدم زيادة الإنتاج المتفق عليه من قبل، إلا أن موسكو والرياض أبدتا استعدادا لزيادة إنتاجهما، وفقا لاحتياجات السوق، وللحد من ارتفاع الأسعار، التي وصلت مؤخرا إلى نحو 85 دولارا للبرميل، وقامتا بذلك بالفعل وستواصلان القيام به، عند الضرورة حسبما ترى كل منهما.
* ثالثا: أنه بالرغم من أن الدول العربية المنتجة للنفط ترغب في التعامل مع النفط وفقا للاعتبارات وعوامل السوق، خاصة أن الظروف العربية والإقليمية والدولية الراهنة لا تمكنها من غير ذلك حتى لو أرادت، إلا أن الواقع هو أنه لا يمكن أن يتم تجريد النفط من الأهمية السياسية التي يحملها، بحكم أهميته الصناعية والمالية والاستراتيجية، للدول المنتجة والمستهلكة أيضا، وهذه المسألة تفرض نفسها عادة بأشكال مختلفة بدءا بتأثر الأسعار بأية اضطرابات سياسية في أي من الدول المنتجة والمصدرة للنفط، واستجابة السوق أيضا لتصريحات وتلميحات الدول ذات الإنتاج الكبير من النفط، وحتى أية قرارات من جانب أوبك، أو الدول المنتجة خارجها. صحيح أن كل الدول العربية المنتجة للنفط أكدت تخليها عن الاستخدام السياسي للنفط، ولكن الصحيح في الوقت ذاته، أنه من السهل رؤية الظلال السياسية لقرارات زيادة الإنتاج، أو تخفيض الإنتاج، أو غيرها في ظل الظروف والتطورات التي تمر بها المنطقة العربية، والمشكلات التي تتعرض لها عدة دول في المنطقة اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، ولعل من المفارقات الواضحة في هذا المجال أن الولايات المتحدة التي طالما دعت إلى عدم استخدام النفط كسلاح سياسي، تلجأ هي إلى استخدامه كسلاح على نطاق واسع، من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب، ليس فقط فيما يتعلق بإيران والسعي الحثيث من جانب واشنطن لضرب الصادرات النفطية الإيرانية، لحرمان طهران من عائداتها النفطية – تصدر إيران نحو 5،2 مليون برميل يوميا – وذلك بتطبيق عقوبات نفطية تبدأ في الخامس من نوفمبر القادم، والأكثر من ذلك أن واشنطن لوحت بمعاقبة الدول التي تخالف ما تريده، أو تقوم باستيراد النفط الإيراني بعد 5 نوفمبر القادم، ويمثل ذلك استخداما للنفط كسلاح سياسي بشكل فج، مباشر ومؤثر على حياة الشعب الإيراني في النهاية، والأكثر من ذلك أن واشنطن تلجأ إلى استخدام الغاز الطبيعي كسلاح سياسي أيضا، والجميع تابع الاشتباك بين ترامب والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في قمة الناتو الأخيرة حول واردات ألمانيا من الغاز الروسي، ورغبة ترامب في أن تعتمد ألمانيا بدلا من ذلك على استيراد الغاز الأمريكي. أما التهديدات الترامبية لأوبك لزيادة الإنتاج، من أجل تعويض النفط الإيراني في الأشهر القادمة، فإنها صورة أخرى من صور الاستخدام السياسي للنفط، ويتذكر الجميع أن ترامب يريد تخفيض أسعار منتجات النفط – خاصة البنزين – داخل أمريكا في هذه الفترة، حتى لا يؤثر ارتفاع الأسعار على نتائج الانتخابات النصفية للكونجرس في نوفمبر القادم .
على أية حال فإنه إذا كان العرب لم يعودوا قادرين على استخدام النفط كسلاح سياسي، سواء برغبة منهم أو اضطرار، فإن واشنطن وإدارة ترامب تمارس أقصى الضغوط الممكنة لتوظيف النفط كسلاح سياسي ضد إيران، وضد روسيا وضد فنزويلا، وتعمل في الوقت ذاته، وبالضغوط أيضا لضمان تدفقات نفطية في الأسواق العالمية بشكل يحول دون حدوث ارتفاع حاد في أسعار النفط في الأشهر القادمة، والأرجح أنها يمكنها تحقيق جانب غير قليل مما تريد، بغض النظر عن الأضرار التي تتعرض لها الكثير من شعوب المنطقة بشكل أو بآخر، ولكنها في الواقع أفاعيل السياسة ومخططات التلاعب بمقدرات المنطقة وباستقرار شعوبها للأسف الشديد، فهل نستوعب الدرس؟!.