الأزمة.. كثير من السياسة وقليل من الاقتصاد

د. صلاح أبونار –

ها هو سوق النفط يدخل دورة جديدة من دوراته، تحمل معها بالضرورة توترات اقتصادية لا مهرب منها. وهذا هو شأن سوق النفط العالمي على امتداد تاريخه، منذ أن أصبح المنتجون قوة أساسية من قواه المحركة. ولا جديد سوى وجهة الدورة.
فثمة دورة تصعد بالأسعار عاليا وأخرى تخفضها كثيرا، ونحن الآن نمر بدورة صاعدة ستتلوها أخرى هابطة. غير أن هذه الدورة تحمل معها نذر عاصفة لا يعرف أحد مداها، انطلقت من عالم السياسة الدولية لتقتحم الأسواق. لم يكن سوق النفط في أي فترة من تاريخه معزولا عن السياسة الدولية، ولكنها غالبا كانت تعمل على توافق الإرادات السياسية وليس صراعها، وبالتالي بدرجة عالية من الاعتدال. كما كانت تعمل عبر توسطات اقتصادية عديدة، وحد أدنى من الحنكة السياسية. والآن ثمة مياه كثيرة تجري تحت الجسر.
تقع الدورة الصاعدة الراهنة ضمن عدة دورات تتالت منذ مطلع الألفية الثالثة. انطلقت في 2001 دورة صعود سعري، تواصلت على مدى يقرب من عقد تقريبا. سنستخدم هنا تقارير الأوبك السنوية، وأرقام سله أسعار أوبك المرجعية. في 2001 كان المتوسط السنوي 21.12 دولار للبرميل، ارتفع الى 36.05 في 2004 .هذا النوع من ارتفاع الأسعار لا يجب منحه أهمية كبيرة في حد ذاته، لأننا نجد مثله فيما بين شهور العام الواحد. ستبدأ الدورة الصاعدة بمعناها الحقيقي عام 2005 وتتواصل حتى 2008. بدأ 2005 بسعر40.24 دولار، ووصل متوسط سعر البرميل خلاله الى 50,05 ، ليحقق 61.08 في 2006، ثم 69.08 في 2007. شكل 2008 ذروة هذه الفترة الصاعدة، ففيه وصل سعر البرميل إلى 131.22 دولار في يوليو، والمتوسط السنوي للبرميل الى 94.45 . خلف هذا الصعود سنجد عاملين أساسيين . تأثير الصعود الاقتصادي الصيني وحالة الرواج المصاحبة له. وارتفاع الطلب قياسا على العرض ، وعلى سبيل المثال كان الطلب في 2006 هو 85 مليون برميل يوميا والعرض 84.4 مليون برميل ، بينما كان الطلب 86 مليونا في 2007 والعرض 84.82 مليون يوميا.
في النصف الثاني من 2008 بدأت مرحلة هبوط حاد لم تستمر طويلا. في مقابل 131.22 دولار للبرميل في يوليو، هبط السعر إلى 38.60 في ديسمبر. ولكن الهبوط لم يستمر طويلا ، وعلى مدار 2009 أخذت الأسعار تستعيد عافيتها. في يناير وصل السعر إلى 41.5، وارتفع إلى 50 في أبريل ، وفي يونيو حقق 68.36 دولار، وفي نوفمبر وصل الى76.29، لينخفض إلى 70.64 دولار للبرميل في ديسمبر. استمر الهبوط الحاد قرابة سنة، وفي شكله وسرعة تغيره من شهر لآخر، كان أقرب إلى الصدمة السعرية وليس الدورة السعرية. سنجد أسبابه في أزمة 2009 المالية، وتداعياتها على مستوى النمو وتحديدا الصيني والاستثمار والطلب الاستهلاكي . ونتج عن ذلك انخفاض حاد في الطلب بينما ظل العرض شهورا على ماهو عليه، واحتاج لشهور أخرى ليحقق المعدلات المطلوبة . وسنجد علة تعافي الأسعار السريع في إطلاق الأوبك السريع لخطة لتخفيض الإنتاج في اجتماع ديسمبر 2008 ، مقرونا بتأثير سياسات التعافي الاقتصادي التي أطلقتها الدول الصناعية المتقدمة.
ستقودنا دورة 2008 – 2009 الهابطة، إلى دورة أخرى صاعدة استمرت من 2010 الى أواخر 2014. وصل متوسط أسعار 2009 إلى 61.06 دولار للبرميل، ارتفع إلى 77.45 دولار للبرميل عام 2010 ، ثم إلى 107.46 عام 2011، ثم 109.45 عام 2012، لينخفض قليلا إلى 105.87 دولار للبرميل عام 2013، ثم واصل الانخفاض إلى 96.69 عام 2014. وسنجد علة الصعود في عدة عوامل. التزام الأعضاء لفترة بقيود الإنتاج، والتعافي من أزمة 2009، ونقص عرض مناطق مثل ليبيا وغرب إفريقيا وبحر الشمال.
في الربع الرابع من 2014 ستتولد بدايات دورة تراجع تواصلت على مدار 2015 – 2016. كان متوسط الأرباع الثلاثة الأولى من 2014 يتراوح بين 101 و106 دولارات للبرميل ، ولكن متوسط الربع الرابع هبط إلى 73.69 دولار للبرميل . وفي 2015 انخفض المتوسط العام إلى 49.49 دولار للبرميل ، ليواصل الانخفاض إلى 40.76 دولار للبرميل في عام 2016. سنجد أسباب التراجع في فيضان العرض ، الناتج عن عودة النفطين الإيراني والليبي، وتراجع التزام بعض أعضاء الأوبك بحصصهم المقررة، وارتفاع إنتاج النفط الصخري الأمريكي وتراجع أسعاره ، وتباطؤ النمو الاقتصادي والصيني خاصة وانخفاض الطلب على النفط.
من أواخر 2016 انطلقت دورة الصعود الراهنة. ارتفع متوسط أسعار 2017 إلى 50 دولارا للبرميل ، ثم تواصل الارتفاع. في أغسطس 2017 وصل سعر البرميل إلى 51.7 دولار، ارتفع إلى 64.37 في يناير 2018، ليصل إلى 76.98 دولار في مايو الماضي ، ثم انخفض إلى 72.53 في أغسطس ، مع احتمال كسر حاجز المائة دولار عند نهاية العام حسب بعض التوقعات . كيف نفسر الموجة الجديدة ؟ هناك – أولا – تخطي الطلب للعرض. في عام 2017 تمكنت الأوبك من خلال القضاء على زيادة المخزون النفطي، والاتفاق مع روسيا على التقليل من حجم العرض، من موازنة العرض بالطلب ليصبح اقل منه قليلا. واتسع الهامش بينهما على امتداد 2018، تحت تأثير تراجع غير مخطط، لأسباب عارضة سياسية واقتصادية وبيئية، في إنتاج ليبيا وفنزويلا وكينيا وكندا. ثم تحت تأثير اتفاق سعودي – روسي في مارس 2018 للمزيد من تخفيض العرض. حدث ذلك بينما ازداد الطلب بمعدلات غير متوقعة نتيجة لعوامل مختلفة.والحاصل أن ما يبدو الآن كفجوة بين العرض والطلب أشعلت الأسعار، ليس عملا مخططا من الأوبك. والمخطط هو عملية موازنة العرض بالطلب، وتوظيفها من أجل منع الأسعار من التدني ورفعها وفقا للضرورات الاقتصادية، وهو مسعى سوقي نمطي لا غبار عليه، يمارسه كل المنتجون في السوق العالمي.
وهناك – ثانيا – ما يمكن تسميته بتوقعات مستوردي النفط وقراراتهم المترتبة عليها. تتكون هذه التوقعات عبر التفاعل مع الواقع الاقتصادي والسياسي، وهي قد تكون نفسية أوعقلية، وعفوية أو مخططة. وفي الأزمات من المرجح ازدياد احتمالات العفوية ومعها تأثير العوامل النفسية. وفي حالتنا يشير أكثر من محلل إلى أن مساحة ليست هينة من الارتفاع الأخير للطلب النفطي ومعه ارتفاع الأسعار، ترجع إلى حالة الفزع والتحسب التي أصابت قطاع من المستوردين تجاه عدة أحداث متزامنة. ومنها ارتفاع سعر الدولار، واحتمالات تصاعد الحرب التجارية، والاضطرابات الراهنة والمحتملة في مناطق نفطية، واحتمالات تطبيق العقوبات على إيران ، والإعلان عن إمكانية بيع نفط خام من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي ، وأخبار مبهمة عن تعرض ناقلة بترول لهجوم عسكري قرب الخليج.
ويمكن من التحليل السابق لتلك الدورات الممتدة و المتوالية الخروج بنتيجة منطقية.لا شيء فيما يجري الآن في سوق النفط يمثل خروجا عن خبرات السوق النمطية. فالدورة الراهنة تكرار نمطي لآليات عمل الدورات السابقة، ومعدل ارتفاع الأسعار لا يختلف جوهريا عن معدلات دورات الصعود السابقة بل أقل من بعضها، ومتغيرات حركة العرض والطلب وصعود الأسعار هي ذات متغيرات الدورات السابقة بمعزل عن المسميات.
وإذا صح: ذلك لماذا تبدو سماء النفط ملبدة بالغيوم ومهددة بالعواصف؟ هنا يظهر تأثير قرار الانسحاب الأمريكي من اتفاقية إيران النووية. تساهم إيران حاليا في سوق النفط بما لا يقل عن 2 مليون برميل يوميا، ومع بداية سريان العقوبات الخاصة بتصدير النفط في 5 نوفمبر، ستنخفض صادراتها انخفاضا انخفاضا شديدا. نظريا تسعى العقوبات لمنع الصادر الإيرانية تماما، ولكن عمليا لا يتوقع احد تحقيق هذا الهدف لأسباب عديدة. والمؤكد حدوث انخفاض كبير لا نعرف مداه بدقة، ولكن يمكن تقديره أوليا بعد شهر من سريان العقوبات. وغالبا سيكون انخفاضا كبيرا، ومؤثر بشدة على سوق النفط. والمؤكد أن التوتر الأمريكي الراهن مع الأوبك، يسعى لتلافي تلك النتائج، من خلال دفعها لرفع الإنتاج تعويضا عن نقص العرض الإيراني، وضبط الأسعار ومنعها من الارتفاع كرد فعل طبيعي على ذات النقص. باختصار تريد واشنطون تحميل الأوبك تكلفة قرار خروجها من الاتفاقية.ولكن هذا الخروج ليس المحرك الأمريكي الوحيد، بل فقط المحرك الأساسي ومعه سنجد محرك آخر. رغم أن الولايات المتحدة تعتبر منذ 2013، بفضل تطور تكنولوجيا واستثمارات النفط الصخري، المنتج النفطي الأول في العالم، إلا أنها ما زالت تستورد كمية كبيرة من النفط يوميا، وبالتالي ليست محمية من تأثير تقلبات أسعار السوق. ويكتسب الأمر حساسية اكبر بفعل عاملين. الانتعاش الاقتصادي الأمريكي الراهن الذي سيعوقه ارتفاع أسعار النفط، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والحاجة لضبط أسعار الوقود ضمانا لاستمرار الأغلبية الجمهورية.
وماهي توقعات تطورات الأزمة الراهنة؟ في اجتماع وزراء الأوبك في يونيو اتخذ قرارا مفتوحا برفع الإنتاج في محاولة لكبح التصعيد الأمريكي، غير أن المشكلة كما يراها خبراء كثيرون أن الأوبك لا يمكنها تعويض النقص الإيراني بالإيقاع والقدر المطلوب. ولا يبدو أن النفط الأمريكي نفسه قادر على المساهمة في سد النقص، فنوعيته لا تتناسب كثيرا من معامل التكرير في العالم، ونظام الإنتاج النفطي الذي تسيطر عليه الاستثمارات الخاصة يقيد قدرة الحكومة الأمريكية على رفع الإنتاج وزيادة العرض العالمي. والخلاصة: اتخذت أوروبا قرارا حكيما برفض الخروج من الاتفاقية الإيرانية، وها هي الأحداث تثبت حكمته وضرورة العودة إلى صوت الحكمة.