ضرورة التوصل لسعر نفط عادل للجميع

د. الطيب الصادق –

التوصل لأسعار نفط عادلة للجميع يمثل ضرورة حتمية في الوقت الراهن وهو ما تريد أن تسعى إليه العديد من الدول رغم أن هناك عوامل كثيرة تتحكم في أسعار النفط العالمية وتؤثر عليه بشكل مباشر، ومعظم هذه العوامل تتعلق بقوى العرض والطلب في السوق العالمية، والتي تعد الآلية الرئيسية التي تتجسد فيها العوامل المؤثرة في سعر النفط.
والتي تتضمن عوامل جيوسياسية واقتصادية ومالية وأمنية وجيولوجية ومناخية، وأن اختلال التوازن بين العرض والطلب لصالح أحدهما ينخفض أو يرتفع بسعر النفط، فإذا انخفض المعروض في ظل تزايد الطلب ترتفع الأسعار، بينما إذا تراجع الطلب وزاد المعروض فإن الأسعار ستنخفض بشكل مباشر.
وتعد تدخلات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفض أسعار النفط وانتقاده لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ومطالبته بزيادة إنتاج النفط بهدف خفض أسعاره وفرض الهيمنة الأمريكية على العالم من العوامل التي تؤثر على قوى العرض والطلب أيضا، برغم أن تدخلات ترامب الأخيرة لم يكن لها صدى سريع على المنظمة التي اجتمعت بالجزائر يوم ٢٣ سبتمبر الماضي دون اتخاذها أي تعهدات رسمية بزيادة الإنتاج، ولم تتوافق الدول الأعضاء في المنظمة والدول المنتجة للنفط من خارجها. وتصريحات ترامب تذكرنا بدعوة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش لخادم الحرمين الشريفين السابق الملك عبدالله بن عبدالعزيز، عندما زار المملكة عام 2008 لاحتواء أسعار النفط والتي كانت تصل إلي 100 دولار للبرميل، لكن أسعار النفط لم تستجب لمطالب بوش آنذاك وواصلت رحلة الصعود حتى عام 2014، لتتراجع بعد ستة أعوام وتصل لأدنى مستوى لها في 2016 إلى 30 دولارا للبرميل نتيجة لعوامل متعددة.
لكن في الوقت الراهن يختلف الأمر كثيرا عن 2008 فيما يتصل بالأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية في العالم والمنطقة العربية واشتعالها سياسيا ، مع تراجع اقتصاديات العديد من دول العالم، مما يستوجب ضرورة التوصل لأسعار ترضي الجميع وهو ما أكد عليه مؤتمر الطاقة الذي عقد في موسكو مطلع أكتوبر الجاري ليعطي مؤشرات ودلالات كثيرة تشير إلى ضرورة استقرار أسعار النفط ويبدو أنه سيكون هناك توافق في الرؤية حول أسعار النفط بين الدول الكبرى، خصوصا بين أمريكا وروسيا وضرورة التوصل لسعر عادل، رغم الضبابية الموجودة حاليا لأن أمريكا التي تعتبر أكبر مستهلك نفط في العالم تسعى للحد من استمرار ارتفاع أسعار النفط، وكذلك تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي تؤكد وجهة النظر الأمريكية وقوله بأن ترامب مُحقّ في شأن ارتفاع أسعار النفط، رغم أنه دعاه إلى عدم التدخل لمحاولة إدارة الأسواق وتحقيق الاستقرار وهو ما يتحقق بالتعاون مع «أوبك».
وإذا كان لا يوجد نسق محدد يمكن أن يتم من خلاله التنبؤ بسعر النفط لوجود العديد من العوامل المتداخلة والتي تؤثر بشكل واضح على أسعار النفط، لكن هناك مؤشرات لزيادة الإنتاج خلال الفترة المقبلة مع السعي لتحقيق استقرار أسعار النفط في وقت واحد، وربما التوصل لسعر عادل للجميع، خصوصا بعد تصريحات وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح خلال مؤتمر الطاقة بموسكو والذي أكد أن هناك تواصلا أسبوعيا بين المملكة وروسيا، وهما أكبر دولتين منتجتين للنفط، وذلك لتحقيق الاستقرار في أسواق النفط، وأن المملكة نجحت في تلبية الطلب الإضافي، وزادت إنتاجها النفطي إلى 10.7 مليون برميل يومياً في أكتوبر لتلبية الطلب المتنامي على الخام وأن المملكة ستزيد الإنتاج في نوفمبر بمعدلات أعلى، كما أن المنتجين زادوا الإمدادات بنحو مليون برميل يومياً في الأسابيع والأشهر الأخيرة وهو يؤكد على عدم وجود أزمة في تلبية احتياجات الأسواق ، وأن السعودية لديها قدرة على أن تضع في السوق فوراً مليوناً ونصف المليون برميل في اليوم إذا كانت هناك حاجة لذلك، إضافة إلى الشراكة الروسية السعودية في مجال النفط والتي يمكنهما من تغطية نقص صادرات النفط الإيراني..
كما أنه توجد طاقات إنتاج «إضافية» حاليا لدى العديد من الدول الأخرى المصدرة للنفط مثل سلطنة عُمان والإمارات والعراق والكويت في الوقت الذي يتم فيه استئناف العقوبات الأمريكية على إيران من يوم ٤ نوفمبر المقبل، ونجاح المطالب الأمريكية من جميع الدول، وبينها الصين والهند، المستوردتان الكبيرتان للنفط الإيراني، بوقف شراء النفط الإيراني تحت طائلة التعرض للعقوبات الأمريكية التي قررت واشنطن إعادة فرضها بعد خروجها في مايو الماضي من الاتفاق الدولي حول النووي الإيراني الموقع عام 2015، حيث استجابت الصين لهذه المطالب وخفضت مشترياتها من النفط الإيراني بنسبة 50% في سبتمبر الماضي وهو ما يمثل مشكلة كبرى لإيران لأنه إذا تم الاستجابة للمطالب الأمريكية بشكل كامل سيؤدي إلى تراجع صادرات إيران النفطية بشكل كبير وربما تصل إلى الصفر مع نهاية عام ٢٠١٨، كما أن هناك توقعات باستمرار تراجع إنتاج فنزويلا من النفط الخام بسبب الأزمة المالية إلى مليون برميل يوميا خلال الأشهر المقبلة بعدما تراجع في يناير الماضي من 1.9 مليون برميل يوميا إلى 1.2 مليون برميل يوميا في أغسطس الماضي، في الوقت الذي لم يتعاف إنتاج النفط الليبي ولم يستطع الوصول حتى الآن إلى مستوى المليون برميل يوميا نتيجة للأوضاع الأمنية غير المستقرة للحقول النفطية وإغلاقها المستمر.
ومن الملاحظ أنه خلال العشرة أعوام الماضية شهدت أسعار النفط تطورات مختلفة حيث بلغت الأسعار في عام 2009 حوالي 100 دولار للبرميل وارتفعت إلى 107.5 دولار للبرميل في عام 2011 لكنها قبل أن تلامس 110 دولارات للبرميل في 2014 بدأت في التراجع حتي وصلت لأدنى مستوي لها في عام 2016 وهو 30 دولارا للبرميل لتتدخل منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في خفض الإنتاج للخروج من أزمة انهيار أسعار النفط العالمية والتي أثرت بشكل كبير على اقتصاد الدول المصدرة للنفط والتي تعتمد عليه بشكل أساسي كمصدر رئيسي للدخل وهذه الإجراءات التي اتخذتها بالفعل زادت من أسعار برميل النفط الذي وصل في العام الحالي إلى 80 دولارا تقريبا ومن المتوقع الاستقرار حول هذا السعر في ضوء استمرار الاستهلاك النفطي العالمي والذي يرتفع سنويا بنحو 1.76% ومع زيادة عدد السكان وهو من مصلحة الجميع لأن ارتفاع الأسعار لمستويات مبالغ فيها سيؤثر بالسلب على الاقتصاد العالمي ويوقف عجلة الاستثمارات في المشاريع النفطية مما يهبط بالأسعار مرة أخرى.
ورغم صعوبة التنبؤ بأسعار النفط في الفترة المقبلة لكن من المرجح أن تستقر الأسعار ما بين 70 إلى 85 دولارا للبرميل خصوصا أن الدول المصدرة للنفط لن تسمح بتراجعه مرة أخرى، لأنه يعد رافدا مهما لها يضمن لها الاستقرار الاقتصادي ويجذب لها العديد من الاستثمارات ويحافظ على معدلات النمو المرتفعة، وهذه الدول لابد أن تعمل تحت إطار منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك » التي تأسست عام 1960، ويمتلك أعضاؤها 40% من الناتج العالمي و70% من الاحتياطي العالمي للنفط، حيث أن هذه المنظمة تسعى للتوصل إلى أفضل السبل والوسائل لضمان استقرار الأسعار في أسواق النفط الدولية، ولن ترضخ لمطالبات ترامب لكنها ستعمل على توازن سوق النفط حتى في حالة نقص الإنتاج وتراجع التصدير من بعض الدول لأنها لن تسمح بضرر الدول الأعضاء بالأوبك مهما بلغت التكلفة.