متحدثا عـن النوع الأول – د. يوسـف الفارسـي: الحميـة والرياضة والأنسولين.. أقـوى الوسائل للتعايش الآمن مع السكري

د.يوسف الفارسي

الأب عند باب العيادة حزين القلب وطفله بجانبه، مهموم القلب شارد الفكر فيما أخبر عن ولده أنه مصاب بمرض السكري من النوع الأول، كلمات الطبيب ما زالت ترن في أذنيه، رجله لا تحمله، عنده عشرات الأسئلة لم يقدر أن يسأل عنها.هون عليك أيها الأب الحنون فطفلك مريض السكري سيكون له شأن بإذن الله، والسكر صديق يدعو للنظام في الحياة، وهناك الكثير من الشخصيات العامة والمعروفة مصابة به فرئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي لديها السكري من النوع الأول ويوجد العديد من القيادات السياسية والاقتصادية مصابين بنفس المرض.
لذا دعونا نجيب عن أكثر أسئلتكم بخصوص هذا المرض ونوضح معلومات أكثر عنه وعن كيفية التعامل معه كأشخاص مصابين به أو كأباء وأمهات لديهم أطفال مصابون بها، وذلك كما يطرحها لكم اختصاصي طب الأسرة والحاصل على زمالة في علم السكري بالتعاون مع رابطة طب الأسرة الدكتور يوسف الفارسي..

معرفة المرض أهم خطوات العلاج

تبدأ أولى خطوات العلاج بإعطاء المعرفة للمريض أو ولي أمره حول مرضه الذي حل وافد على ذلك الجسد، ماهو، وكيف يسير، وما هو العلاج المناسب له، وما هي الصور المتسقبلية لذلك المريض، وهل يؤثر على حياة المريض المستقبلية، وكيفية التعامل مع ذلك المرض. وهذه المعرفة تسمح للمريض وأهله بالتعامل الواعي والمدرك مع المرض.
يصيب السكري من النوع الأول في الأغلب الأطفال وصغار السن، ويكمن الخلل في هذا النوع نتيجة قلة أو عدم إفراز الأنسولين من الخلايا الموجودة بالبنكرياس مما يؤدي إلى انعدام الوظيفة الفسيولوجية للأنسولين. وعادة ما يكون المصاب بهذا النوع غير مصاب بالسمنة وقد يكون أولى المشاهدات السريرية لهم هي التحمض الدموي الكيتوني أو ما يسمى أيضا الحموضة الإستونية كما سنذكر لاحقا. ويتميز هذا النوع من السكري بانخفاض مستوى الأنسولين بالدم أو حتى انعدامه وفشل خلايا بيتا للاستجابة لمحفزات إفراز الأنسولين ودائما ما يحتاج المرضى بهذا النوع من السكري للأنسولين الخارجي والذي يعطى حتى الآن عن طريق الحقن أو مضخات الأنسولين وذلك لضمان أداء الوظائف الحيوية بصورة فعالة.
ونقص الأنسولين داخل الجسم يجعل الجسم في حالة هدم لأن الأنسولين هرمون بناء وبالتالي نقصه يدفع الجسم إلى الحصول على الطاقة من مصادر الجسم الأخرى مثل الأنسجة العضلية والدهنية وذلك نظرا لعدم القدرة على استخدام الأنسولين، وينتج عن ذلك تناقص كتلة الجسم وفقدان الوزن كما ينتج عن استخدام المصادر الأخرى لإنتاج الطاقة مثل الأحماض الدهنية وتراكم مواد وسطية ناتجة عن عملية الاستقلاب غير الكاملة، وتسمى تلك المواد بالأجسام الاسيتونية او الكيتونية وتقوم على زيادة حمضية الدم لذلك تسمى تلك الحالة التي تنتج عن نقص الأنسولين في هذا النوع من السكري بتحمض الدم الاسيتوني أو الكيتوني.

كيف يحدث هذا الداء؟
يعتبر الجهاز المناعي وخلاياه واحد من أهم حصون الدفاع البشري، والذي يوجه نحو كل الأشياء الغريبة الداخلة الى الجسم أما الأجهزة والأنسجة الأخرى للجسم نفسه فتعتبر أنسجة صديقة لا يتم تدميرها ولسبب ما غير معروف الهوية يعتبر الجهاز المناعي خلايا بيتا المسؤولة عن إفراز الأنسولين الموجودة داخل جزر لانجرهانس الموجودة بالبنكرياس أنسجة غريبة يبدأ بمهاجمتها وينتج عن ذلك دمار لتلك الخلايا وبالتالي يبدأ الأنسولين المصنع والمفزر من تلك الخلايا بالتناقص. ولقد لوحظ أن 85-90% من مرضي النوع الأول من السكري من الذين أجريت عليهم البحوث المخبرية وجد لديهم أجسام مضادة للأنسولين قبل البدء بأخذ الأنسولين الخارجي بالإضافة الى انزيمات أخرى لها علاقة بتصنيع الأنسولين في خلايا بيتا.
ويعتبر الالتهابات وخاصة الفيروسية منها وبعض العوامل البيئية من العوامل التي تحفز الجهاز المناعي لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لذلك. أن وجود تشابه بين بعض البروتينات في خلايا بيتا وبروتينات بعض الفيروسات يجعل الجهاز المناعي يخلط بين تلك الميكروبات المهاجمة وخلايا بيتا مما يؤدي إلى دمار تلك الخلايا مثل فيروس التهاب الغدد النكفية، وفيروس الحصبة الألمانية وفيروس كوساكي ب.

انتشار المرض
يمثل السكري من النوع الأول حوالي10%-%5 من كل حالات السكري بشكل عام، وهو أكثر الاعتلالات الاستقلابية انتشارا بين الأطفال. وتعتبر المنطقة الاسكندنافية أعلى المناطق من حيث معدل الانتشار الوبائي للنوع الأول حيث يمثل 20% من العدد الكلي للمرضى المصابين بالسكري، وتشكل الصين واليابان أقل المناطق من حيث معدل الانتشار حيث تبلغ نسبة الانتشار 1%.
في الدول العربية يبلغ معدل الإصابة السنوي في الكويت للسكري من النوع الأول 37 فرد من بین 100.000 فرد في عمر أصغر من 15 سنة حسب إحصائيات الاتحاد الدولي للسكري وهي تحتل المرتبة الثالثة في العالم من ناحية انتشار النوع الأول فيها، بينما تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الخامسة بمعدل إصابة 31 فردا من بین 100.000، أما السلطنة فمعدل الإصابة فيها قليل بمعدل اقل من 3 أفراد من بين 100.000.

مضاعفات المرض المزمنة

لعل أكثر المضاعفات المزمنة خطورة هي اعتلالات الأوعية الدموية وما ينتج عنها من أمراض القلب وأمراض الجهاز العصبي مثل السكتة الدماغية وأمراض الأوعية الدموية الطرفية التي قد تصاحب الغرغرينا في الأطراف السفلى كما قد تضم تلك المضاعفات اعتلال الكلى السكري وقلة حدة الأبصار أوالعمى واعتلالات الأعصاب اللاإرادية. وتحدث هذه المضاعفات نتيجة عدم ضبط معدل سكر الدم ضمن الحدود الطبيعية لفترات طويلة وعند ضبط معدل سكر الدم تقل نسبة حدوث هذه الاعتلالات بصورة كبيرة وقد لا تحدث نهائيا.

ظهور المرض

السكري من النوع الأول يصيب الذكور أكثر من الإناث، ويظهر غالبا في مرحلة عمر الأطفال حول سن الرابعة أو أكثر ليصل إلى قمة ظهوره ما بين عمر 11-13 سنة وقد يتزامن ظهور المرض مع أوائل مرحلة المراهقة والبلوغ.
أعراض المرض والمضاعفات: يظهر مرض السكري من النوع الأول بأعراض أهمها كثرة التبول وكثرة شرب الماء وكثرة الأكل إضافة إلى الخمول والكسل والرغبة في الترجيع وضبابية الرؤية، ومن الأعراض الشائعة نتيجة ارتفاع سكر الدم قد يسبق ظهور المرض الإصابة بالانتانات الميكروبية أو الالتهابات. وتكون أولى المشاهد السريرية للمرض الحماض الكيتوني الدموي وقد يكون المحفز للحماض الكيتوني مرور المريض بحالة إجهاد ناتجة عن الالتهابات والتدخلات الجراحية أو الأمراض. وتحدث كثرة التبول وزيادة العطش وكثرة شرب الماء نتيجة ارتفاع السكر بالدم والجفاف الناتج عن فقد السوائل. بينما تحدث زيادة الأكل ونقص الوزن نتيجة نقص السوائل وميلان كفة الاستقلابات نحو الهدم لعدم وجود الأنسولين. أما الإحساس بالتعب والضعف فقد ينتج عن ضعف العضلات نتيجة حالة الهدم أيضا وقلة السوائل وقلة البوتاسيوم وقد يحدث تشنج للعضلات نتيجة اعتلال اتزان الأملاح بالدم. ويحدث التبول الليلي نتيجة لزيادة عدد مرات التبول والذي قد يكون مؤشرا لبدء الإصابة بين الأطفال، أما ضبابية الرؤية فتحدث نتيجة زيادة تركيز السوائل في عدسة العين بسبب ارتفاع السكر.
أما الجهاز الهضمي فقد يؤثر عليه داء السكري حيث يعاني المريض من الغثيان أو أوجاع البطن وتغير حركة الجهاز الهضمي التي قد تصاحب التحمض الدموي الكيتوني الحاد. وقد تحدث مجموعة من الأعراض الأخرى ناتجة عن اعتلال الأعصاب اللاإرادية مثل بطء حركة الجهاز الهضمي. وقد يشعر المريض بالتنميل والخدران بالأعصاب الطرفية بكلا اليدين والقدمين في توزيع يشبه القفازات والجوارب في كلا الجانبين من الجسم بصورة متماثلة وفي اتجاه تصاعدي نحو الأعلى وفي بعض الحالات الجديدة من الإصابة بهذا النوع لا تظهر علامات سريرية للمرض ما عدا في تلك الحالات التي تعاني من التحمض الدموي الكيتوتي حيث يلاحظ بعض العلامات مثل الجفاف، وانخفاض الضغط، وفي بعض الحالات عدم التركيز.

الفحوصات المخبرية اللازمة
يتم تشخيص المرض بناء على فحص الدم وتجاوز مستوى السكر الحدود الفاصلة اعتمادا على وجود حد الاشتراطات التالية:
– ارتفاع سكر الدم الصائم (الصيام على الأقل 8 ساعات) عن ۱۲6 مجم/‏‏دسل لأكثر من مرة، أو مرة واحدة مع وجود أعراض ارتفاع السكر.
– ارتفاع سكر الدم عند أي لحظة عن ۲۰۰ مجم/‏‏دسل مع وجود أعراض ارتفاع السكر أو بعد تناول الوجبة بساعتين.

العلاج

تبدأ خطة العلاج أولا بالتعرف على المريض وعلى المحيطين به من ذوي الصلة والقرابة، ويبدأ الفريق المعالج بتحديد احتياجات المريض عن طريق المريض أو القريبين منه بعد. معرفة التشخيص حتى يمكن تقديم الدعم النفسي للوصول لمرحلة التوافق والتعايش مع المرض بأمان. ويتم تصميم خطة العلاج مع الأخذ بعين الاعتبار التكامل بين العناصر الثلاث:
الحمية الغذائية، والنشاط الحركي، والعلاج بالأنسولين.
يصعب تطبيق الحمية الغذائية بين الأطفال صغار السن لذلك لابد من العمل على تعديل العادات السلوكية لكافة أفراد الأسرة والبيت عامة والحرص على زرع مفهوم الغذاء الصحي لدى الأطفال. ويتم ملائمة النشاط الحركي بمقدار الأنسولين الذي يؤخذ أثناء اليوم، ويتم استخدام الأنسولين كخط العلاج الأساسي. ولقد دعمت العديد من الدراسات التي قارنت بين العلاج المكثف والعلاج غير المكثف مدى جدوى العلاج المكثف في تقليل الإصابة بالمضاعفات المزمنة خاصة اعتلال الشبكية السكري.
وتجري البحوث في محاولة لتسهيل آلية عطاء الأنسولين إما باستخدام وسائل غير المحاقن مثل مضخات الأنسولين أو استخدام وسائل جديدة لإعطاء الأنسولين عن طريق الاستنشاق أو عن طريق الفم، وبعض هذه الأبحاث قطع شوطا طويلا حتى الآن وبعضها مثل أسلوب الاستنشاق نزل الى الأسواق لكنه لا يخلو من التأثيرات الجانبية التي تحد من انتشار استخدامه. هناك بعض الأبحاث بدأت ملامحها تظهر في الأفق ليكون فتحا جديدا في السنوات القادمة يهون على المرضى تناول الأنسولين بصورة يومية. إن حلم القضاء النهائي على هذا الداء حفز العلماء على السعي وراء اكتشاف الجديد للقضاء على هذا الداء ولقد أشارت بعض الدراسات على اكتشاف لقاح يعطى عن طريق الحقن لتجنب حدوث هذا الداء اعتمادا على فرضية تحفز الجهاز المناعي لسبب ما، بينما أشارت بعض الدراسات الأخرى على السعي وراء اكتشاف عقارات تعمل على تثبيط الجهاز المناعي وخلاياه لتثبيط عملية تدمير خلايا بيتا. ولم يقف علم الجراحة والمناعة مكتوف الأيدي بل ساهم في معركة هزيمة هذا الداء فقد تم القيام بعملية زراعة البنكرياس إضافة إلى عملية زراعة الكلى أو الكبد بل أن الأمر تطور في عمليات زراعة خلايا البنكرياس لإعادة إيجاد الخلايا المفرزة للأنسولين ويتم ذلك بالحقن عبر الوريد المغذي للكبد ليعاد زراعة تلك الخلايا في الكبد أو الأنسجة التي يغذيها هذا الوريد، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد اتجهت البحوث الاستخدام الخلايا الجنينية الجذعية التي لم يتم تحديد ملامحها لتوجيهها وتحفيزها لتصبح خلايا مفرزة للأنسولين. أما ما يذكر بين الفينة والأخرى في وسائل التواصل الاجتماعي من وجود علاج قاطع للسكري من النوع الأول في هذه الدولة وتلك فلا صحة له ونرجو عدم نشر هذه الرسائل وسؤال المختصين عن كل جديد. إن السكري من النوع الأول ليس نهاية المطاف بل هو ابتلاء من الله ينبغي الصبر عليه والدعاء بأن يرزقنا الله أجر الصبر عليه وأن يساعدنا في مهمة العلاج والتخلص من مشكلاته. الطفل السكري في الغالب يكون منظما لذلك صور نجاحهم في الحياة واضحة لا تخفى على احد. وندعو الله أن يجد ذلك الأب في هذه الكلمات ما كان يبحث عنه من معرفة الحقائق لهذا الداء تسكن نفسه وعقله الحائرين.