وتر: الشجرة والطائر

شريفة بنت علي التوبية –

قد تضحك قارئي العزيز حينما أخبرك أن زمنا طويلا مضى وأنا أعتقد أنني شجرة، كان الخيال يأخذني بعيداً فأخالني شجرة، ربما بحكم طفولتي التي عشتها في بيت وسط مزرعة مليئة بالأشجار الصديقة والحبيبة، فنذرت نفسي أو نذرتني أمي لأن أكون تلك الشجرة، وأدركت بعدها أن كل امرأة منا نُذرت وهُيئت لأن تكون شجرة، يستظل بها الرجل وليس العكس، فالمرأة هي الشجرة أو الشجرة هي المرأة، هكذا صورت لي مخيلتي الواسعة جداً فصول الحكاية، ليس لأن كلا الاسمين يرتبط بتاء التأنيث ولكن لاعتبارات أخرى أقربها العاطفة الصادقة، والرغبة في العطاء بلا مقابل، إلا من تلك السعادة التي تلامس القلب كلما أعطيت، للشجرة جذور وللإنسان جذور ولكن جذور الإنسان هي المرأة الأم، وان ارتبطت الأسماء بالآباء، لكن الأسماء ليست سوى رموز ترمز إلى وجودنا في الحياة، فكان من الممكن أن نكون أرقاماً وليس أسماء كما هو معمول به في ملفات العمل والمستشفيات والوثائق الشخصية والرسمية، لكن ربما علاقتنا باللغة أكثر من علاقتنا بالأرقام وقدرتنا على تشكيل الحروف وزخرفتها أكثر من قدرتنا على تشكيل الأرقام، فلا أتخيل مثلاً أن يرمز لأحدنا برقم يأتي نتيجة معادلة رياضية بحساب أرقام أفراد العائلة ليكون الناتج اسماً أو رمزاً للمولود الجديد، ذلك أمر مضحك بالطبع، لذلك فالأسماء ليست سوى رموز ليس للآباء فضل فيها ولا فخر أكثر من امتداد عائلي لشكل اجتماعي مصنوع.
وفي النصف الآخر من المقال قد تضحك قارئي العزيز أيضاً من اكتشافي الآخر، وهو أني لست شجرة أو ربما لا أصلح أن أكون شجرة وإن حملتُ بعض صفاتها، فأنا لست سوى ذات إنسانية سئمت من أن تكون شجرة، فلم يعد هناك ما يشدني للأسفل، قدر ما هنالك الذي يدفعني نحو الأعلى، فرغبة التحليق مع الزمن تصبح أقوى من الجاذبية، ومع الأيام نصبح أكثر خفة وأكثر قدرة على الخروج من أنفسنا، وهنا نتأكد بأننا لسنا أشجاراً بل ربما طيوراً، لأن الأشجار تحيا مقيدة ولا تطير، وهكذا حال الكثير منا الذين كسروا قيودهم وارتدوا جناح طائر، لأن السماء أكثر اتساعاً وإغراء من الأرض.
إذن نحن شجرة في أجسادنا وطيور في أرواحنا، ولا نصل إلى الحرية المطلقة سوى حينما يغادر الطير الشجرة، وكل الذين سبقونا إلى الموت وغادرت أرواحهم سجنها الجسدي هم أحرار، وقد اكتشفوا هنالك أنهم ليسوا شجرة ولا طائرا بل شيئا آخر يفوق الوصف جمالاً.