كردستان العراق ينتخب نوابه بلا حماسة بعد خسارة حلم الدولة

بغداد -(أ ف ب): صوت إقليم كردستان العراق في أجواء من البهجة من أجل استقلاله. ولكن بعد مرور عام، بات حلم الدولة بعيدا، فيما تثير الملصقات المتعلقة بالانتخابات التشريعية التي ستجري غدا غضب سكان أربيل، كبرى مدن الإقليم الشمالي. ويقول عبد الله محمد المتقاعد والبالغ من العمر 69 عاما، إن السياسيين «ينفقون المال بشكل جنوني لطباعة ملصقات حملاتهم. وحين يطلب المحتاجون المساعدة منهم، يقولون إننا نعيش أزمة وليست هناك أموال». ويضيف الكهل الذي لف رأسه بكوفية سوداء وبيضاء، مشيرا بيده إلى ملصقات بألوان زاهية، «هذه الانتخابات لا تهمني». قبل عام، كانت أعلام كردستان العراق الخضراء والبيضاء والحمراء التي تتوسطها شمس، تغطي الشوارع مع توافد الناخبين إلى صناديق الاقتراع للتصويت بغالبية ساحقة (93%) بـ«نعم» لاستقلال الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1991. لكن بغداد رفضت الاستقلال باعتباره غير قانوني وضغطت عبر إقفال منافذ الإقليم وانتزاع عدد من مناطقه وموارده. ومنذ ذلك الحين، يسعى الأكراد إلى إعادة تحسين علاقاتهم مع بغداد بعد رؤية أحلام السيادة تنهار أمام أعينهم، إضافة إلى عائدات النفط. ولذا ينتخب الإقليم نوابه غدا من دون حماسة كبيرة. «خطر» في السليمانية، ثاني أكبر مدن كردستان العراق، شرق أربيل، يقول أحمد بشدري (65 عاما) إنه سيعطي صوته «لصالح أولئك الذين لا يعرضون كردستان للخطر». في الخريف الماضي، تخوف البعض من الأسوأ. فبعد أقل من ثلاثة أسابيع على الاستفتاء، تقدمت المدرعات العسكرية التابعة للقوات الاتحادية العراقية في المناطق المتنازع عليها مع أربيل، والتي كان الأكراد سيطروا عليها بحكم الأمر الواقع، واستعادتها. في محافظة كركوك الغنية بالنفط، والتي تعتبر عائداتها حيوية لتمويل حلم الدولة، انقسم الأكراد خلال الاستفتاء وبعده حول الموقف من بغداد، ما أظهر الفجوة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين. فمن جهة، كان محافظ المدينة المتعددة القوميات نجم الدين كريم يدعو إلى حمل السلاح، وفي الجهة الأخرى كانت قوات البشمركة الكردية تنسحب من دون قتال أمام القوات الحكومية بعد مفاوضات. وكان كريم اختار السير على خطى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مهندس الاستفتاء، الرئيس السابق للإقليم مسعود بارزاني، فضم كركوك إلى المناطق المشمولة بالاستفتاء. بينما كان أنصار الرئيس العراقي السابق جلال طالباني من الاتحاد الوطني الكردستاني يرفضون ذلك، وقد اتهمهم بارزاني بـ«الخيانة الوطنية العظمى». «ضحايا النظام» بالنسبة إلى وحيد كردي، عضو البشمركة السابق ذي الأعوام السبعة والخمسين والذي يسكن في أربيل، فإن صوته سيتأثر أولا بوضع «الأكراد الذين يعانون في كركوك» والمناطق الأخرى المتنازع عليها. ويقول كردي «بمجرد دخولهم إلى البرلمان، من الضروري ألا ينسى جميع النواب المناطق المتنازع عليها، والعمل على إعادتها ضمن حدود كردستان». وسيؤثر هذا الموضوع، وخصوصا ما يتعلق منه بمداخيل صادرات النفط، على التصويت غدا. ويرى عادل بكوان، المدير العام لمركز كردستان لعلم الاجتماع في جامعة سوران قرب أربيل، أن حلم الدولة الذي لم يكتمل، يمثل «وضعا محبطا» لثلاثة ملايين شخص صوتوا لصالح الاستقلال في عام 2017. ويقول بكوان «من خلال الظهور في المشهد كضحايا للنظام الدولي والإقليمي الذي لا يسمح للأكراد بدخول التاريخ من الباب الأمامي للدولة، يمكن أن يأمل الانفصاليون في الحصول على هذه الأصوات». وسبق للحزب الديمقراطي الكردستاني أن حصد بالفعل تلك الثمار خلال الانتخابات التشريعية العراقية العامة في مايو الماضي، وفاز «وحده بـ25 مقعدا» في البرلمان، ما يجعله «في وضع موقع الحزب الكردي الأول على نطاق العراق»، وفق بكوان. ويقول المسؤول في الحزب بأربيل صبحي المندلاوي، إنه، بعد هذا الأداء في بغداد، «تشير كل الأدلة إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني سيسيطر بل ويكتسح القوائم الأخرى» الأحد. استبعاد وانعدام ثقة لكن سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على السياسة الكردية، يترافق أيضا بحسب بكوان، مع «استبعاد الأحزاب الصغيرة من اتخاذ القرارات السياسية الرئيسية». وقد أدى ذلك إلى خلق أجواء «عدم ثقة» يمكن أن تؤدي على غرار انتخابات مايوالماضي إلى عزوف عن المشاركة في التصويت. وفي هذا الإطار، يحذر عضو المجلس السياسي في حزب غوران (التغيير) عبد الرزاق شريف، من أن عدم المشاركة «سيمكن الحزب الديمقراطي الكردستاني من مواصلة السيطرة على مفاصل السلطة في كردستان». ويضيف شريف أن «غوران يدعو إلى مشاركة حقيقية للأكراد في الحكومة المركزية»، بعيدا عن القيادات الكردية التي استمرت في الاستفتاء رغم نصائح بغداد والمجتمع الدولي. ويرى بشدري أن الوقت حان للتهدئة بعد مواجهة الاستفتاء.ويقول «على القادة في كردستان وبغداد، تقديم تنازلات حتى لا تؤثر صراعاتهم على حياة الناس البسطاء».