العيون على البنوك المركزية

مصباح قطب –
MESBAHKOTB@GMAIL.COM –

أصبح اجتماع لجنة السياسة النقدية بأي بنك مركزي أو لجنة السوق المفتوحة عند بعضها كالأمريكي ، للنظر في أسعار الفائدة ، محط اهتمام البشر كافة . تقليديا كان الأمر يعني المستثمرين العالميين ومديري الثروات وحائزي الأصول المختلفة ممن يقررون بعد ان يطالعوا قرار المركزي عن سعر الفائدة والبيانات المرفقة به – التوضيحية أو التسببية – التنقل الى هذا الأصل أو ذاك أو الانسحاب من هذا السوق الى ذلك وهكذا .
تقليديا فإن وزارات الخزانة والبورصات تتابع بنفس الشغف ولأسباب ليست بعيدة.. فوزارة المالية تعلم ان أي زيادة في سعر الفائدة يترتب عليها عبء إضافي على ما تقوم بسداده من ديون أو الاقتراض الجديد ، ولكنها تخشى أيضا ان يكون سعر الفائدة الجديد غير جاذب للمستثمرين الأجانب فينسحبوا من سوق أدوات الدين الحكومية ، وبالتالي تقع وزارة المالية في مأزق تمويلي.
أما البورصة ، وخاصة في الأسواق المتقدمة ، فإن رفع الفائدة يعني ان يقوم كثيرون بتسييل ما بحوزتهم من أوراق ومحافظ وينتقلون الى أدوات الدخل الثابت أو الاستثمار في عقود الفوركس لتبادل العملات طبقا لما يصير إليه حال كل عملة بعد قرار المركزي الخاص بها أو غيره، وأساسا طبقا لما يقوم به البنك المركزي الأمريكي – الاحتياطي الفيدرالي – باعتباره بنك العملة التي يتم تسوية نحو 60 % من المعاملات التجارية والاستثمارية بها كما تشكل نفس النسبة تقريبا من الاحتياطيات الدولية حتى الآن وبرغم كل ما يتم عمله أو يقال للتبادل بالعملات الوطنية بين دول كبيرة .
لكن ما زاد من نطاق المتابعة وشد جمهورا جديدا الى سوق انتظار قرارات البنوك المركزية والتعليقات عليها واثارها الميدانية هو توسع ثقافة الشمول المالي ، والدخول الواسع الى عالم الخدامات المصرفية والنقدية بأجهزة المحمول ، وبالتأكيد الواقع الراهن الذي يتم اتخاذ قرارات سعر الفائدة في ضوئه . فالأحداث السياسية العالمية ، وما يحدث في تركيا وأسواق ناشئة أخرى هو حدث سياسي بالأساس، ولو كانت لها جذور اقتصادية ، ووصول الرمادية فيما يتعلق بتوقعات أسعار النفط إلى مستوى بعيد بل ومتناقض ، وارتباك التجارة العالمية بسبب الحرب التجارية العظمى بين الصين وأمريكا وهي الأخبار التي أصبحت تضاهي شهرة أخبار الرياضة عند الجمهور العام.. كل ذلك جعل المواطن العادي في قلب المشهد حتى ولو لم يكن لديه أي أصول بالبنوك ( ودائع أو شهادات استثمار أو حتى دفتر توفير ) . ان أحد أهم أسباب ذلك أيضا في تقديري ان الجمهور العام بات يعرف التأثير المباشر لما كان يتصور انه لا علاقة له به ، أو أنه أمر يخص الاقتصاديين والماليين وهواة الطلاسم فقط ألا وهو السياسة النقدية . ويحدث كثيرا ان يلتقى المرء أناسا عاديين فما ان يعرفوا أنى محرر اقتصادي حتى يكون سؤالهم : « قل لنا لو سمحت لو معنا جنيه ( أي مبلغ من المال ) فكيف وأين نستثمره في الوضع الراهن ؟. ولا يكتفي المتلقي بسماع الإجابة بل يناقشك ويبرز لك حججا واقعية ربما لم تكن تفكر فيها ، ويعرفك الى معالم أخرى لما يسمى المخاطر أو الفرص في واقع الناس الاقتصادي . وأحيانا ما اسمع حكما لا تخطر ببالي كذلك ومنها قول أحدهم إن أباه أخبره أن الدنيا دوارة ، ومن يربح كثيرا يأتي وقت ويخسر الكثير، بحيث إن المحصلة في النهاية تجعل الذي خاطر وربح الكثير مثله مثل الذي اكتفى بربح مضمون وبسيط ، وعليه نصحه بان يستثمر أمواله في ودائع البنوك ولا يشترى منزلا ولو لسكنه – بل يؤجر – مضيفا أي الأب للابن انه وبهذا الشكل سيترك لأولاده أموالا سائلة يتصرفون فيها بما يحلو لهم ، ولن يحدث بينهم تنازع ، عكس توريث أصول أخرى ، وسيرتاح بالك من التفكير في المستقبل. هل سمعتم أمرا كهذا من قبل .. إنها الحياة بكل تموجاتها البليغة .
الغريب في الأمر انه وسط طوفان الاهتمام الشعبي هذا وكل هذا الزخم من الوعى الفطري والحكم الشعبية، تضرب الحيرة أركان عالم المتوقعين من خبراء استثمار واقتصاد وأعمال وأموال ، فلا يعرفون بم ينصحون أو ماذا يتوقعون من هذا البنك المركزي أو ذاك في اجتماعه المقبل؟ . لديهم أعذار فالوضع معقد على نحو استثنائي وكل عامل من العوامل التي تؤثر على أي بنك مركزي في قراراته هو نفسه يمكن ان يقال فيه كتب او يشار فيه الى تفاصيل لا أول لها ولا آخر .
وقد رأيت بنفسي تطبيقا عمليا لهذا الأمر قبيل اجتماع البنك المركزي المصري المرتقب (اليوم الخميس) ليحدد مستويات أسعار الفائدة للشهر التالي على صعيد الفائدة الأساسية لتعاملات ليلة واحدة ، أو سعر فائدة العمليات التشغيلية للبنك المركزي ، وهى في الحالة المصرية الودائع لأجل ثمانية أيام سواء محددة العائد أو متغيرة العائد ، وبمجرد إعلان أسعار المركزي تقوم البنوك بتعديل أسعار الفائدة لديها إذا رأت موجبا لذلك . فقد ذهب القوم في التوقع كل مذهب وعلى نحو لم نشهده منذ أمد طويل في مصر ، ولعله يعكس أيضا حالة في العالم كله كما تحدثنا الميديا كل وقت .
ورغم ان أغلبية المحللين منحوا نسبة أغلبية في توقعاتهم لتثبيت سعر الفائدة ( أي 60 او 70 او حتى 80% احتمال تثبيت ) إلا انه ظهرت آراء أخرى تربط التأكيد باحتمال حدوث رفع في حدود واحد بالمائة ( 100 نقطة أساس بلغة البنوك المركزية ) ليحافظ المركزي على جاذبية أداوت الدين المصرية للأجانب، وحتى تستطيع وزارة المالية ان تدبر التمويلات المطلوبة للخزانة العامة وتنفيذ الموازنة بلا معطلات . تربطه باحتمالات أخرى متناقضة فالأغرب والأكثر إثارة للدهشة ان البعض وممن لهم باع في متابعة الأوضاع النقدية والمالية توقع ان يقوم المركزي – مع احتمال اكبر للتثبيت في نظرهم أيضا – ، بخفض سعر الفائدة اتساقا مع سعيه لخفض التضخم والسيطرة على الأسعار في المدى المتوسط وهو السعي الذي أثمر بالفعل تراجعا ملموسا في التضخم ونزل به إلى اقل من 14 % وبما يفيد انه سيحقق ما وعد به وهو النزول بالتضخم إلى مستوى 10 % ، زائد او ناقص ثلاثة ، بنهاية هذا العام على ان يدخل العام المقبل الى مستوى تضخم أحادي .
الدين إذا تثبيت ورفع وتخفيض يتجاورن في عقل واحد وفي سطور واحدة فيا ليت شعرى من نصدق وماذا نصدق ؟ . لقد أربك المتوقعين بقوة قيام وزارة المالية في مصر برفض طلبات شراء أذون خزانة أربع مرات متتالية لان الوزارة رأت ان سعر العائد في العطاءات المقدمة غير منطقي ولا يترجم الوقائع الاقتصادية المصرية على الأرض ، والمتمثلة في نمو اقتصادي قوي وانخفاض للبطالة والتضخم وتحسن في التصنيف الائتماني ووجود احتياطي جيد واستقرار سعر العملة الخ . الرفض يقول بأوضح لغة ان لدى المالية بدائل لتدبير تمويلاتها المطلوبة وإلا ما أخذت تلك الخطوة الجريئة ، ويقول أيضا ان المركزي يدرك هو الآخر انه لا يحتاج الى عنصر جذب إضافي للأجانب بتحريك الفائدة لأعلى وان مستوياتها الحالية كافية لتحقيق أهداف السياسة النقدية وتوفير التمويل للمالية.
الأغرب أخيرا ان قلة من المحللين تخشى ان يكون رفض المالية المتكرر هو آخر ما يمكن الوصول إليه في ضوء اضطرابات الأوضاع في الأسواق الناشئة وان المالية لن تستطيع فعلها مرة أخرى أي رفض العطاءات المقدمة لشراء الأذون أو سندات الخزانة وعليه فإن المركزي الذي يفترض انه ينسق مع المالية سيتخذ موقفا مفاجئا لها غدا.
أرايتم كيف ضربت الحيرة الجميع! .