أخطاؤنا.. حصيلة سلوك سيئ !

أحمد بن سالم الفلاحي –

من يحدد أن هذا السلوك سيئ «مشين» وهذا غير سيئ «معتدل» أو مقبول؟ سؤال أفتتح به هذه المناقشة، ويأتي طرح السؤال هذا، ليس للبحث؛ فقط؛ عن معادلة مرضية لمجموعة السلوكيات القويمة التي يقرها أفراد المجتمع، والأخرى التي لا يقرها، ولكن للوقوف أيضا على رؤية غير متفق عليها في مسألة ممارسة مختلف السلوكيات بين أحضان المجتمع، واختلاف الناس حول سلوكيات مقبولة لدى البعض، والتعامل معها بأريحية تامة.
مع أنها مرفوضة من قبل البعض الآخر، والعكس صحيح، وهو ما تنطبق عليه مقولة: «رضا الناس غاية لا تدرك» ولذلك أتبع هذا السؤال الافتتاحي؛ بسؤال آخر؛ وهو: هل هناك خط فاصل ما بين سلوك سيئ وآخر غير سيئ، ومن يحدد هذا الخط الفاصل؟ فالناس، وهذه طبيعة بشرية، على كثرة اتفاقاتهم، يقابلها أيضا كثرة اختلافاتهم، ولكن تبقى هناك بعض الثوابت يؤمن بها الجميع، وبالتالي عندما يختلف الناس على أمر ما، فإن هذا الاختلاف مرده إلى تعامل فئة مع أمر ما، بحدة إفراط في التقدير، وتعامل فئة أخرى مع ذات الأمر بحدة فيها تفريط، بينما تدعو الحكمة دائما إلى: «لا إفراط ولا تفريط» في ذات الأمر الواحد، ويأتي هذا التقييم من قبل الفئتين انعكاسا لعوامل كثيرة، منها: تربوية، واجتماعية، وثقافية، وبيئية، ويضاف إليها مكتسبات فردية حيث لها الدور الأكبر في تغيير القناعات، أو تعديلها -من خلال الحذف والإضافة- وهذا أمر مسلم به إلى حد كبير؛ لأن من صفات الفرد السوي هو القدرة على مراجعة قناعاته بين فترة وأخرى، وعدم التزمت على ثوابت بعينها؛ لأن العالم من حوله متغير وغير ثابت، وما بين المتغير والثابت مساحة تتسع لإشباع كل القناعات، وتتسع لمراجعة كل الثوابت، وهذه سنة الله في خلقه.
وعندما نعرج الى سؤال ثالث، وهو: ما مستوى تأثير البيئات الاجتماعية بشكل عام على تقنين السلوكيات السيئة «المشينة» وتعزيز السلوكيات المتفق عليها جميعا؟ فإن ذلك تأصيل لواقع نعيشه، ونستطيع من خلال هذه المعايشة أن نقيم قدرة البيئة الاجتماعية على ترويض أو تقنين سلوكيات الأفراد، فالفرد؛ في توظيف سلوكياته على الواقع؛ هو في النهاية وليد هذه البيئة أو تلك، وبما أنه يحمل هذه الصفة، فيقينا ليس يسيرا أن يتحرر من مجموعة السلوكيات التي انغرست في نفسه طوال سنوات العيش في بيئته، نعم قد يستطيع أن يتحرر من بعض السلوكيات؛ وهذا مرهون بقدرته على هضم السلوكيات الجديدة التي يتلقاها من بيئته الجديدة، وهذا ما نلاحظه في أبنائنا الذين يسافرون إلى الدول الأخرى لطلب العلم؛ مثلا؛ ويمكثون في بيئاتهم الجديدة ردحا من الزمن «سنوات» فهذه الفترة الزمنية تتيح لهم فرصة اقتناص الكثير من السلوكيات لدى أفراد تلك الدول، ومع المكوث أكثر تبدأ السلوكيات الجديدة تأخذ طريقها نحو تأصيل القناعات لدى هذا الفرد، فيتبناها على حساب أخرى مكتسبة من البيئة الأم، ويوظفها في حياته اليومية، ويأخذها الى بلد المنشأ عند العودة، فإن توافقت مع بيئته الاجتماعية الأم كان بها، وإن تصادمت، فإنه بلا شك سوف يواجه متاعب، فإما أن يصمد على قناعاته في توظيف هذه السلوكيات المكتسبة من البيئة «المضيفة» وإما أن يتراجع عنها إكراما لبيئته الحاضنة «الأم»، أما أن يعود هذا الفرد دون أن يتأثر بأي سلوك من البيئة «المضيفة» وظل على سلوكياته التي سافر بها وعاد بها، فإن هذا الفرد قد لا يثمن له هذا الموقف؛ لأن الإنسان بطبيعته يؤثر ويتأثر، ومتى خرج عن هذه الصورة المزدوجة في التأثير والتأثر، فإن في الأمر شيئا ما غير طبيعي.
ولا تزال الأسئلة تحاصرنا في هذا الاتجاه، ومنها: متى ينقلب السلوك غير الجيد «المقبول اجتماعيا» إلى سلوك سيئ بدرجة أكثر حدة، ويستلزم العقاب؟ جميعنا يؤمن بأن هناك قواعد اجتماعية شبه متفق عليها بين أفراد المجتمع الواحد، وهذا الاتفاق هو الذي يجيز ممارسة سلوك ما إلى مستوى معين، ومتى خرج عن هذا المستوى تغير الحكم عليه، من سلوك مقبول إلى سلوك مشين ومعاب، فعلى سبيل المثال؛ السلوكيات التالية: (البصق في الأماكن العامة، لعق الأيدي أثناء تناول الطعام أمام الجمع، التدخين في بيت المزور، التبول في الطرقات العامة، المبالغة في إخراج بقايا الطعام من الفم أثناء الغسل في حضرة الناس، القهقهة المبالغ فيها في المجالس العامة، كثرة النكات والمزاح في حضرة الناس، تقليم الأظفار في الأماكن العامة) وغيرها من السلوكيات التي يقف منها أبناء المجتمع موقفا نسبيا في مسألة القبول والرفض في آن واحد؛ مع أنها سلوكيات عادية ومقبولة اجتماعيا في ممارستها الخاصة، كنوع من الاستحقاق البيولوجي، ولكن لو خرجت عن نطاق الفردية ومورست في حضرة العامة بصورة مبالغ فيها، فإنها تنتقل من القبول إلى الرفض، ومتى وصل ممارسة السلوك إلى رفض أفراد ذات المجتمع، فإن الحالة تنتقل ليست فقط إلى الرفض، بل إلى ضرورة العقاب، وهو العقاب الذي يكون في بدايته على شكل لوائح إرشادية؛ وملاحظات مكتوبة، وقد يصل الأمر إلى نصوص في قوانين الجزاء، وبقدر الإجماع على تلقائية الممارسة عندما كان السلوك سويا، فيكون الإجماع ذاته على ضرورة تبني العقاب للحد من انتشاره فيما بعد، فالمجتمع لا يزال يحافظ على مكتسباته من الأخلاق والقيم، وهذه صورة معايشة إلى حد كبير، ونتيجة لهذا الإجماع فإن أفراد المجتمع يلتزمون بالقواعد الاجتماعية لتقنين السلوك المقبول، ولكن السؤال الذي يتبع هذه الآلية في التعامل مع السلوك الذي أصبح شاذا، هو: هل يمكن ترويض الجمهور العام للامتثال إلى سلوك ما، من خلال وضع: ملصقات، إقامة محاضرات، إرشادات، توجيهات؟ الإجابة نعم؛ ولكن بصورة نسبية، وهذا أمر متوقع.
ولكن الأمر يختلف عندما يكون التوجيه من قبل المؤسسات التي تضع؛ في العادة؛ قواعد إدارية ضابطة، لمجموعة موظفيها تنظم علاقة سلوكياتهم المتباينة مع قواعد ونظم المؤسسة؛ لأنها تصبح ملزمة إلى حد بعيد، ومن يتجاوزها بعد ذلك يعرض نفسه إلى عقاب نافذ لا يقبل التأجيل، ولذلك فأكثر ما تخرج السلوكيات الشاذة عن عقالها عندما تتسع المساحة التي يتحرك فيها الجمهور، وهي الأماكن العامة مثل: المسارح، مدرجات الجمهور في الملاعب، الأسواق، الحدائق العامة، الطرقات العامة، أي أية مساحة تخرج عن استحكامات حدود ما، أو غير خاضعة لتنظيم معين من قبل مؤسسة، أو مجموعة أفراد، أو حتى فرد واحد، ولكن مهما اتسعت رقعة المساحة التي تتيح فرصة لمن يريد أن يعبث بقيم المجتمع من خلال توظيف سلوك ما، يقيم على أنه سلوك «مشين» فلن يلقى ذلك الترحيب من قبل الآخرين، وسينظر إليه دائما على أنه سلوك شاذ، ومن يأتي به يظل أكثر شذوذا؛ لأن مجموعة الانفعالات من قبل جمهور ما، في مثل هذه الأماكن التي ذكرناها، تظل مقبولة من قبل جمهور قليل جدا، ويقابله رفض من جمهور كبير أكثر، فهل تعي جزئية الجمهور التي تمارس سلوكا غير مقبول هذه الحقيقة؟ هنا تعود المسألة إلى مربعها الأول من جديد.
وأطرح هنا سؤالا ختاميا، مفاده: كيف يمكن مقاربة السلوكيات الشاذة من قبل البعض، لكي تكون مقبولة من قبل البعض الآخر -وهو على عكس ما طرح منذ بداية السياق-؟ هذه الصورة تكون مقبولة أكثر في المجتمعات التقليدية، التي توجد مبررات وصياغات لخروج أفرادها عن ما تعارف عليه المجتمع، وخاصة إذا تعلق السلوك الشاذ بالرجال، فالأعراف التقليدية ترى في أحقية أن يسلك بعض الرجال بعض السلوكيات غير الشائعة، وتوجد لهم المبررات، ولا يحدث ذلك في جانب الأنثى، ولعل ذلك من سنن المجتمعات الذكورية التي تنتصر للرجال أكثر من النساء، ولذلك يظهر التباين واضحا في سلوك الأفراد في المجتمعات التقليدية عنها في المجتمعات الحديثة، وفي مجتمعات المدن، عنها في مجتمعات القرى، ومجتمعات القرى، عنها في مجتمعات البادية.