د. حمود الدغيشي لـعمان« الثقافي»: كثير من الندوات النقدية جاءت بناء على حالة «شخـصنة» وليست لدراسة حالة إبداعية

«حرب الذاكرة أحلام تستيقظ أبدا» إصدار نقدي جديد بلغة تلامس الشعر –

مكتب نزوى – محمد الحضرمي –

بلغة تلامس الشعر في كثافتها ونقاوة مفرداتها صدر للناقد حمود الدغيشي كتاب نقدي يحمل عنوان «حرب الذاكرة أحلام تستيقظ أبدا»، وذلك عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء بالمغرب، قدَّم فيه قراءة نقدية لنصوص شعرية عربية قديمة، وأخرى لنصوص شعرية عمانية حديثة، تضمن الفصل الخاص بالنصوص الشعرية العربية ثماني دراسات وهي: المعادل الموضوعي والشعر العربي القديم، والليل بين القبح والجمال، والسطوة والانكسار، وحرب الذاكرة قراءة في حداد متمم بن نويرة، وجمالية القبح، والاحتفاء بالخيل قراءة في مأساة العبودية وبكائية الشيخوخة، وبكائية الكهولة قراءة في ذاكرة ابن مقبل، وفي الفصل الثاني من الدراسة نقرأ ثماني دراسات لإصدارات كل من الشعراء: سعيد الصقلاوي، وإسحاق الخنجري، وحسن المطروشي، ومحمد الحضرمي، وسماء عيسى، ومحمود حمد، وسماء عيسى، وخالد المعمري، إلى جانب قراءة خاصة في عنوان «الأشجار لا تفارق مواطنها الأولى»، للشاعر سماء عيسى.
ويوصِّف الدكتور الدغيشي عمله النقدي في مقدمة كتابه بقوله: تحاول الصفحات القادمة قراءة ألواح شعرية عربية من الألواح القديمة، وأخرى من الألواح العُمانية الحديثة، قراءة لا تحمل منهجاً محدداً، إنما تفيد من مناهج عدة، تتداخل فيما بينها، وقد كانت هذه القراءات مبعثرة في ملاحق ثقافية، ترددت قبل أن أقدم على جمعها من الشتات، ونشرها في هذا الكتاب، لكنني تحت إصرار الأصدقاء، سوَّلت لي نفسي أمراً، فاستحللت الخطيئة واستغفرت ذنبي.

فلسفة العنوان في حرب الذاكرة

حول هذا الإصدار تحدث الناقد الدغيشي لعمان الثقافي حديثا قال فيه: إن «حرب الذاكرة» هو عنوان لأحد المقالات النقدية في الكتاب، لكن هذه الحرب ممتدّة في مقالات الكتاب كلِّها، وهناك عبارة فلسفية في المقال تختزل فكرة الحرب هذه، وهي: «غيابُ الألـمِ أصعبُ من الألـم نفسه».
وأضاف: إن الإصدارات الشعرية التي جاءت في الكتاب، وإن اختلف انتماؤها، هي جزء كبير من مساحة الجمال الممتدة على الفضاء الشعري العُماني، امتازت بالرؤى والأحلام، وتفاوتت في الاستشراف، ولا يعني هذا أن مساحة الجمال محصورة في هذه الإصدارات الشعرية وأصحابها، فهناك كثير من الشعراء العمانيين مـمن يرفدون الحركة الشعرية بالجمال، وتمتاز نصوصهم بوعي شعري عال، لكن طبيعة الدراسة تقصـر عن متابعة هذه الجمالية كلها.

الشعر الحديث والوعي بالزمن

وتحدث الدكتور الدغيشي عن التجربة الشعرية العمانية فقال: إنَّ الشعر العُماني الحديث لم يكن في فتراته الشعرية الأولى ليتحقق فيه الوعي بالزمن، بالمفهوم النقدي الحديث؛ وذلك لسببين؛ طبيعة الواقع الوجودي (الديني والسياسي) للإنسان العماني الذي شكَّل ما يمكن تسميته بـالوعي المُقوْلب، وطبيعة النوع الشعري (المعلبات الشعرِية الاستهلالية)؛ فقد كانت مقدمة القصيدة العمانية «شرنَقة المُضْي» التي اعتقدت بها المحافظة على وجودها، فلم تستطع القصيدة العمانية في المرحلة الأولى من القرن العشرين تجاوز «شَرْنَقة المُضْي»، لا سِيّما في مقدمتها الاستهلالية، فضلًا عن الصور الكلاسيكية البالية التي كانت بمثابة «قوالب» مفرغةٍ من زمنيَّتها الفنية ورؤاها، وقد غلب على تلك القصيدة ثيمَة «الجماعة»، فليس ثمَّةَ فرد بالمعنى الجوهري للكلمة، ولعله لا يتقيَّم، أي (يصبح ذا قيمة) حين يخضع لقوانين الجماعة بقدر ما يَتشيَّأ، أي (يصبح شيئاً)، فلا قيمة لفردانيةٍ خالية من الفاعلية والعطاء.

الاستقلال عن اللغة القديمة

وأضاف أيضاً: في الفترة التي يمكن وسمها بـ«الخروج من التيه» نجد مساحة لتتبع حركة التأسيس ورصد تـشـكلاتها، حيث استقلال الزمن في شعر سعيد الصقلاوي وهلال العامري وذياب بن صخر العامري) ، ويمكن رصد مسارِ الوعي الشعرِي في محاولته الانفلاتَ من شَرْنقة المُضْي المُقوْلب، وخلق حالة شعرية تنشد الاستقلال عن احتلال اللغة القديمة والمعلبات الجاهزة، وتتطـلع إلى ذاتها وواقعها من خلال الغنائية الشعريّة التي اتسمت بها قصائد هذه الفترة، وقد ساعد انفتاح الدولة على العالم الخارجيّ، لا سيما على العالَم العربِي بتقلباته وأحداثه، وهواجس مجتمعه الكبير على تنمية الوعي الشِّعري لدى أولئكَ الشعراء، فأخذ الوعي الشعري يتخلص من المُضْيِ، ويستبدل بـ«التشيؤِ» القيمة الإنسانية، فضلا عن التغني بهواجسه، واحتفائه بعوالم الحياة وكائناتِها، إلا أن الوعي الشعري لم يكن لِيحسن التعامل مع قضية الزمن فظل معلقا بالزمن الموضوعي، خاضِعا له، وإن قاد نوعا مِن التمرد ظاهريا لكنه لم ينعكس ذلك على الإيقاع الداخلي للقصيدة في بنيته اللغويّة، وتراكيبه الفنيّة، ولم يُؤسِّس فلسفة جمالية تُعْنى بالزمن داخل القصيدة.

ثورة القصيدة العمانية على اللغة

ويتحدث الناقد الدغيشي عن ثورة القصيدة العمانية على اللغة فيقول: مارست القصيدة بِنوعيها (التفعيلة/‏‏ النّثر) في الثمانينات من القرن العشرين ثورة على أصنام اللغة، وقاد الوعي الشعريّ تمرّدا بنّاء تجاه الأفق، مُتلمسا معالم وجوده الحقيقي المتصادم أبدا مع الزمن الموضوعي.
أيقظ هذا الصدام الوعي وجعله يبحث في داخله عن أدوات للجمال توقف هذا الزّحْف القبيح، ولما كان الوعي الشّعْري في عمقه الفلسفي معنِياً في صراعه الأزلي مع الزمن الموضوعي بخلقِ نظام داخلي أمام الفوضى الخارجية، وفلسفة جمالية لجبروت القبح، فإنه يقوم بإعادة صياغة هذا الصراع وفق إيقاع يرتد إلى الذات، إيقاعٍ مكثفٍ بالأبعاد الزمنية (الماضي والحاضر والمستقبل) انطلاقاً من اللحظة الحاضرة التي تعيش حالة من الديمومة والاستمرارية في تنقلاتها الدينامية بين الماضي والحاضر (الذاكرة/‏‏ الخيال). يستمد الوعي الشعري إيقاعه من اللحظة الحاضرة المتوترة مع الزمن الموضوعي؛ ليشكل عالـمه ويحول زمانيّة وجوده إلى زمانية استطيقية، ويصبحَ الزمان واللغة حدثا استطيقيا مكثفا، وبالتالي فإن الدلالة التي تنطويان عليها تصبح رمزا مكثفا، ومقوِما لانطولوجية الظاهرة الشعرية.
وتناول حديثه التجربة النقدية في عُمان حيث قال: إن هناك الكثير من الأسباب التي تجعل حركة النقد لا تستطيع مواكبة الـكم الجمالي الزاخر من الشعـر، والسرد أيضا، لا يمكن الحديث عن ذلك هنا، فربما احتاج إلى ندوة أو جلسة نقاشية مـؤطَّـرة بمحاور علمية. لكن دعني أقول أمرا أشبه بالنصيحة العلمية لكل من يهمه أمر تطوّر الحركة النقدية بشكل خاص، والحركة الثقافية بشكل عام: «انظروا إلى النص ولا تنظروا إلى صاحبِ النص».

النص الجيد يفرض نفسه إبداعيا

وأنهى حديثه بالقول: إنَّ النص الجيد يفرض نفسه إبداعيا، وكثير من الحلقات النقاشية والندوات النقدية على مستوى المؤسسات الأهلية أو الحكومية جاءت بناء على حالة «شخـصنة» وليس بناء على حالة إبداعية؛ مما أفـقـد مجموعة من المتخصصين والمشتغلين بالنقد، لا سيما في مراحلهم الأولى من الدرس النقدي الثـقـة في هذه المؤسسات، وتجنب الخوض في مسائل النقد وممارسته، فضلا عن «حـزمـة أقلام» (داخلية وخارجية) بين كتابٍ ونقاد، تتبادل بين بعضها بعضا أدوار النقد (المعلب)، فالحديث عن ذلك وغيره يطول.
جدير بالذكر إن الناقد د. حمود الدغيشي صدر له سابقا كتابان هما: «الخيل في الشعر الجاهلي»، دراسة في ضوء الميثولوجيا والنقد الحديث، و«معجم الخيل العربية الأصيلة»، وذلك عن دار جرير بالأردن، إلى جانب دراسات ومقالات نقدية في الشِّعْر والسّرد، والدراسات الميثولوجية، نشرت في الصفحات الثقافية بالصحف المحلية كملحقي أشرعة وشرفات، وله بحث علمي في القصّ القرآني وكتابات أخرى في الحكاية الشعبية، والسيرة الذاتية.