تواصل وأثر

زهرة سليمان أوشن –

الصلاة صلة واتصال، إقامة وقيام، خضوع وتسليم، تضرع ودعاء، أوبة واستكانة، تكليف وتشريف، راحة وطمأنينة، طاعة واستجابة، راحة وواحة. هي عمود الدين وركنه الركين، وأسه المتين، لب الانتماء، من أقامها أقام الدين، ومن بغى عليها واعتدى على حقوقها فليراجع انتماءه للإسلام فهو على خطر عظيم.

الصلاة أول ما يكلف به المسلم ترافقه ويرافقها في كل أحواله حتى يلقى الله عز وجل، فهي معه في حله وترحاله، في صحته ومرضه إلا أن يفقد عقله، يلازمها في كل تقلباته، يهرع إليها ليؤديها في وقتها فينشرح صدره، وتهدأ جوارحه، وتسمو روحه وتزكو نفسه. يتعلم منها النظام وترتيب الأولويات، والمحافظة على الأوقات. في النداء إليها برد وسلام، طمأنينة وسكينة، فوز ونجاح، وفي المسير إليها روح وريحان عفو وغفران. يحيا معها في دوحة غناء، يذكر فيها ربه ويشحن طاقاته ويجدد إيمانه، يقوي عزيمته ويحسن أداءه، مستجيبا لنداء ربه المتكرر في كتابه: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)، ويحقق معنى قوله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)، ويرتقى إلى ما يصبو إليه من الخيرات وعلو الدرجات على جسر من الطاعات أقوى لبناته الصلاة، فيسكن قلبه وهو يقرأ قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون).
ينطلق المؤمن إلى رحاب المسجد ليؤديها مع جماعة من المؤمنين فإذا بالقلوب تتصافح والأرواح تتعانق والنفوس تصفو والهمم تعلو، كيف لا وقد استجابوا جميعا لنداء: (حي على الصلاة)، ليكون الأثر بعدها عمل وعطاء، إتقان وبناء. ويستمر التواصل بين العبد وربه لا يحده مكان ولا يمنعه زمان – إلا استثناءات معلومة الظروف يتعلمها المسلم في فقه الصلاة – فبابه سبحانه مفتوح لذا يجعل المؤمن في بيته وسوقه، في عمله ومكان نزهته مساحة لصلاته يعلو فيها بذكر الله ويزهر محيطه ألقا وبهاء بتلك المناجاة الرائعة، وبين الفينة والفينة يغنم أوقاتا يتنفل فيها بصلاوات مباركات، غدوا وعشيا، فجرا وضحى.
ويرتقي المؤمن باتصاله وتواصله وتغدو الصلاة بهجة قلبه ونبع راحته، إنها ملاذه الآمن وبستانه المزهر بالرياحين، فلا غرو عندها أن يكون من أهل الليل الذين ورد ذكرهم في عدد من آيات القرآن الكريم، فها هو الله سبحانه وتعالى يصف عباد الرحمن في سورة الفرقان فيجعل من صفاتهم أنهم: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما)، ويذكر القرآن في سورة الذاريات جزاء المتقين في الآخرة فإذا من أهم أعمالهم صلاتهم بالليل والناس نيام (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)، وفي سورة السجدة يحدثنا القرآن عن حال المؤمنين مع آيات الله وتفاعلهم معها سواء التي في الكتاب المسطور أو التي في الكتاب المنظور، فإذا أحوالهم في قمة الجمال والروعة وإذا لهم خلوات مع ربهم ينيرون بها ليلهم ويعمرون بها ساعاته فيحفهم الفرح وتحوطهم عناية الرحمن، يقول سبحانه وتعالى عنهم: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).
ومع الصلاة يدخل المسلم في دورات لا تقل عن خمس دورات يوميا، فإذا به يتخلى فيتحلى ويتنقى فيترقى، تغمره النفحات وتحوطه البركات، فإذا باعوجاجه يقوم ومساره يصحح، مزاجه يعتدل وميزانه يستقيم، فيسجد لله شاكرا وهو يرى أثر الصلاة عليه ويفرح وقد شمله الاستثناء في قوله تعالى في سورة المعارج: (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وأذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون).
إنها الصلاة أثرها رهيب وفعلها عجيب، فلا غرو أن تكون دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء). وأن تكون كلمات الله المباركات لموسى وهو يستقبل باكورة الوحي: (إنه أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري)، وأن يوصي مولانا جل وعلا موسى وهارون عليهما السلام أن يأمرا قومهما بالصلاة قائلا: (واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة)، ويشرف الله إسماعيل ويرفع قدره، فلننظر حاله مع الصلاة وقيامه بحق أهله بحضهم عليها، يقول الله تعالى عنه: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا).
ويبشر الله زكريا بيحيي، ويطلعنا الله – عز وجل – بحاله وهو يتلقى البشرى، فإذا حاله حال تجلي وعروج عبر صلاة خاشعة لرب كريم، استمع إلى قوله تعالى: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)، ويصطفي الله مريم عليها السلام على نساء العالمين ويوصيها الله بالصلاة وهو يشرفها بهذا الاصطفاء، ولنحيا معا في ظلال هذا الهبة الربانية ونحن نقرأ قوله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين).
وننتقل من مريم إلى ابنها المسيح عليهما السلام، وهو في المهد ينطقه الله بتلك الكلمات المباركات لتبرئة أمه العفيفة مما نسب إليها، وليؤكد بشريته ونبوته، فإذا بتلك الكلمات الطيبات لا تخلو من وصية له بالصلاة، قال تعالى: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا). ولنا أن نغوص عميقا ونحظى بالدرر الثمينة ونحن نستمع إلى قول حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يحدثنا عن الصلاة فيقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، ويتنزل علينا بردا من السكينة ونحن نسمعه – بأبي هو وأمي – ينادي بلالا رضي الله عنه قائلا: «ارحنا بها يا بلال» تلك هي أحوال الأنبياء العارفين مع الصلاة وهم أسوة يقتدي بهم من سار على نهجهم وسلك دربهم. وحالهم مع الصلاة مسارعة إليها، حفاظا عليها، مسابقة في القيام بحقها، خشوعا في تأديتها، سجودا فيها جسدا وقلبا. ثمارها نجدها في سلوكهم، صدقا في القول والعمل، حسن خلق مع القريب والغريب، أداء لحقوق العباد، بذل وتضحية، عطاء وإحسان .
حصنوا أنفسهم بالصلاة فنهتهم عن كل قبيح فتحقق فيهم قول الله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، أما أولئك الذين ما رعوها حق رعايتها وكانوا يتغافلون عنها وما قاموا بها على وجهها المطلوب، فلا خشوع ولا تدبر، لا استقامة ولا اعتدال، لا طمأنينة ولا سكينة، نقر كنقر الغراب وحركات ليس فيها روح، وكأنهم يريدون أن يرتاحوا منها ويتخلصوا من عبئها، فهؤلاء نخشى أن يصيبهم الوعيد في قوله سبحانه: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يرآؤن ويمنعون الماعون)، فإنهم لما أساءوا في صلاتهم وما خشعوا فيها ولا كانوا بمستوى مقام الوقوف أمام رب العالمين.. كانت النتيجة أن ساء سلوكهم وانحرفوا عن الصراط المستقيم.
ولا شك أن الاستمرار على هذا النهج المعوج مع الصلاة قد يؤدي بأصحابه من حيث لا يشعرون إلى الانضمام إلى حزب المنافقين الذين وصفهم الله عز وجل بقوله: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) فالله الله في الصلاة، فبها تصلح أحوالنا في الدنيا والآخرة. جعلنا الله وإياكم من أهلها الذين تقر أعينهم بها وتزكو نفوسهم بإقامتها وتسمو أرواحهم بتأديتها.