عطر: الأرواح المذهلة

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

“الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف “
هي الأرواح تتآلف وتتقارب كأن بينها قوة جذب صامتة، لا صوت لها، إلا تلك الذبذبات التي تتحرك في إحساسك فتتبعها بلا تفكير أو حتى إدراك لسر هذا التآلف.
من النادر أن تقف لتتساءل لماذا أصغيت إلى حديث هذا الإنسان دون غيره، رغم أن اللقاء كان فيه العديد من الناس،ربما أكثر منه علما وحجة ومنطقا؟ غالبا لا تجد تفسيرا لهذه الظاهرة التي حدثت لك، والتي قد يخالفك عليها كثيرون، في الحقيقة لا معايير لهذا الانجذاب فلا يمكن إعادة الأسباب إلى الشكل أو المستوى أو المال، إنه أمر خفي المسارات،البعض يسميه كاريزما، والبعض الآخر يسميه قوة شخصية، هذه الشخصية القوية الكاريزمية تؤثر في الكثيرين وهي شخصية قيادية تؤثر ولا تتأثر، إلا بمقدار حاجتها التفاعلية، لذا غالبا هي أحادية وتتحرك باتجاه واحد ينطلق من الناس إليها ،أما هو فالناس بالنسبة له أرقام لا صفات أو أسماء، لكن ما أتحدث عنه اليوم هو ثنائية الجذب بين الأشخاص،وهي علاقة لا منطق عقلاني يحكمها بل مجرد أحاسيس غامضة تحرك الوعي نحو هذا الشخص دونا عن ذاك.
إذا هناك جنود مجهولون ينسقون هذه الثنائية، وهم من وجهة نظري هذه الأرواح التي تتفاعل بإيجابية لتقرب بين غرباء قد لا ينتمون إلى فكر واحد أو دين واحد أو تاريخ واحد، ببساطة هي نسب الحب والقدر فينا ،لسنا نحن من نوزعها، هي بأمر الله.
هناك أمور كثيرة لا نفهمها بحياتنا ولا نصل إلى المحرك الفعلي لها أو أسبابها أو أنماطها. إنها معادلة غامضة، هو الحب والألفة وأسرار أخرى، البعض يؤكد أن الحب عملية دماغية حتى لا علاقة للقلب بها ،وأن القلب يتأثر بما يرسله الدماغ فيندفع الدم ويتسارع النبض وتلك حكاية أخرى.
من ناحية أخرى ولنفس الأسباب الغامضة تتنافر بعض الأرواح، ويظهر جدار صلب من الرفض وكره للتواصل ضبابي الدوافع، تماما كالتآلف لا يمكن رسم خارطة تفصيلية له إلا أنها الروح التي لم تجد ثنائيتها التوافقية فيحدث التضاد السلبي الذي قد يصل إلى حد العدائية أحيانا .
اليوم حديثنا عن الأرواح المذهلة، تلك الأرواح التي تتسلل إلى حياتك من مصادفة عابرة لتحتل مشاعرك وتحرك قلبك وعقلك، هذه الثنائية هنا ليست بين رجل وامرأة ،فأنا لا أتحدث عن الحب بناطقه التقليدي بل عن كل العلاقات الإنسانية التي نعيشها مهما كان نوعها أو مدتها ،فتجد هذا الشخص رفيق وقتك يخرج من العدم ليملأ فراغ وحدة أو غربة أوليرمم جرحا أو ليمد يده بمساعدة أو نصيحة،دائما هناك جنود يظهرون عند الحاجة، ليدعموا سقطة أو ليفرحوا بفوز ما.
قد لا يكونون ثابتين بكل مراحل العمر، ولكنهم يظهرون من غيب أو مصادفة ليغيروا بحدث ما هذا ما يطلق عليه الأرواح المذهلة، التي تكون حين يجب أن تكون، هؤلاء وإن ابتعدوا باقون في الذاكرة، حين نذكرهم نبتسم ونحزن، نبتسم لجمال الذكرى ورقيها، ونحزن لأن الحياة توزع الأرواح أيضا بلا منطق واضح.
من منا لم يصادف مثل تلك الأرواح في حياته، لعلهم جنود الخير وأبطال بلا مناصب أو ألقاب صناع الفرح بمشهدية الحزن، وناشري الضوء في عتمة الجهل، كم نحتاج مثل هذه الأرواح لنصمد حين يتخاذل الأمل فينا أو نصاب بخيبات الحياة، لعل فطرتنا الاجتماعية وتوقنا الدائم لمن يفهمنا ويشاركنا كل تفاصيل فرحنا وحزننا، تجعلنا لا نتوقف عن الشوق لمثل هذه الأرواح.