أسطورة الحرية – كيف للديمقراطية الليبرالية أن تعمل في حقبة تتمكَّن فيها الحكومات والشركات من قرصنة البشر؟

يوفال نوح هراري –
ترجمة: أحمد شافعي –

هل يجب أن يخدم الباحثون الحقيقة، ولو جاء ذلك على حساب التناغم الاجتماعي؟ هل يجب عليك أن تفضح وهما وإن يكن في ذلك الوهم حفاظ على بقاء النظام الاجتماعي؟ في أثناء تأليفي أحدث كتبي وعنوانه «21 درسا للقرن الحادي والعشرين» « 21Lessons for the 21st Century » كان عليَّ أن أصارع هذا المأزق في ما يتعلق بالليبرالية.
من ناحية، أؤمن أن القصة الليبرالية معيبة، وأنها لا تحكي حقيقة الإنسانية، وأننا ـ من أجل البقاء والازدهار في القرن الحادي والعشرين ـ بحاجة إلى تجاوز هذه القصة. ومن ناحية أخرى، لا تزال القصة الليبرالية في الوقت الحاضر أساسا يقوم النظام العالمي عليه ويعمل. وأهم من ذلك أن الليبرالية الآن تتعرض للهجوم من المتعصبين الدينيين والقوميين ممن يؤمنون بأوهام نوستالجية هي أشد بكثير في خطورتها وإيذائها.

فهل ينبغي أن أقول رأيي على الملأ، مخاطرا بأن تنتزع كلماتي من سياقها ويستعملها الديماغوجيون والأوتقراطيون في المزيد من الهجوم على النظام الليبرالي؟ أم ينبغي أن أفرض رقابة على نفسي؟ من سمات أنظمة الحكم غير الليبرالية أنها تجعل التعبير الحر عن الرأي أشد صعوبة خارج حدودها ذاتها. وبسبب انتشار هذه الأنظمة، تزداد خطورة التفكير النقدي حول مستقبل سلالتنا.
اخترت في النهاية حرية النقاش وليس الرقابة الذاتية، بسبب إيماني بكل من قوة الديمقراطية الليبرالية وضرورة تجديدها. فالميزة العظيمة التي تمتاز بها الليبرالية على غيرها من الأيديولوجيات أنها مرنة وغير دوغمائية. وأنها أكثر احتمالا للنقد من أي نظام اجتماعي. والحق أنها النظام الاجتماعي الوحيد الذي يسمح للناس بمساءلة أسسها ذاتها. ولقد نجت الليبرالية من ثلاث أزمات هائلة: الأولى هي الحرب العالمية، والثانية هي التحدي الفاشي في ثلاثينيات القرن العشرين، والثالثة هي التحدي الشيوعي منذ خمسينيات ذلك القرن وحتى سبعينياته. ولو أنكم ترون الليبرالية الآن في أزمة، فليس عليكم إلا أن تتذكروا كم كان الوضع أسوأ في أعوام 1918 و1938 و1968.
في عام 1968، بدا أن الديمقراطيات الليبرالية سلالة مهدَّدة، فحتى داخل حدودها كانت المظاهرات والاغتيالات والهجمات الإرهابية والمعارك الأيديولوجية الضارية تزعزع أركانَها. ولو كنتم هناك وسط مظاهرات واشنطن يوم اغتيال مارتن لوثر كنج، أو في باريس في مايو 1968، أو في اجتماع الحزب الديمقراطي في شيكاغو في أغسطس 1968، لظننتم على الأرجح أن النهاية أزفت. وفي حين كانت واشنطن وباريس وشيكاغو تهوي إلى الفوضى، كانت موسكو ولينينجراد هادئتين وادعتين، وبدا مقدورا للاتحاد السوفييتي أن يبقى إلى الأبد. ولكن الاتحاد السوفييتي بعد عشرين سنة هو الذي انهار. فبصدامات الستينيات قويت الديمقراطية الليبرالية بينما كان المناخ الخانق في الكتلة الشرقية هو نذير هلاكها.
لذلك نأمل أن تتمكَّن الليبرالية من إعادة خلق نفسها من جديد. لكن التحدي الرئيسي الذي تواجهه الليبرالية اليوم لا يأتي من الفاشية أو الشيوعية، بل لا يأتي من الديماغوجيين والأوتقراطيين الذين ينتشرون في كل مكان انتشار الضفادع بعد المطر. إنما يأتي التحدي الرئيسي هذه المرة من المختبرات.
تقوم الليبرالية على الإيمان بحرية الإنسان. فالبشر خلافا للجرذان والقردة لديهم افتراضا «إرادة حرة». وهذا ما يجعل المشاعر الإنسانية والاختيارات البشرية هي السلطة الأخلاقية والسياسية النهائية في العالم. والليبرالية تقول لنا إن الناخب أدرى، وإن الزبون دائما على حق، وإن علينا التفكير بأنفسنا والانصياع لقلوبنا.

غير أن «الإرادة الحرة» للأسف ليست حقيقة علمية. فإن هي إلا أسطورة موروثة من اللاهوت المسيحي. ولقد أتى علماء اللاهوت بفكرة «الإرادة الحرة» لإثبات صواب الرب في عقابه الخُطاة على خياراتهم الرديئة ومكافأة القديسين على خياراتهم الجيدة. فلو أننا لا نتوصل إلى اختياراتنا بحرية، لماذا يعاقبنا الرب عليها أو يكافئنا؟ يرى علماء اللاهوت أن قيام الرب بذلك لا يتنافى مع المنطق، لأن اختياراتنا تعكس الإرادة الحرة التي تنعم بها أرواحنا الخالدة المستقلة عن جميع القيود المادية والبيولوجية.
وليس لهذه الأسطورة علاقة تذكر بما يعلمنا العلم إياه اليوم عن الهومو سابينز [أي سلالة البشر الحالية] وبقية الحيوانات. مؤكد أن للبشر إرادة، لكنها ليست حرة. فأنت لا تقرر أن تكون انطوائيا أم انبساطيا، ليِّن العريكة أم حادًّا، مثليًّا أم طبيعيا. البشر يختارون ـ لكن اختياراتهم لا تكون مستقلة على الإطلاق. فكل اختيار يعتمد على كثير من الشروط البيولوجية والاجتماعية والشخصية التي ليس بوسع أحدكم أن يقرِّرها لنفسه. بوسعي أن أختار ما آكل، وممن أتزوج، ولمن أصوّت، ولكن هذه الاختيارات تحددها جزئيا جيناتي، وكيميائي الحيوية، ونوعي، وخلفيتي العائلية، وثقافتي القومية وما إلى ذلك ـ في حين أنني لم أختر جيناتي أو عائلتي.
وليست هذه نظرية مجردة. فبوسعكم أن تروا هذا بسهولة. ليس عليكم إلا أن تنتبهوا للفكرة التالية التي تبزغ في عقولكم. من أين جاءت؟ هل اخترتم بحرية أن تفكروا فيها؟ الإجابة بوضوح هي لا. ولو أنكم انتبهتم إلى عقولكم انتباها كبيرا لأدركتم أن سيطرتكم محدودة للغاية على ما يجري هناك، وأنكم لا تختارون بحرية ما تفكرون فيه، وما تشعرون به، وما تريدون إياه.
ومع أن «الإرادة الحرة» كانت أسطورة طوال الوقت، فقد كانت في القرون الماضية أسطورة نافعة. تقوّي الناس المرغمين على محاربة محاكم التفتيش، والحق الإلهي للملوك، والكي جي بي [المخابرات السوفييتية]، والـ كيه كيه كيه [عصابات كوكلوكس كلان العنصرية تجاه الأفارقة في أمريكا]. وكانت تكاليف الأسطورة أيضا قليلة. ففي 1776 أو 1945 لم يكن يقع أذى كبير على من يؤمن أن مشاعره واختياراته هي نتاج «إرادة حرة» ما، وليست نتيجة كيمياء بيولوجية أو أعصاب.
لكن الإيمان بـ«إرادة حرة» بات اليوم على حين غرة أمرا خطيرا. فلو نجحت الحكومة والشركات في قرصنة الحيوان الإنساني، سيكون أسهل الناس على التلاعب هم المؤمنون بالإرادة الحرة.
من أجل النجاح في قرصنة البشر، يلزم أمران: فهم جيد للبيولوجيا، والكثير من قوة الكمبيوتر. لقد كانت محاكم التفتيش والكيه جي بي تفتقران إلى مثل هذه المعرفة والقوة. لكن قد تمتلك الشركات والحكومات كلتيهما عمّا قريب، وبمجرد نجاحهما في قرصنتك، لن يتيسر لهما فقط التنبؤ باختياراتك، بل سوف تتيسر إعادة هندسة مشاعرك. ومن أجل ذلك لن تحتاج الشركات والحكومات أن تعرفك معرفة كاملة، فهذا مستحيل. ولكن كل ما سوف تحتاج إليه هو أن تكون أعرف منك بنفسك، ولو بقدر ضئيل. وهذا ليس مستحيلا، لأن أغلب الناس لا يعرفون أنفسهم جيدا.
لو أنك تؤمن بالقصة الليبرالية التقليدية، فمن السهل أن تنزع إلى رفض هذا التحدي، قائلا «لا، هذا أمر لن يحدث. لن يتمكن أحد يوما من قرصنة الروح الإنسانية، لأن فيها ما يتجاوز الجينات والأعصاب والخوارزمات. لا يمكن أن ينجح أحد في التنبؤ بخياراتي والتلاعب بها، لأن خياراتي انعكاس لإرادتي الحرة». لكن المؤسف أن رفض هذا التحدي لا يقضي عليه. غاية ما يفعله أنه يزيدك أمامه ضعفا.
يبدأ ذلك بأشياء بسيطة. فيما تتصفَّح الإنترنت، يلفت عنوان نظرك: «عصابة مهاجرين تغتصب امرأة من أهل البلد». تنقر عليه. في اللحظة نفسها تماما، تتصفَّح جارتك الإنترنت هي الأخرى، ويلفت نظرها عنوان آخر: «ترامب يستعد لضرب إيران نوويًّا». وتنقر عليه. كلا الخبرين كاذب، فلعله من تلفيق بعض الروس، أو بعض المواقع الساعية إلى زيادة عدد زائريها لزيادة عائداتها من الإعلانات. أنت وجارتك تشعران أنكما نقرتما على هذين العنوانين من تلقاء إرادتكما الحرة. لكن الحقيقة أنه تمت قرصنتكما.
بطبيعة الحال، ليست البروبجندا بالأمر الجديد، أو التلاعب. لكن في حين أنهما كان يعملان في الماضي على طريقة القصف الشامل، فهما الآن يتحولان إلى ذخيرة دقيقة التوجيه. حينما كان هتلر يلقي خطبة عبر الإذاعة، كان يستهدف القاسم المشترك الأدنى، لأنه لم يكن يستطيع أن يصمِّم رسالته لنقاط الضعف الفريدة في الأمخاخ المنفردة. الآن صار بالإمكان عمل ذلك تحديدا. بوسع خوارزم معين أن يكشف عن تحيُّز معيَّن لديك ضد المهاجرين، في حين أن جارتك تكره ترامب، وهذا هو السبب في أنك ترى عنوانا وجارتك ترى عنوانا آخر تماما. فلقد شهدت السنوات الأخيرة عمل بعض من أذكى الناس على قرصنة المخ البشري بهدف حملك على النقر على إعلانات ولبيع منتجات لك. والآن تستعمل هذه المناهج لتبيع لك رجال سياسة وأيديولوجيات أيضا.
وليست هذه إلا البداية. في الوقت الراهن يعتمد القراصنة على تحليل العلامات والتصرفات في العالم الخارجي: المنتجات التي تشتريها، الأماكن التي تزورها، الكلمات التي تبحث عنها في الإنترنت. ولكن أدوات الاستشعار في العدادات الحيوية ستقدر في غضون سنوات قليلة على منح القراصنة اتصالا مباشرا بعالمك الداخلي فيمكنهم أن يراقبوا ما يجري داخل قلبك. ولا أعني القلب الاستعاري المحبوب في الخيالات الليبرالية، بل المضخة العضلية التي تضبط ضغط دمك وكثيرا من نشاطك المخي. عندئذ يصير بوسع القراصنة الربط بين خفقان قلبك وبيانات بطاقتك الائتمانية، وضغط دمك وتاريخ بحثك على الإنترنت. ولكن ما الذي كان بوسع محاكم التفتيش وكيه جي بي أن تفعله بأساور العدادات الحيوية التي تراقب أمزجتك ومشاعرك طوال الوقت؟ تابعوني.
لقد أنشأت الليبرالية ترسانة مبهرة من الحجج والمؤسسات للدفاع عن الحريات الفردية من الهجمات الخارجية التي تشنها الحكومات القمعية والمتدينون المتعصبون، لكنها غير مهيَّأة لوضع تنتهك فيه الحرية الفردية من الداخل، ولا يكون فيه لمفاهيم مثل «الفردي» و«الحرية» معنى يذكر. ونحن لكي نبقى ونزدهر في القرن الحادي والعشرين، بحاجة إلى أن نلقي وراء ظهورنا بالرؤية الساذجة للبشر بوصفهم أفرادا أحرارا ـ وهي الرؤية الموروثة عن اللاهوت المسيحي بقدر ما هي موروثة عن عصر التنوير الحديث ـ ونتقبل البشر مثلما هم في الحقيقة: حيوانات قابلة للقرصنة. علينا أن نعرف أنفسنا أفضل مما نعرفها.
وبالطبع ليست هذه بالنصيحة الجديدة. فمنذ العصور القديمة يكرر الحكماء والقديسون هذه النصيحة: «اعرف نفسك». لكن في أيام سقراط وبوذا وكونفشيوس، لم تكن ثمة منافسة حقيقية. فلو أهملت أن تعرف نفسك، لبقيت أيضا صندوقا أسود أمام بقية البشر. لكن لديك الآن في المقابل منافسة قوية. ففي حين تقرأ هذه السطور، تناضل حكومات وشركات من أجل قرصنتك. ولو تمكَّنت من معرفتك خيرا مما تعرف نفسك، فبوسعها حينئذ أن تبيع لك ما تشاء أن تبيعه، سياسيا كان أم سلعة.
من المهم بصفة خاصة أن تعرفوا نقاط ضعفكم. فهي الأدوات الأساسية لمن يحاولون قرصنتكم. وفي حين تُقرصن أجهزة الكمبيوتر من خلال خطوط شفرية معيبة سابقة الوجود، يقرصن البشر من خلال مخاوف وكراهيات وانحيازات ورغبات سابقة الوجود. فالقراصنة لا يخلقون الخوف أو الكراهية من العدم. لكنهم حينما يكتشفون ما لدى الناس بالفعل من خوف أو كراهية يسهل عليهم أن يدفعوا الأزرار العاطفية المتصلة بها، بل وأن يتسبَّبوا في المزيد من الغضب.
وإذا لم يتسن للناس أن يعرفوا أنفسهم بمجهودهم الخاص، فلعل من الممكن قلب نفس التقنيات التي يستعملها القراصنة بحيث تعمل لحمايتنا، كما أن في أجهزة الكمبيوتر لديكم برامج مضادة للفيروسات تعمل على استكشاف البرامج الخبيثة، لعلنا نحن أيضا بحاجة إلى مضادات فيروسات في المخ. وسوف يعرف هذا الصديق ذو الذكاء الاصطناعي بالخبرة أن لديك نقطة ضعف معينة ـ سواء تجاه فيديوهات القطط المرحة أم تجاه أخبار ترامب المثيرة للحنق ـ فيمنع عملها بالنيابة عنك.
لكن هذا موضوع جانبي. فلو أن البشر حيوانات قابلة للقرصنة، ولو أن خياراتنا وآراءنا لا تعكس إرادتنا الحرة، فماذا ينبغي أن يكون المغزى من السياسة؟ على مدار 300 عام، ألهمتنا المثل الليبرالية مشروعا سياسيا هدفه أن يمنح عددا كبيرا من الأفراد أكبر قدرة ممكنة لتحقيق أحلامهم وإشباع رغباتهم. ونحن الآن أقرب من أي وقت مضى من إدراك هذا الهدف، ولكننا في الوقت نفسه أقرب من ذي قبل من إدراك أن هذا كله مبني على وهم. فالتقنيات التي اخترعناها لمساعدة الأفراد في تحقيق هذه الأحلام هي نفسها التي تمكِّن من إعادة هندسة هذه الأحلام. فكيف يكون بوسعي أن أثق في أيٍّ من أحلامي؟
من زاوية نظر، يعطي هذه الاكتشاف للبشر نوعا جديدا تماما من الحرية. ففي السابق كنا نتماهى بمنتهى القوة مع رغباتنا، ونسعى إلى الحرية لتحقيقها. فكلما ظهرت في العقل أي فكرة، كنا نسارع إلى الائتمار بأوامرها. كنا نقضي أيامنا ندور كالمجانين، محمولين على ساقية مجنونة من الأفكار والمشاعر والرغبات أشبه بساقية الملاهي، وكنا نؤمن مخطئين أن تلك الساقية هي تمثيل صادق لإرادتنا الحرة. فما الذي يحدث حينما نتوقف عن التماهي مع هذه الساقية؟ ماذا يحدث حينما نراقب بحذر الفكرة التالية حينما تظهر في عقلنا ونسأل: «من أين جاءت هذه الفكرة؟»
بالنسبة للمبتدئين، سوف يؤدي إدراك أن أفكارنا ورغباتنا ليست انعكاسا لإرادتنا الحرة إلى مساعدتنا على أن نصبح أقل هوسا بها. ولو أنني أرى نفسي باعتباري فاعلا كامل الحرية يختار رغباته باستقلال كامل عن العالم، فذلك يكون بمثابة حاجز يفصلني عن بقية الكيانات . فلست بحاجة إلى أي من هذه الكيانات ـ وأنا المستقل. يخلع ذلك بالتبعية أهمية هائلة على أي من نزواتي، ففي نهاية المطاف أنا الذي اخترت هذه الرغبة بالذات من بين جميع رغبات الكون المحتملة. ونحن لا نكاد نولي كل تلك الأهمية لرغباتنا، حتى نحاول بصورة طبيعية أن نسيطر على العالم ونصوغه بما يتوافق معها. فنخوض حروبا، ونجتث غابات، ونخل بالنظام البيئي كله سعيا إلى تحقيق رغباتنا. لكننا لو آمنا أن رغباتنا ليست نتاج خيار حر، فالمرجو أن نكون أقل انشغالا بها، ونشعر أننا أكثر ارتباطا ببقية العالم.
يتصور الناس أحيانا أننا لو نبذنا الإيمان بـ«الإرادة الحرة»، سنفتر تمام الفتور، ونكتفي بالانكفاء على أنفسنا في ركن ما نجوع فيه حتى الموت. فواقع الأمر أن نبذ هذا الوهم قد يؤدي إلى أثرين متعارضين: الأول هو أن ينشئ صلة أقوى كثيرا ببقية العالم، ويجعلك أشد انتباها لمحيطك ولاحتياجات الآخرين ورغباتهم. الأمر أشبه بك حينما تجري حوارا مع أحد. إذا انصب تركيزك على ما تريد أن تقول، فإنك لا تكاد تسمع. فقط تنتظر لتعطي للآخر قطعة من رأيك. لكنك حينما تنحِّي أفكارك، تستطيع فجأة أن تسمع ما يقول الناس.
والثاني، أن نبذ أسطورة الإرادة الحرة قد يثير فضولا أصيلا. فأنت إذا تماهيت بقوة مع أفكارك ورغباتك التي تظهر في عقلك، لا تكون بك حاجة إلى بذل جهد لمعرفة نفسك. فأنت تتصور أنك تعرف بالفعل من أنت. ولكنك لا تكاد تدرك أنه «مساء الخير، هذا ليس أنا. هذا مجرد ظاهرة تغير كيميائي حيوي» حتى تدرك أيضا أنك لا تعرف من أنت ـ أو ما أنت. وقد تكون هذه بداية أكثر الرحلات الاستكشافية إثارة في حياة أي إنسان.
*
ليس الشك في الإرادة الحرة أو استكشاف طبيعة الإنسانية الحقة بالأمر الجديد. فلقد أثرنا نحن البشر هذا النقاش ألف مرة من قبل. ولكننا لم نمتلك التكنولوجيا من قبل. والتكنولوجيا تغير كل شيء. مشكلات الفلسفة العتيقةُ تتحول الآن إلى مشكلات الهندسة والسياسة العملية. وفي حين أن الفلاسفة شديدو الصبر وقادرون على مجادلة مسألة بدون حسمها لثلاثة آلاف عام، فالمهندسون أقل صبرا بكثير. أما الساسة فهم الأقل صبرا على الإطلاق.
كيف يمكن أن تعمل الديمقراطية الليبرالية في حقبة تتمكَّن فيها الحكومات والشركات من قرصنة البشر؟ ما الذي يتبقى من الإيمان بأن «الناخب أدرى»، وأن «الزبون دائما على حق»؟ كيف يمكن أن تعيش وأنت مدرك أنك حيوان قابل للقرصنة، وأن قلبك قد يكون عميلا لحكومة، وأن اللوزة التي في حلقك ربما تعمل لحساب بوتين، وأن الفكرة التي سوف تظهر في عقلك ربما تكون نتيجة خوارزم ما أعرف بك منك؟ هذه هي أكثر الأسئلة إثارة مما تواجه البشرية الآن.
والمؤسف أن هذه ليست الأسئلة التي يطرحها أغلب الناس. فبدلا من استكشاف ما ينتظرنا في ما وراء وهم «الإرادة الحرة»، ينسحب الناس حاليا في أغلب مناطق العالم بحثا عن ملاذ في أوهام أقدم. وبدلا من مواجهة تحدي الذكاء الاصطناعي والهندسة البيولوجية، يتحول الكثيرون إلى الأوهام الدينية والقومية وإن تكن أقل تماسا من الليبرالية مع الواقع العلمي في عصرنا. وبدلا من وضع نماذج سياسية طازجة، نرى المعروض لا يعدو حزما من بقايا القرن العشرين بل والعصور الوسطى.
وحينما تحاول الاشتباك مع هذه الأوهام النوستالجية، تجد نفسك في غمار مناقشة حول صحة الإنجيل وقداسة الأمة (لا سيما لو أنك تعيش مثلي في مكان مثل إسرائيل). وهذا محبط لأي باحث. فقد كان النقاش حول الإنجيل موضوعا ساخنا في عصر فولتير، ومناقشة قيم القومية كانت فلسفة العصر قبل قرن، لكنهما يبدوان في 2018 إهدارا شنيعا للوقت. فالذكاء الاصطناعي والهندسة البيولوجية توشكان أن تغيِّرا مسار التطور نفسه، وليس أمامنا غير عقود قليلة لتبين ما يمكن أن نفعله حيالهما. ولا أعرف من أين ستأتي الإجابات، لكن المؤكد أنها لن تأتي من مجموعة قصص كتبت قبل آلاف السنين.
فما العمل؟ علينا أن نقاتل على جبهتين في آن واحد. علينا أن ندافع عن الديمقراطية الليبرالية، وليس ذلك فقط لأنه قد ثبت أنها نظام حكم حميد يفوق بدائله، بل لأنها أيضا تضع أقل الحدود على النقاش في ما يتعلق بمستقبل الإنسانية. في الوقت نفسه، يلزمنا أن نسائل افتراضات الليبرالية التقليدية، وأن نضع مشروعا سياسيا جديدا أكثر اتساقا مع الواقع العلمي والقوى التكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.
تحكي لنا إن الميثولوجيا الإغريقية عن زيوس وبوسيدون ـ وكلاهما من أعظم الآلهة ـ كانا يتنافسان على الفوز بيد الإلهة ثيتيس، فلما سمعا نبوءة تقول إن الولد الذي سوف تنجبه ثيتيس سيكون أقوى من أبيه، تراجع الاثنان. فلأن الآلهة تخطط للبقاء إلى الأبد، فإنها لا تريد نسلها أن يكون أقوى منها فينافسها. فتزوجت ثيتيس من بشري فانٍ هو الملك بيليوس، وأنجبت منه أخيل. والفانون يحبون أن يفوقهم أبناؤهم. قد تعلمنا هذه الأسطورة شيئا مهما. وهو أن الطغاة الذين يحكمون على الدوام لا يروق لهم أن يشجعوا ميلاد أفكار قد تزيحهم من أماكنهم. أما الديمقراطيات الليبرالية فتلهمنا أن نخلق رؤى جديدة، ولو على حساب التشكيك في قواعدها ذاتها.

عن ذي جارديان 14 سبتمبر 2018