صلالة.. جبال خضراء يداعبها الرذاذ ووديان تتدثر بالأشجار

قاسم حسين :‏‏ صحفي بحريني –

هو صيفٌ بتوقيت الخليج، وربيعٌ بتوقيت صلالة، وجمال لا يوصف بتوقيت الطبيعة الخضراء. هذا ما شهدناه هذا العام خلال زيارة الشقيقة سلطنة عُمان، كان أجمل منظرٍ يقابلك بعدما قطعت بالسيارة مسافة 2000 كيلومتر، في رحلةٍ بريةٍ استغرقت 22 ساعة، أن تستقبلك غلالةٌ بيضاء من رذاذ الماء المتطاير في الهواء، على مدخل مدينة صلالة الجبلي. ومع الاقتراب من مدخل المدينة المستلقية على ساحل بحر العرب، تتباطأ فجأةً حركة المرور حتى تكاد تتوقف. كان ذلك إيذاناً بأنك أصبحت على أبوابها. طابورٌ طويلٌ من السيارات والحافلات والشاحنات المحمّلة بالبضائع المختلفة، تصطف على طول عدة كيلومترات. وعند نقطة تفتيشٍ، يستقبلك عددٌ من الشباب العماني بابتسامةٍ مرحبة، ويسألك عن بلدك، فتجيبه: البحرين. فيردّ: أهلاً بأهل البحرين. ثم يعود يسألك عن عدد المرافقين، فتجيبه: ثمانية. يرحّب بك، ويسلّمك خريطةً مطويةً لمحافظة ظفار، ستكون دليلك السياحي خلال هذه الزيارة التي امتدت ثمانية أيام. وأنت تتحرّك بالسيارة، يشير عليك رجل الأمن بلطف: «شغّل مصابيح السيارة للطوارئ»، وفعلاً، فالسيارات أمامك لا تظهر واضحةً على بعد أربعة أو خمسة أمتار، بفعل الضباب وتساقط بعض هبات المطر، ما يضطرك إلى السير ببطء وحذر.
ونحن نقترب من دخول المدينة، اغتنمنا أول فرصةٍ للنزول من السيارة لنمتع أعيننا بجمال هذه الطبيعة الغنّاء. جبالٌ خضراء يداعبها الرذاذ، ووديان عميقة تغصّ بالأشجار والأعشاب ومساقط المياه. وبعد كيلومترين آخرين توقّفنا مرةً أخرى، لنمتّع أعيننا ثانيةً بهذا الجمال الساحر .
حين دخلنا المدينة، توجّهنا إلى وكالة التأجير العقاري، حيث اصطحَبَنا أحدهم إلى النزل. كان الوقت مساءً، وكنّا نحتاج إلى راحةٍ بعد هذا السفر الطويل. وفي صباح اليوم الأول، كان علينا أن نرتّب وجهتنا، فالأماكن السياحية معروفة، وإذا كنت مستقلاً دون الاعتماد على وكالة سياحية، فما عليك إلا أن تستقل سيارتك مستعيناً بالدليل الجغرافي على شبكة الانترنت.. المحطات التي ستزورها يتوزّع أغلبها في أحضان الطبيعة، من كهوف وشلالات، وحدائق وغابات، وعيون وسواحل وكهوف في الجبال.

نوافير المغسيل الطبيعية

إحدى المحطات التي يجب على السائح زيارتها، شاطئ المغسيل، على بعد أربعين كيلومتراً من صلالة، حيث يوجد كهف «المرنيف»، الذي تصعد إليه من خلال مرتفعٍ متدرج، يفضي إلى كهف، هو عبارةٌ عن فجوةٍ كبيرةٍ داخل جبلٍ، يرتفع فوق رأسك بمقدار عشرة أمتار، ويقودك في نهايته إلى ممرٍ يهبط بك من الجانب الآخر إلى الساحل، حيث توجد تلك النوافير نصف الطبيعية، ونصف الصناعية، والتي تنطلق من البحر باتجاه الأعلى من خلال فتحاتٍ بُنيت على صخور الشاطئ، بحيث يندفع الماء إلى الأعلى بقوةٍ على دفعات، بعد أن يحتبس الموج داخل فجواتٍ تحت سطح الأرض. ويتجمّع بعض الآباء مع أطفالهم فوق تلك الفتحات المغطّاة بشبّاكٍ بانتظار اندفاع الماء، فيخرج أحياناً على هيئة دفقات من الماء مع صوت زمجرة مكبوتة، ويأتي أحياناً مندفعاً بقوة، فيفرّ الأطفال. عند القدوم أو الانصراف من المغسيل، تواجهك أكشاك لبيع الفواكه الطازجة مثل جوز الهند، حيث توجد أشجاره بكثرةٍ في هذه المنطقة المشابهة لجو الهند، وحيث يتكدس بأعداد كبيرة، فيتناول البائع الثمرة ويقطعها ويصبّ لك ماءها الأبيض، أو يستخلص لك لُبّها الحليبي للأكل. كما يقدّم لك الباعة ثمر المانجو مُقطّعاً بنكهة الفلفل, هذه الأكشاك تنتشر في كثيرٍ من الشواطئ والمحطات السياحية التي تزورها.

مهرجان صلالة

يزدهر الموسم بمهرجان «صلالة السياحي»، الذي تحتضنه حديقة البلدية، ويمتد على مساحةٍ كبيرةٍ، حيث يضم فعاليات ترفيهية متنوعة تشجّع على استقطاب الزوار من مختلف الجنسيات، للتعرّف على وجه عُمان وتاريخها وتراثها. فهناك المعروضات التراثية والصناعات اليدوية والأقمشة ومنتجات البخور والحلوى العمانية الشهيرة. ولوزارات الدولة ومؤسساتها حضور كبير في هذا الموسم، كالصحة والإعلام وحقوق الإنسان…، باعتبارها فرصةً سانحةً للتواصل المباشر مع الجمهور، لتعريفه بما تقدّمه من أعمال وخدمات. كما تحجز شركات الاتصالات والبنوك مواقع لها في المهرجان من أجل الترويج والتواصل مع الجمهور. يحتوي المهرجان أيضاً على سوق شعبي كبير، يشهد إقبالاً كبيراً من الزوار، حيث تُباع فيه مختلف البضائع الاستهلاكية والمنتجات وفي مقدمتها المشغولات اليدوية والعطور الزيتية الطبيعية، واللبان الذي تشتهر به ظفار، فضلاً عن الأجهزة الإلكترونية وما شابه. وتشارك في هذا السوق شركاتٌ وباعةٌ خليجيون، خصوصاً من دولة الإمارات المجاورة. كما تنتشر في أرجاء الساحة الكثير من المطاعم التي تقدّم الوجبات السريعة والسندويشات والمشويات والمرطبات والآيسكريم. ومع أن المهرجان يُفتتح عند الخامسة مساءً،، إلا أن الحياة تدبّ فيه بعد المغرب، حيث تبدأ العوائل بأعداد كبيرة في الوصول.

الحضور الخليجي

ولا يقتصر المهرجان على البيع، بل يشمل الكثير من الأنشطة الفنية والاستعراضية، وفي فترة زيارتنا تصادف موعد الاحتفالات بيوم النهضة العمانية، وكانت فرقة الأوبرا السلطانية تعزف مقطوعات موسيقية يتفاعل معها الجمهور. وبين فقرةٍ وأخرى كانت تدخل بعض الفرق الفنية لتؤدي رقصات تراثية من المحافظات التي قدِمَت منها، حيث يرتدي الرجال والنساء والشباب الأزياء المحلية. وبعد إحدى الوصلات دخلت فرق الكشّافة القادمة من البحرين ودول خليجية أخرى، كانت في ضيافة السلطنة. كما فوجئ الجمهور أيضاً في فقرةٍ أخرى بدخول أعدادٍ كبيرةٍ من سوّاق الدراجات النارية، عمانيون وخليجيون، قاموا بأداء حركات استعراضية ومكثوا لأكثر من نصف ساعة. المهرجان الذي يمتد لأكثر من شهرين، يشتمل على العديد من الفعاليات، وفي الفترة التي قضيناها هناك، كانت هناك جلساتٌ شعرية، وحفلاتٌ فنيةٌ حضر فيها مطربون من البحرين والسعودية، إلى جانب عروضٍ مسرحية قدّمتها بعض الفرق العمانية، يناقش بعضها قضايا اجتماعية مثل مشاكل الزواج بأسلوب كوميدي، إلى جانب معرض للصور الفوتوغرافية واللوحات التشكيلية شارك فيها عشرات الفنانين والمصوّرين.

اهتمامات الصحافة

الصحافة العمانية تحتفي بموسم صلالة السياحي، وتنشر بعضها أخباراً وتغطيات يومية لفعالياته، وتتابع باستمرار نشر آخر الإحصائيات عن عدد الزوار الصادرة عن هيئة السياحة. وخلال متابعتي هذا الموسم، ارتفع العدد الإجمالي للزوّار من 550 ألفاً، إلى 800 ألف، ويشكل العمانيون 75%، وحوالي 20 % خليجيون، والباقي عرب وآسيويون وغربيون، ما يعني أن المنطقة مازالت وجهة سياحة محلية بالدرجة الأولى، حيث يلجأ العمانيون من العاصمة ومحافظات الشمال والباطنة إلى الجنوب، هرباً من الحر -أسوةً بالخليجيين- إلى أحضان الطبيعة بجوها الربيعي المنعش. الأماكن التي سيزورها الخليجي في صلالة هي أماكن طبيعية أساساً، وهذا ما يجذبه إليها بالدرجة الأولى، حيث قد يفتقدها في بلاده، من عيون وروافد مياه وحدائق طبيعية ومنتزهات وكهوف وخيران وشواطئ؛ مثل عين رزات، عين صحلنوت، عين جرزيز وحمران؛ وخور صلالة والبليد والدهاريز وعوقد وطاقة. ومن المعالم السياحية التي يقصدها العماني أو الخليجي، هي قبر النبي عمران، الذي يلفت النظر طوله، حيث يمتد حوالي 100 قدم، وهو يوجد بجانب مسجدٍ، وتضمهما معاً حديقةٌ جميلةٌ يحوطها سورٌ عادي حتى يكاد يخفيها فتحسبها بيتاً أو مبنى عادياً. ومن المعالم المهمة الأخرى «متحف أرض اللبان»، وهو متحفٌ حديث، وفيه عدة قاعات منفصلة، يعرض الكثير من نماذج السفن والوثائق والمجسّمات والخرائط وأدوات الملاحة، فيما يُعتبر من مفاخر التاريخ العماني، حيث كان لهذه الدولة حضور مؤثر في حركة الملاحة الدولية في المحيط الهندي وصولاً إلى البحر الأحمر والأبيض المتوسط، وحيث كانت من أوائل الدول في الخليج التي أقامت علاقات دبلوماسية مع بريطانيا والولايات المتحدة منذ أواسط القرن التاسع عشر.

من صحلنوت إلى مرباط

خلال هذه الزيارة، كانت أبعد نقطة وصلنا إليها جنوباً، «شعت»، وقد وصلنا إليها بعد أن خذلتنا الخارطة الالكترونية في تعيين مقام النبي أيوب، فتجاوزناه دون أن نشعر، وأوغلنا في السير خلال الجبال المرتفعة التي تتلوى كالثعبان وتهبط من الجانب الآخر، وتوقفنا أمام نقطةِ تفتيشٍ، حيث تأكّد الجندي من أوراقنا الرسمية وملكية السيارة. وحين سألناه عن أماكن سياحية بعد هذه المنطقة أجاب: أمامكم «شعت». مررنا بقرى أو تجمعات سكانية صغيرة جداً، مكوّنة من بضعة بيوت فقط، يتم فيها تربية الحيوانات والأبقار والماعز في حظائر مجاورة للبيوت. بعد عدة كيلومترات وصلنا إلى منطقةٍ مرتفعةٍ عن البحر، في مقدمتها موقف سيارات، وعشرات السيّاح يتوزّعون في بعض الأكشاك والمصطبات الصغيرة. نزلنا لنطلّ من موقع مرتفع جداً عن البحر. كانت الأرض مغطاةً بالبساط العشبي، والضباب الكثيف يمنع الرؤية فلا ترى أسفل المنحدر الحاد، وإنّما كنتَ تسمعُ صدى صوتك حين ترفعه وهو يتردّد من الأعماق. بعد مغادرة المنطقة، وصلنا إلى الشارع الرئيسي، حيث وجدنا أنفسنا أمام مفترق طرق، على اليمين صلالة التي تبعد 80 كيلومترا، وعلى الشمال صحلنوت، على بعد 82 كيلومتراً، وبما أن الطريق الجبلي الذي قطعناه استغرق وقتاً طويلاً، والوقت قد تجاوز الرابعة عصراً، فإننا فضّلنا الرجوع إلى صلالة قبل حلول الظلام، رغم رغبتنا الشديدة في المغامرة بالوصول إلى الحدود اليمنية. أما أبعد نقطة وصلناها في الشمال، فكانت مرباط، وهي قرية ساحلية شبيهة بأي قرية بحرينية تقع على الساحل، ومع وصولنا نزلنا إلى البحر، حيث توجد قلعتها الشهيرة، ويقوم أمامها جدارٌ نُصب فوقه مدفعان أثريان. إلا أننا شعرنا بأن الوضع غير طبيعي، فالمكان كأنه مسحورٌ، فرغم المنازل الموجودة قريباً لم نشاهد إلا عدداً قليلاً جداً من المارة. وحين تقدّمنا قليلاً في القرية مشياً على الأقدام، فوجئنا ببيوتٍ مهدّمة كأن زلزالاً شديداً ضربها. بل إن عدة مبانٍ متجاورة سقطت أسقفها وتهدّمت جدرانها، وبقيت أبوابها الخشبية حيث توحي بأنها كانت محلات تجارية أو دكاكين. وبعد عدة أمتار شاهدنا بيوتاً يبدو أنها مازالت مسكونة، وحين دخلنا المسجد، لفت نظري وجود عدة بطاقات دعوةٍ لحضور حفلات زفاف حديثة. ولم يُحلّ اللغز إلا حين التقينا أحد المارة فسألناه فأجاب: هذه نتيجة الطوفان الذي ضرب المنطقة قبل عدة سنواتٍ فهدّم بيوتها وهجّر جزءًا من أهلها، وتلك المحلات كانت جزءًا من السوق.