إذا لم تتغير ستغير !!

د. سيف بن سليمان المعني –

الواقع الذي نعيشه وما ستعيشه الأجيال من بعدنا، هو أن التغيير ومواكبة التطور أصبحا سمة العصر، ومطلبا حتميا لا بد منه لمن يريد أن ينمي قدراته وإمكانياته، وكما يقال إذا لم تتغير ستغير، بمعنى إذا كان موظف ما كسول في عمله ويكتفي بما لديه من خبرة وتعليم في مجال تخصصه ولا يسعى لتجديد نفسه، فسيجد في نفس التخصص ونفس المكتب من ينافسه من خلال، اكتساب الخبرة، والتجديد المستمر، وبالطبع يمكن أن يتجاوزه في السلم الوظيفي ، ويمضي نحو المستقبل بكفاءة أفضل وخبرة أوفر، وهذا التغيير يشمل طريقة أداء العمل، تطوير الآلية التي تساعدنا في أداء أعمالنا وصناعاتنا.
بتاريخ 25 أبريل 2014م أعلن عن بيع شركة نوكيا فرع الهواتف النقالة لشركة ميكروسوفت العملاقة وخلال المؤتمر الصحفي للإعلان عن البيع، انهى الرئيس التنفيذي لشركة نوكيا «ستيف أبلوب» كلمته قائلا:» نحن لم نفعل أي شيء خاطئ، لكن بطريقة ما، خسرنا» وبمقولته تلك، بكى ستيف بحرقة، وبكى معه كل فريق إدارة الشركة، فقد كانت شركة نوكيا للاتصالات شركة محترمة ومرموقة ولم تفعل شيئا خاطئا في أعمالها، لكنها لم تجدد نفسها، ولم تنظر من حولها ما ذا يفعل منافسوها، والذين كانوا يعملون ليل نهار لابتكار أجهزة أكثر دقة ومنافسة لأجهزتها، وقد نجحوا فعلا في ذلك، وطرحت منتجاتها بالسوق ووجدت رواجا قضت على أجهزة شركة نوكيا، وخسرت الشركة السوق الذي كانت تستحوذ على جزء كبير منه سواء كان السوق المحلي أم العالمي، لذلك لم تتغير الشركة بالشكل الكافي فتم تغييرها قسريا.
نعم ربما لم يفعل الرئيس التنفيذي وإدارته أي شيء خاطئ، ولكن اكتفاءهما بما وصلت إليه الشركة، كان الخطأ المدمر بعينه، لأن الشركة لم تدرك خطورة منافسيها الخارجيين، الذين تقدموا بسرعة فائقة، وأنتجوا أجهزة حديثة عصرية تناسب حاجة المستهلك وبأسعار تنافسية، ولذلك أصبحت وسائل اتصالات نوكيا متخلفة مقارنة مع منافسيها، فكانت نهايتها مدوية.
لقد تغير العالم بسرعة فائقة في المجال الصناعي، ودخل الآن فيما يعرف بالثورة الصناعية الرابعة، والتي تستند إلى الثورة الرقمية وتميز الآلة الحديثة بأن أصبحت التكنولوجيا الرقمية العنصر السائد والمحرك لها في تشغيلها وإدارتها وتسويقها، وقد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من تطور الصناعة بمختلف أنواعها وأشكالها، تتميز الثورة الصناعية الرابعة باختراق التكنولوجيا الناشئة في عدد من المجالات، بما في ذلك الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وإنترنت الأشياء، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والمركبات المستقلة.، والفضاء … الخ.
يصف الدكتور «كلاوس شواب» ، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي – منتدى ديفوس- كيف أن الثورة الصناعية الرابعة تختلف اختلافاً جوهرياً عن الثورة الصناعية الأولى والثانية والثالثة، التي تميزت بشكل رئيسي بالتقدم التكنولوجي، فلو أخذنا مثالا على هذا التطور الذي يشهده العالم ويشق طريقه نحوه، الطابعة ثلاثية الأبعاد التي يمكنها عمل كل شيء تقريبا، من صناعة الأجهزة، صناعة قطع الغيار، البناء، بل وحتى صناعة الأشياء.
على أية حال، فإن سمة العصر الذي نحن به والمقبلون عليه، يمتاز بسرعة التطور، ولا ينتظر المتخاذلون والكسالى حتى يصحوا من غفلتهم، وبما أننا في بداية هذه الثورة، فلا أحد يعلم إلى أي مدى يمكن أن تصل من حيث السرعة والدقة والسهولة، والمنافسة، قد تختفي شركات عملاقة الآن من الوجود، وتختفي وظائف، ومهن، وتصبح لا ضرورة لها، وبالتالي تظهر وظائف ومهن جديدة ، تساير الثورة الصناعية الرابعة، وفي إطار هذا التطور الرهيب الذي يشهده العالم، وسيكون حتميا على جيل المستقبل أن يضع خياراته في الدراسة والتحصيل العلمي بما يتناسب مع هذا التوجه، وخير مثال على ذلك شركة «كوداك» العملاقة، فبعد اختراع الصور الرقمية تقلص دورها حتى اختفت كليا من المشهد التجاري، و«نوكيا»عملاقة التليفونات كما ذكرت تجاوزتها تليفونات سامسونج، وهواوي، وسوني، وأي فون، وأتش أس تي سي، وغيرها، ومن يدري فقد تختفي ماركات وتظهر ماركات أخرى، فالسوق الآن ينطبق عليه قول « البقاء للأصلح» قد تشتري سيارة هذا العام تعمل بالوقود التقليدي الباهظ الثمن، ومن الممكن جدا ظهور جيل من السيارات في بداية العام المقبل سيارات رخيصة وتكاليفها التشغيلية قليلة وبمحرك يعمل إما بالنيتروجين أو بالكهرباء، فقد انتشر هذا النوع من السيارات في أوروبا، وفي النرويج حيث سيتم منع السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي بحلول عام 2020م في المدن الكبيرة، وإذا كنت تحتاج إلى سائق يأخذك إلى مقر عملك، فعن قريب ستكون السيارة نفسها هي من سيقوم بذلك، وتأخذك إلى حيث ترغب، دون تذمر أو ملل، بعض هذه التكنولوجيا موجودة الآن وفي تطور مستمر، وإن كنت تنوي شراء سيارة هذا العام، فأنصحك أن تتريث قليلا فمن المحتمل جدا أن تظهر بالسوق سيارات اقتصادية وصديقة للبيئة وأقل كلفة في الصيانة.
أما على مستوى تطور تكنولوجيا نظم المعلومات التي أشرنا إلى أنها ستكون العنصر السائد في إدارة الصناعة والآلات في عصر الثورة الصناعية الرابعة، فإن الكمبيوتر الذي كشف عن اختراعه بالولايات المتحدة الأمريكية والمسمى “Summit” يعد الأكثر تطورا والأسرع في العالم، وقد تم تشغيله مؤخرًا في أحد المختبرات الفيدرالية بالولايات المتحدة الأمريكية حيث يمكن لهذا الجهاز أن يجري عمليات حسابية بسرعة فائقة، إذ إنه قادر على أن يعرض الإجابات على عملية حسابية بسرعة 200 كوادريليون (أي 200 وأمامها 15 صفرًا) في الثانية، باستخدام الإجراء القياسي لقوّة الحاسوب العملاق، وقد تم تصنيف الجهاز الجديد كواحد من أفضل وأسرع الأجهزة حول العالم منذ 25 يونيو 2018م، وهنالك العديد من الأجهزة التي ستغير وجه العالم يجرى عليها اختبارات وأبحاث في غرف بالغة السرية مظلمة، وقد تظهر فجأة في السوق.
ما أود قوله إن التطور أصبح سمة العصر، ويزداد قوة ونشاط وحيوية بدخولنا عصر الثورة الصناعية الرابعة، ولن يتوقف هذا التطور والتحديث عند حد معين، ومن لم يواكب التطور سوف ينتهي، وهذا القانون ينطبق على، البشر، والدول، والمعدات الصناعية،و تكنولوجيا نظم المعلومات، والمهن، والحرف، وبرامج الحاسب الآلي، بمعنى من لا يواكب التطور، سينافسه من هم أكثر جراءة ومواكبة للتجديد والحداثة، وسواء كان لذاته أم لشركته أم عمله.
وهكذا فإن التعليم والتأهيل والبحث العلمي ستظل محور الاهتمام على كافة الأصعدة ، باعتبارها أسلوب حياة ومستقبل أمم، والاهتمام بالجانب الإلكتروني هو جزء أساسي للدورة التعليمية « إذا لم تتغير ستغير».