الدور المفقود للقوى الناعمة العربية

د. عبد العاطى محمد –

لم تعد القوى الناعمة العربية تحظى بنفس الاهتمام الذي كانت عليه في الماضي القريب، ليس لأن عناصرها الذاتية أصبحت مفقودة، وإنما لأن دورها لم يعد ممكنا في ظل أوضاع الانقسام والفرقة والاحتراب بالكلمة والسلاح معا، فكلما كانت الغلبة في المشهد العام لمثل هذه الأوضاع، تراجعت فرص الاستقرار التي هي البيئة المناسبة حقا لازدهار القوى الناعمة وقدرتها على التأثير في حركة التطور الاجتماعي والثقافي، بل والسياسي أيضا.

ومن الصعب التسرع في إطلاق الأحكام بأن المنطقة العربية صاحبة الأربعمائة مليون نسمة وذات الإمكانيات المادية الضخمة من المحيط إلى الخليج لا تنتج إبداعا مما يندرج تحت تعبير القوى الناعمة سواء من حيث الفنون المختلفة والأعمال الفكرية والأدبية الراقية والملهمة أو حتى من حيث القدرات العلمية التي تصنع المعرفة وتسخرها لمزيد من التنمية والتطور المادي أسوة بما يجرى في مناطق العالم الأخرى، ومعلوم اليوم أن المعرفة أصبحت من أدوات الإنتاج الرئيسية لأنها تقدم حلولا وابتكارات في مجالات التطور المادي بوجه عام. ومن الصعب أيضا الادعاء بأنه قد جرى عمدا تغييب القوى الناعمة من جانب الأنظمة الحاكمة، حيث لا يمكن تعقل أن هذه الأنظمة تعمل على إهدار الطاقة الإيجابية التي تفرزها هذه القوى والتي من شأنها بالطبع توفير سبل النجاح لها.
ولا يستطيع أي مراقب منصف تجاهل وجود فعاليات مختلفة لتدعيم القوى الناعمة خصوصا من الدول إلى تتوافر لديها الإمكانيات المادية لذلك سواء تم ذلك من خلال مؤتمرات ومعارض ومهرجانات ومسابقات وتكريم للمبدعين في مجالات الفكر والفنون المختلفة، أو من خلال الاهتمام الشديد بإقامة المتاحف والمكتبات الكبرى ورعاية التراث.
ومع ذلك فإن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل الحقيقة بأن الكلمة والفعل لم تعد لهذه القوى الناعمة، وإنما اختطف كليهما أمراء الحروب والفتن تارة، والسياسيون الانتهازيون تارة أخرى، والذين يدعون الحكمة ويجيدون فن إدارة المعارك الكلامية التي تجرى على الهواء كل مساء في أكثر من مكان هنا أو هناك تارة ثالثة. وبمرور السنين ومع تزايد حدة الأزمات وضياع فرص التوافق الواحدة تلو الأخرى، أصبح لدينا واقع عام هو عدم الاستقرار، ذلك الواقع الذي لا يتيح أية فرصة لكي تؤدى القوى الناعمة العربية دورها ولو في الحد الأدنى. وقد يتبادر إلى الذهن أن الدعوة إلى الاستقرار هي دعوة إلى الجمود ومقاومة التطور، ولكن العكس هو الصحيح حيث الاستقرار هو عنوان الوحدة الوطنية والتوافق حول أهداف سامية يجمع عليها الكل والتفرغ للبناء والعمران والثقة بالنفس عند الانفتاح على العالم، وتحقيق التراكم في الازدهار أو بالأحرى التراكم في تجارب النجاح.. لم يعد هذا الشرط قائما، بل السائد هو العكس، والقليلون من عالمنا العربي من فطنوا لذلك فحافظوا على استقرارهم وتراكم نجاح تجاربهم في التطور إلى الأفضل، ولذلك ليس من الغريب أن تنشط القوى الناعمة الوطنية عند هؤلاء، بينما تغيب أو تتوارى عند غيرهم ممن ذاقوا ولا يزالون يذوقون مرارة عدم الاستقرار. ولأن الأكثرية العربية هي من تعانى من عدم الاستقرار، جاءت الإشارة إلى أن القوى الناعمة العربية في معظمها لم تعد تستطيع القيام بدورها برغم التأكيد مجددا على أن عناصرها الذاتية لا تزال بخير.
للقوى الناعمة العربية خطابها المميز والخاص وأدواتها أيضا وقاعدتها المجتمعية ومكانتها عند أهل الحكم، بينما لخصومها خطاب وأدوات وقاعدة اجتماعية ومكانة مختلفة تماما، هي على النقيض إلى حد كبير من الأولى. ونظرة بسيطة على المشهد العام توضح الفارق وتفسر أسباب غياب الدور المنوط بالقوى الناعمة. هناك بالقطع مفكرون وكتاب يخاطبون العقل بالحكمة والحجة القوية هدفهم الإصلاح والبناء والحفاظ على الهوية الوطنية، وهناك نشطاء لا هدف لهم سوى التغيير الجذري، حتى لو كان ذلك عنوانا للفوضى والهدم، وأغلبهم لم تكن له علاقة أصلا لا بالفكر ولا بالكتابة. ولأن المناخ العام هو عدم الاستقرار أصبحت الكلمة من حيث قوة التأثير للنشطاء وليست للمفكرين والكتاب الحقيقيين. وهناك سياسيون محنكون ورجال دولة بمعنى الكلمة يقرأون الأحداث على النحو الصحيح ويقدرون عواقب الأخطاء، ومن ثم يسعون جاهدين لنزع فتيل الأزمات وإصلاح ذات البين بين الخصوم المتحاربين، يقابلهم أمراء للحروب الأهلية والفتن السياسية يستفيدون أساسا من استمرار حالة عدم الاستقرار لأنها هي البيئة الخصبة لوجودهم ومن ثم قدرتهم على توجيه مسار الأحداث.
وعلى صعيد الأدوات أدى عدم الاستقرار إلى ضياع صروح شتى كانت تتفاخر بها القوى الناعمة العربية بين الأمم، كما حول الوسائل الحديثة التي أفرزتها البشرية المعاصرة في سعيها لمزيد من التطور والرقى الإنساني، إلى نقمة عرقلت الدور الذي كان منتظرا من القوى الناعمة العربية. فالعراق الذي كان كنزا للتراث العربي والإسلامي ومركزا للإشعاع الفكري والإبداع الفني والأدبي، أصبح متضررا بشدة بعد أن تم تدمير معالمه الحضارية على أيدى أمراء الحروب وطيور الظلام وما تبقى جرى نهبه وبيعه في الخارج أو سرقته جهارا نهارا، كما توقف إبداعه الفني والأدبي. وحدث نفس الشيء تقريبا في سوريا التي لم تقل يوما أهمية في هذا المجال عن العراق، حيث جرى تدمير معالمها الحضارية التاريخية ونضب إبداعها الفني والأدبي. واليمن التي كانت تفاخر الجميع بأنها الأكثر ثراء بفنون الإبداع الفكري المختلفة جرى تدميرها أيضا، ولم تسلم ليبيا من نفس المصير.. وباختفاء الأدوات نتيجة الحروب وعدم الاستقرار، لم يكن غريبا أن تخرج هذه الأقطار العربية العزيزة على نفس كل عربي من دائرة القوى الناعمة العربية. ومن جهة أخرى، وعلى صعيد التحول في مدى الاستفادة من أدوات العصر، فإن وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها أصبحت في الأغلب الأعم قناة لتعميق الجراح بين الأفراد والشعوب العربية، والهدم والتدمير لإنتاجها العقلي فكرا وإبداعا. ومن الصحيح أنها ساعدت كثيرا في مجالات نشر الإبداعات المختلفة بما فيها الكتب القديمة التراثية والحديثة أيضا، والأعمال الإبداعية الفردية في الشعر والرواية وكذلك توفير سبل المشاهدة الواسعة النطاق لأعمال فنية عديدة. ولكن كل ذلك خضع لأمرين في منتهى الخطورة، هما التسييس والانفلات الأخلاقي، فما ينشر عبر هذه الوسائل في نطاق الأعمال الفكرية يخدم أهدافا سياسية معينة لصالح قوى سياسية معينة أيضا، وما يندرج في نطاق الأعمال الفنية هو بالأعم ترويج للانفلات الأخلاقي بكل معنى الكلمة، وهكذا بدلا من أن تتحول هذه الوسائل إلى مصدر دعم لدور القوى الناعمة العربية، أصبحت طريقا للإجهاز على هذه القوى!. ومع أن هذه الأمراض لم تقف عند المنطقة العربية (هناك نحو 80 مليون عربي يستخدمون الفيس بوك ونحو 150 مليون يستخدمون الإنترنت)، بل شملت أيضا الدول الأخرى غير العربية، إلا أنها بالنسبة للحالة العربية تحولت فعلا إلى «سلاح» لتعميق الخلافات وأداة من أدوات ما يسمى بالجيل الرابع للحروب، لأن المنطقة تعيش حقا حالة من الاحتراب الأهلي وعدم الاستقرار.
في محاولة لتقريب صورة المشهد للمأزق الذي تعيشه القوى الناعمة العربية يكفي أن نقارن بين ما كان عليه الحال في الماضي وما نحن فيه الآن باستدعاء ذاكرة رد الفعل العربي الذي يبرز دور هذه القوى في ثلاث مناسبات تاريخية من الماضي، ونقارنها بما هو قائم الآن. فعندما وقعت هزيمة 1967 تحركت القوى الناعمة العربية في اتجاه النقد الحاد للوضع العربي برمته ولكنها أبدا ما سعت إلى خلق فتنة أو إثارة حرب بين دولة وأخرى أو ضرب الوحدة الوطنية داخل الدول التي ارتبط اسمها مباشرة بهذه الهزيمة، وساهم تعاملها مع الحدث في تصحيح ما جرى وتحقق النصر في أكتوبر 1973. وعاشت لبنان حربا أهلية استمرت 15 عاما من عام 1974 حتى 1989 خفق لها قلب كل عربي وفيها برز دور القوى الناعمة في استنكار الطائفية دون أن توجد فتنة بين العرب وبعضهم البعض وساهمت في قيام دور عربي نجح في وضع اتفاق الطائف الذي أنهى هذه الحرب، وعادت لبنان كما كانت مقصدا لكل عربي. وعند اجتياح العراق للكويت أغسطس 1990 اجتمعت كلمة القوى الناعمة العربية على استنكار هذا الاعتداء واحتضنت مشاعر الإخوة الكويتيين وفرحت لتحرير الكويت. ومع أن المشهد عكس شرخا في الموقف العربي ككل، إلا أن القوى الناعمة العربية انتصرت للحق ولم تسعى إلى توسيع رقعة الخصام وطالبت بوضوح بالمصارحة قبل المصالحة وهو ما كان. وكم هي بعيدة المسافة بين حالات الماضي والحالة المعاصرة من حيث دور القوى الناعمة العربية، حيث لا دليل ملموس سواء على الصعيد الفكري أو الإبداعي والفني جسد نفسه على أرض الواقع لتكرار نفس ما جرى – مع الفارق – بالنسبة للأحداث الثلاثة المشار إليها، بل خلت الساحة للأطراف التي عمقت الجراح سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا أو اليمن. لم يحدث ذلك تقصيرا من القوى الناعمة العربية، وإنما لأن الدور لم يعد ممكنا لأن الوضع برمته يعبر عن حالة عدم استقرار مزمنة.