جامع حي المعرفة بالخوض السادسة يستعرض دوافع الهجرة النبوية

«عمان» – أقيمت مساء أمس الأول بجامع حي المعرفة بمنطقة الخوض السادسة بولاية السيب أمسية دينية بعنوان «الهجرة النبوية الشريفة» ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي أمين الفتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، حيث ذكّر فضيلة الشيخ الحضور بقول الله تبارك وتعالى: [إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {التوبة:40}
وقال: أطلّت علينا الهجرة النبوية الشريفة بظلالها الوارفة، وهي تتألق بتباشير الفجر، وملامح الفرج، تنبعث من تاريخ يفيض بالعزة ويشمخ بالجلال، وقد أطلت هذه الهجرة المباركة بكل ما تحمل من عبر وعظات ودروس، فجعلتنا نقف ونتدبر فيما يرويه التاريخ لنا عن الدعوة المحمدية وصاحبها الذي أمره ربه -عز وجل- أن يبث كلمة لا إله إلا الله، وينشر معاني التوحيد، ويبطل مظاهر الإشراك، ويحارب عادات الكفر والإلحاد. وقد سعى المشركون بكل عزمهم وأموالهم أن يصدوا الناس عن دين الحق، وأن يوقفوا مسيرة الإيمان والتوحيد، ولكن جهودهم ذهبت أدراج الرياح وانتصر الحق وارتفع نداء التكبير.
وقد تحمل نبينا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الأذى الشديد من المشركين وهو صابر ثابت يدعو إلى دين الله، وكذلك تعرّض أتباعه وأصحابه لصنوف شتى من التنكيل والاضطهاد وهم ثابتون على ما هم عليه من الإيمان، رافضون أن يرجعوا إلى عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر شيئا. وجاءت الهجرة المباركة لتعلن نهاية عهد طويل من الاستبداد والتنكيل والاضطهاد، ولتؤكد بأن الحق لا بد له من يوم تعلو فيه رايته، وترتفع كلمته، وينتصر رجاله بإذن الله.
وبين أن الهجرة من مكة إلى المدينة أرست معالم عهدين: العهد المكي والعهد المدني. فأما العهد المكي فهو عهد تحمل فيه النبي الأعظم أعباء الدعوة إلى الله، صابرا محتسبا مجاهرا بالحق، دون أن يؤذن له بقتال من عاداه وآذاه ورفَعَ سيف الاضطهاد والتنكيل بأصحابه المستضعفين المتشبثين بدينهم وإيمانهم. وقد صبر -صلى الله عليه وسلم- على اللَّأْواء والبلواء والضراء، كما صبر أصحابه وتحملوا في سبيل الله، وهم يعلمون أن المؤمن إذا أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له.
وأما العهد المدني -الفترة التي بدأت بوصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة- فهو عهد تغيرت فيه الموازين، واشتد ساعد أهل الإيمان، فخاض المؤمنون وأبطال الإسلام الأشاوس الوقائع بكل صدق وإخلاص واندفاع، ومُني فيها أعداء الحق بالهزائم المتتالية، وقد استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- بحكمته الواسعة وإرشاداته البليغة العظيمة أن يجمع الطاقات المستنيرة بنور الإيمان، ويستعملها للخير ونشر المعرفة النقية، والمبادئ السامية، والمفاهيم الراقية. وكان -صلى الله عليه وسلم- يوصي أصحابة بالتواد والتعاطف والتراحم، وأن يشد بعضهم أزر بعض، كما كان يأمرهم بالخلق الحسن، ويحذرهم من الغلو الذي أهلك من كان قبلهم، وهو الذي قال: ”إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين“.
واختتم المحاضر: ما أحوجنا ونحن نقرأ قصة الهجرة المباركة أن نفهم دلالاتها وعبرها، ونأخذ منها ما ينير سبيلنا، ويغذي أجيالنا المتعطشة للمعرفة والثقافة الصافية. فالمنهج الذي جمع الرسولَ الكريم -صلى الله عليه وسلم- وصاحبَه الصديق كان معرفةَ الحق وسلوك طريقه فأصبح ”غار ثور” مدرسة تعلم الصبر وترشد إلى السعادة بدواء ”لا تحزن“، وتُنبئ عن عز الدنيا ورفعة الدين بعقيدة ”إن الله معنا” هو حافظنا وهو ناصرنا وما أحوجنا في ذكرى الهجرة النبوية المباركة أن نقتدي برسولنا الكريم، ونوحد صفوفنا، ونضاعف جهودنا، ونجمع كلمتنا لمواجهة المخاطر والتحديات، ما أحوجنا أن نسعى نحو الخير، وأن نكون متعاونين في وجه من يريد الشر والفتنة.