لماذا فشلت مهام قوات حفظ السلام الدولية؟

سمير عواد –
كان الهدف من تأسيس القوات الدولية لحفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «القبعات الزرقاء» في عام 1948، هو حفظ السلام في مناطق النزاع المختلفة التي تتطلب ذلك. ولكن يبدو أن الآمال كانت أكبر من الإمكانات على أرض الواقع، إذ راحت مهام القوات الدولية لحفظ السلام، برغم تعددها، تؤكد مدى صعوبة تحقيق السلام، وغالبا ما كانت مهامها تنتهي بالتعثر وأحيانا بالفشل بصورة كبيرة.

لم يكن قد مضت ثلاثة أعوام على تأسيس الأمم المتحدة حتى شهدت ولادة ما يُسمى «مهام حفظ السلام الدولية». وكانت أول مهمة، هي قيام الأمم المتحدة بإرسال 120 من الجنود التابعين لعدد من دول العالم إلى فلسطين ليس للفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد حرب 1948 وإنما فقط ليكونوا مراقبين للهدنة التي لم تدم طويلا. ومنذ تأسيس «القبعات الزرقاء» عملا بالقرار الدولي رقم 50 والصادر بتاريخ 29 مايو 1948 أي بعد أسبوعين من إعلان تأسيس إسرائيل على أرض فلسطين، بلغ عدد المهام التي قامت بها 71 مهمة خلال السبعين عاما الماضية، قُتل فيها أكثر من ثلاثة آلاف جندي من مختلف دول العالم المشاركة فيها.
وقد استغرق زمن أول هدنة في فلسطين أربعة أسابيع، وسرعان ما وقعت صدامات تلت حرب عام 1948 مثل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ثم حرب الأيام الستة عام 1967 وحرب أكتوبر 1973. ثم وقعت حروب في قطاع غزة، ولم تنته مهام قوات حفظ السلام في المنطقة، ولم تحقق أي نجاح أو تخدم الهدف الذي تأسست قبل سبعين عاما من أجله، حيث تكتفي بأعمال مراقبة الحدود العربية مع إسرائيل حيث إن السلام في المنطقة أصبح أقل احتمالا بعد مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال الخبير السياسي الألماني البروفيسور سفين جرايس: إن الأمم المتحدة لا تستطيع تحقيق السلام في أي من مناطق النزاع في العالم وبالتأكيد ليس بواسطة فرقة من الجنود الدوليين. غير أن الفكرة وراء المهام جيدة في حد ذاتها، لولا صعوبة التطبيق. وكان الغرض من تأسيسها أن تشترك دول العالم في فرض الاستقرار والسلام في أماكن النزاعات بحيث تكون نوعا متطورا للتدخل لإنهاء النزاعات في العالم والمساعدة في عودة التعمير والتغلب على نتائج الحروب. وكانت منذ اللحظة الأولى تركز على أن تكون المهام عسكرية، إذ يحق لأفرادها حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، وإجبار الأطراف المتنازعة على وقف استهدافها إذا تعرضت لذلك. وخلال السنوات الممتدة من عام 1948 حتى عام 1988 تم إرسال جنود «القبعات الزرقاء» التابعين للأمم المتحدة أربع عشرة مرة. لكن خلال زمن الحرب الباردة بين الشرق والغرب، كانت القوتان العظميان الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي يعرقلان في مجلس الأمن الدولي عبر الفيتو، قيام مهام أخرى. لكن بعد نهاية الصراع بين الشرق والغرب وانهيار الستار الحديدي في أوروبا، وبالتالي استقلت جمهوريات أوروبية شرقية عن الاتحاد السوفييتي السابق، نشأ شعور بأن مهام حفظ السلام في العالم سوف تكتسب أهمية أكبر من السابق وستصبح أكثر فاعلية.
وعلى سبيل المثال كتب أمين عام الأمم المتحدة الدكتور بطرس بطرس غالي في عام 1992 تقريرا تحت عنوان «أجندة من أجل السلام»، وكان الهدف منها إبلاغ العالم أن الأمم المتحدة تغيرت أيضا مع التغيرات الدولية وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وإشارة منه إلى الأمل في نهاية الحروب، وبدء مرحلة سلام. لكن يبدو أن غالي كان مبالغا في تفاؤله، فسرعان ما نشأت حروب وصراعات جديدة وعهدت الأمم المتحدة إلى «القبعات الزرقاء» للفصل بين الأطراف المتحاربة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا.
ولأول مرة قامت ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية بإرسال جنود ضمن هذه المهام وذلك قبل انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989، حيث تعاونوا مع الدول التي تمت المهام فيها في توفير الأمن والإشراف على العمليات الانتخابية فيها.
وبعد نهاية الحرب الباردة وقعت نزاعات مسلحة في الدول المنهارة وأبرزها الصومال، وبينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بمهام خاصة بها في الصومال، تعرض جنودها في عام 1993 في مقديشو إلى هجمات ألحقت بهم خسائر بشرية مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تسحب جنودها على الفور من الصومال، خاصة بعد قيام مواطنين صوماليين غاضبين بجر جثة جندي أمريكي في احد شوارع مقديشو.
الانتكاسة الثانية وقعت في رواندا عام 1994 إذ رغم تواجد جنود دوليين قام مواطنون ينتمون إلى قبيلة «هوتو» بسحق إعداد كبيرة ممن ينتمون إلى قبيلة «توتسي» المعادية لهم. وأثبتت الأمم المتحدة مرة أخرى عجزها عن وقف الصدامات بينهم وسيظل التاريخ يتحدث كيف أن الجنود الدوليين وقفوا عاجزين عن وقف أكبر مذبحة عرفها التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية في رواندا. لم تتعلم الأمم المتحدة من التجربة المريرة في رواندا وواجهت مهمة «القبعات الزرقاء» في حرب البوسنة فشلا ذريعا. فقد أقامت الأمم المتحدة منطقة حماية في مدينة «سربرنيتشا»، وفي يوليو 1995 وقف الجنود الهولنديون العاملون في مهمة حفظ السلام في البوسنة يتفرجون على المذبحة التي نفذها صرب البوسنة ضد عدد لا يُحصى من المسلمين ولم يتدخل حلف «الناتو»، وستظل مذبحة «سربرنيتشا» علامة سوداء فارقة في تاريخ «القبعات الزرقاء» وحاولت تصحيح خطأها القاتل لاحقا عندما سعت لاعتقال مجرم الحرب الذي أمر بالمذبحة الجنرال الصربي راتكو ملاديتش الذي أدين بالحبس سنوات طويلة.
أما مهام «القبعات الزرقاء» في عصرنا الجديد فقد أصبحت أكثر صعوبة، فقد تنوعت مهامها وأصبحت عبارة عن حفظ السلام وتدريب قوات الأمن والشرطة المحلية، لتتمكن من الإشراف بنفسها على أمن واستقرار البلاد التي تعمل فيها. وتواجه «القبعات الزرقاء» باستمرار هجمات من أطراف النزاعات وبرأي الجنرال البرازيلي السابق كارلوس ألبيرتو دوس سانتوس كروز في تقرير إلى الأمم المتحدة أن الكثيرين لم يعودوا يعتبرون «القبعات الزرقاء» طرفا محايدا وكما لم يعد علم الأمم المتحدة يوفر الحماية مثل الماضي، وكانت مذبحة قانا في جنوب لبنان على ايدي القوات الإسرائيلية نموذجا واضحا في هذا المجال، ودفع بطرس غالي نفسه، منصبه كأمين عام للأمم المتحدة ثمنا، لأنه أدان السلوك الإسرائيلي في قانا.
إن المشكلة الدائمة لمهام حفظ السلام من صنع القوى الكبرى، بسبب اختلاف مصالحها في مناطق العالم وسعيها الدائم في مجلس الأمن الدولي لعرقلة عمله كما يحدث منذ سنوات تجاه سوريا وأصبح كل طفل في سوريا أو ميانمار أو فلسطين أو أي منطقة تشهد نزاعات في العالم، يعرف أن الأمم المتحدة عاجزة عن توفير الحماية له.
البعض يأمل بأن تستعيد الأمم المتحدة احترام العالم ولذلك فإنها تشير بفخر إلى أنها تُشرف حاليا على أربع عشرة مهمة سلام في العالم يشارك فيها 105 آلاف جندي ينتمون إلى 124 بلدا. ورغم أنها ليست مسرورة للنتائج، لكنها عازمة على مواصلة نشاطاتها.