الصين .. قلب العالم الجديد

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
إلى أين تتوجه البوصلة العالمية التي تحدد قلب العالم الجديد في القرن الحادي والعشرين، وأين مكان ومكانة العالم العربي من هذا العالم؟

علامة استفهام جدير بنا أن نتأملها مليا سيما ونحن على عتبات نظام عالمي مغاير يتشكل في رحم الأحداث، وينطلق ولا شك من رياح الحروب والمواجهات العسكرية الآتية من بعيد.

في أوائل الستينات من القرن الماضي كتب الأكاديمي والمفكر المصري الدكتور أنور عبد الملك مقالا له عن الاستشراق في مجلة ديوجينيس الفكرية الفرنسية ذائعة الصيت تنبأ فيه بما ستشهده البشرية بعد نحو نصف قرن من الزمان، تكلم الرجل الكبير عن أن الصين هي التي ستصبح بالشراكة مع آسيا قلب العالم وليس أوروبا كما في العصور الوسطى أو الحديثة نسبيا منها، وتوقع الرجل حدوث الصراعات الحضارية وكان من أول المنادين بضرورة توجه العرب والمسلمين شرقا للاستفادة من كنوز الشرق الفنان، الذي استطاع في مسحة عبقرية إيجاد مواءمة بين الروح والجسد.
كثيرا ما تساءل الدكتور عبد الملك: «هل يلتفت العرب والمسلمون إلى العالم؟ إلى العالم كما هو- لا عالم الماضي-، سواء أكان ماضيهم، ماضينا، أم ماضي القوى الغازية المعادية؟ ويجيب بالقول: قد يبدو السؤال غريبا، أو مبالغا فيه بعض الشيء ولكن منظر الساحة العربية خاصة في قلب دائرة الحضارة الإسلامية المعاصرة يدفع المراقب إلى ذهول وإحباط، وهنا يحق لنا أن نتوقف ونسأل الراحل الكبير لماذا؟
السبب هو انسياق العرب والمسلمين، خاصة شعوب عالمنا العربي إلى ترديد السؤال التالي: كيف نكون مثل الغرب؟ وأين نحن من حضارة أوروبا وعنفوان أمريكا؟ أو حتى السؤال الساذج كيف يمكن أن نقنع الغير أي الغرب بأننا على حسن النوايا وطهارة القلب، وكأننا نتمثل نمطه الرائد، والغريب هنا أننا نتصور أولا أننا والغرب نمثل الكون كله- بينما ثلث الإنسانية يعيشون في أسيا، ومن بينهم الغالبية العظمى من المسلمين، من تركيا إلى اندونيسيا بالإضافة إلى القارة الأفريقية، وقطاعات مهمة من العالم المحيط.
والغرابة أيضا تنشا من تصور غالبيتنا بأن الغرب هو القدوة، بينما يؤكد أعلام الثقافة الغربية أنفسهم من شبنجلر إلى توينبي حتى أنصار البنيوية والتفكيكية وما بعد الحداثة والعدمية، أن الغرب دخل بخطى مهتزة إلى مرحلة الانحدار التدريجي بالنسبة لما كان عليه حتى بداية القرن العشرين.
وفي الوقت ذاته تتجه أمريكا الوسطى والجنوبية أي أمريكا اللاتينية من المكسيك إلى أقاصي شيلي الجنوبية، إلى التعامل مع آسيا وبخاصة آسيا الشرقية من سيبيريا حتى إندونيسيا حول الصين مركزا، إدراكا منها أن صحوة هذا العالم تمثل جوهر نهضة الشرق في عصرنا، وكذا مستقبل صياغة حضارة العالم الجديد، والواقع أن جامعات أمريكا اللاتينية ومراكز البحث فيها وكذا القطاع الأوسع من المثقفين والعلماء ورواد الاقتصاد والتكنولوجيا يتعاملون اليوم في المقام الأول مع آسيا الشرقية إلى حد بدا يتعدى العلاقات التقليدية مع الولايات المتحدة، مما يجعلهم يتجهون تدريجيا وموضوعيا إلى طرح التساؤل الحضاري بعبارات لم نألفها مثل: أمريكا اللاتينية وصحوة أسيا، دورة الأفكار في عالم الجنوب، دائرة المحيط الهادي بوتقة لبزوغ حضارة جديدة- جنبا إلى جنب مع التساؤل عن الغرب والتفاعل معه.
ومن هنا يخلص الدكتور أنور عبد الملك إلى أولى وأهم وصاياه في طريق الحضارة والمشروع الحضاري الجديد وهي أنه بما أن العالم كما هو موضوعيا، واقعيا عمليا لا يقتصر على الدائرة الإسلامية- الغربية فانه يصبح لزاما علينا أن نتعامل مع هذا العالم الجديد بعقول صافية وإرادة صادقة دون إهمال الدائرة التقليدية التي ما زالت مهيمنة، ومن هنا كان التساؤل عن عملية صياغة المشروعات الحضارية الثقافية الجديدة في مختلف دوائر الشرق الحضاري وبخاصة في القارة الآسيوية، والصين في القلب منها بنوع خاص ومتميز جدا.
تستدعي الأوقات الآنية التي يعاد فيها تشكل العالم إلى تأمل الماضي حيث كان العرب والمسلمون همزة الوصل بين اليونان والرومان من ناحية وأوروبا في عصورها المظلمة من ناحية أخرى، ولولا نقل العلوم والمعارف والفلسفة، ولولا اقتباس أوروبا للتكنولوجيا العربية والإسلامية المتقدمة من الطب إلى الفلك، لما كانت بوادر النهضة الأوروبية أن تتبدى بعد أجيال من الظلمات، وكذا الأمر بالنسبة لصدارة الصين في مجال العلوم والتكنولوجيا بأوجه العموم حتى بداية القرن السادس عشر، كما أثبته كبير العلماء الموسوعيين المتصلين بالصين والمحققين والمدققين لشؤونها في القرن العشرين البروفيسور جوزيف نيدهام.
والحق أن طلائع التجار والحرفيين الأوروبيين استطاعوا أن يركزوا هذه الترسانة القادمة من الشرق في موانيهم وهي التي انطلقت منها قوافل الاكتشافات البحرية واقتحام أمريكا الوسطى والجنوبية، ثم إفريقيا وأخيرا أسيا بين القرن الخامس عشر والتاسع عشر.
وفي مواجهة هذا الظلم التاريخي «اتجهت مجتمعات حضارات الشرق إلى الالتفاف حول الأركان الثابتة والإمساك بكوكبة من المعاني والقيم التي وفرت لها قدرا واسعا من الإمكانات والطاقات، كان الهدف في الأساس هو التعبئة الداخلية لضمان قدر ممكن من القوة، على الصمود والانطلاق من هنا بدأت مسيرة صياغة مجموعة من المفاهيم والرؤى والمشروعات صاغت على مر الأجيال كوكبة المشروعات الحضارية للشرق منذ القرن الثاني عشر حتى اليوم .
لم يكن الدكتور عبد الملك فقط من طليعة النخبة العربية التي توقفت طويلا أمام التجربة الآسيوية وفي القلب منها التجربة الصينية، فهناك البروفيسور «فردريك معتوق» اللبناني الأصل، الذي يستفيض شرحا في مؤلفه «المارد الآسيوي يسيطر» عن الصين فيقول:
إن الصين بلد عظيم، ليس من اليوم فحسب، بل منذ غابر الأزمنة، غير أن السؤال الآن هو عن السر الذي يجعل من الصين بلدا عظيما بعدد سكانه الذي يبلغ اليوم نحو مليار وأربعمائة مليون نسمة؟
الشاهد أنه بعد سنوات الاحتلال السياسي الذي سعى الغرب إلي استدامته تأمينا لاستمرارية مصالحه، شكل الانتصار الشيوعي في عام 1949 نقطة تحول حاسمة، حيث إن الاستقرار حل أخيرا في الصين صحيح أن هذا الاستقرار جاء شيوعيا، لكنه كان في المقام الأول استقرارا صينيا ذاتيا، يحاكي البنية المعرفية المحلية بمفاهيمها وأول هذه المفاهيم كان الاستقرار، أي الانسجام العام والأمان.
إزاء هذا الوضع الجديد، بات الصينيون يقررون مصيرهم بأنفسهم، رأي الحزب الشيوعي الصيني، وعلى رأسه “ماوتسي تونج” أن أنسب الحلول هو في استلهام الأنموذج الاشتراكي السوفييتي باللجوء إلي تصنيع الاقتصاد الصيني بشكل مكثف بغية ردم الهوة التي تفصل البلاد عن الركب العالمي، ومحو الفقر تدريجيا، وإعادة إعمار الصين على أسس حديثة على هذه القاعدة جاء التحديث في الصين بعد عام 1949، في صيغته الأولى تحديثا اشتراكيا، مبادرات السلطة الى أن تخطط تخطيطا مبرمجا وموجها للشؤون كافة في البلاد على النمط السوفييتي. هكذا انطلقت مطلع الخمسينات مبادرة إستراتيجية كبري قضت بإنشاء (694) مشروعا وطنيا كبيراً، من بينها افتتاح 156 مصنعا جاهزاً وكاملا، مستورداً مباشرة من الاتحاد السوفييتي. كما أقر نظام الرواتب القائم على ثماني درجات قاعدة لاستخدام العمال ودفع مستحقاتهم.
كانت الدولة الصينية تمسك بشكل كلي بزمام الحياة الاقتصادية على مستوى الصناعة المدعومة بقوة، كما على مستوى الزراعة، في حين ان الازدهار العام، كان يستقر أكثر فأكثر في المدن.
ومع الرؤية السياسية الجديدة الناتجة من الصدام مع الغرب الحديث، كما مع توجه أيديولوجي يضع فكرة التقدم في طليعة المفاهيم السياسية. لذلك فإن الثورة التي قادها الحزب الشيوعي في الصين لم تكن انقلابا على التقليد الكونفوشي الذي كان سائدا قبل ذلك، بل استكمالا لمسارة بتحديث. والشاهد أن الانفتاح على الصين يعلم المرء كثيرا من الدروس الآسيوية في المقدمة منها على سبيل المثال:
لم تخرج الإمبراطورية الصينية يوما من حدودها، ولا حتى حاولت احتلال شبه الجزيرة الكورية في ما مضي، مع سهولة تنفيذ مشروع كهذا على المستوى العسكري نظرا إلى كوابح التفكير الكونفوشي، الذي يسعى الفرد في إطاره إلي التكامل مع الجماعة والجماعة مع أهل البلاد.
عندما تخسر الحرب أبحث لجيشك عن ساحة بديلة لخوض حربك التالية فالهزيمة العسكرية أيا كان حجمها، لا تعني هزيمة الأمة أو الشعب، ذلك أن بقاء الأمة أو الشعب هو الجوهر الاجتماعي الحقيقي للكل أمة أو شعب، لإبقاء المؤسسة السياسية أو العسكرية أو حتى الدينية.
لذلك عندما تقع الهزيمة يقوم لاعب الشطرنج الآسيوي بمراجعة مؤلمة لها ولحيثياتها، حيث إن خطة ما بعد الهزيمة تنطلق على الدوام من عملية نقد ذاتي على غير مستوي.
لا تهدف لعبة الشطرنج الآسيوية إلى مخاصمة الغرب بالضرورة بل إلى مصادقته، لم يعد هدف المتخاصم- الآسيوي- رغما عنه التغلب على الغرب بالمعني العصباني للكلمة أي بمعني التغلب عليه ومحوه، بل أضحي الهدف وضعه عند حده الموضوعي، واحترامه لحدوده.
وفي كل الأحوال تبقى الصين الملكوت المركزي كما تسمى وتجربتها تستحق التحقيق والتدقيق في الحال والاستقبال.