الفَـلاسـفـة الذين يؤثّـرون فـي السـياسـة العالمـيّة

د. الصادق الفقيه –

تفترض نظريّة المَعرفة أنّ تأثير الفكر في مجالات الحياة المُختلفة يُحَدِّثُ بِلُغَةٍ ذهنيّة تكون مفهومة لأطراف الحوار. وتتكوّن هذه اللّغة من نظامٍ تمثيليّ يتمّ إدراكه حسّياً في ذهن المفكّرين، وله بنية تركيبيّة، ودلالات، بحيث تكون عمليّات التمثيل حسّاسة من الناحية السببيّة فقط للخصائص النحويّة لِلْتَمَثُّلات الرمزيّة الحاملة للمعنى. ووفقاً لمنطق العِلم، فإنّ الفكر هو، تقريباً، ظهور تمثيل له بنية نحويّة تأسيسيّة، مع دلالات منطقيّة مُناسبة. وهكذا يتكوّن التفكير في العمليّات النحويّة المحدَّدة على مثل هذه التَمَثُّلات. وتستمدّ معظم حِجج الفكر قوّتها من قدرتها على شرح بعض الظواهر التجريبيّة؛ مثل التلقّي، الذي يُعين على تقارُب الفكر والتفكير لإنتاج حالات التماثل.
لقد علَّمتنا دروس الأدب أنّ الأسفارَ خِيَارٌ إيجابيّ، أو كما قال الإمام الشافعي: « سافِر ففي الأسفار خمس فوائد؛ تفريج هَمّ، واكتساب معيشة، وعِلم، وآداب، وصحبة ماجد».
عليَّ أن أروي كيف أخذتني صحبةُ ماجدٍ، مثل الدكتور وجيه قانصو، الفيلسوف اللّبناني المتنوّر، إلى عاصمتَين أوروبيّتَين، هما بروكسل وكوبنهاغن، في فترتَين زمانيّتَين مُختلفتَين، بدعوة من الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي. وجرى الحوار فيهما بيني ووجيه بذهنيّتَين مُتقاربتَين، غير أنّ حسّ التلقّي عندي تعلَّق بحالتَين: فكريّة وسياسيّة، أطرهما زمن وظيفة اكتساب المعيشة.
ففي العاصمة الأوروبيّة /‏‏‏ البلجيكيّة بروكسل، التي استضافنا فيها الاتّحاد الأوروبي في نوفمبر 2014، جالت بنا أحاديث أوقات الفراغ حول الكثير من إشكاليّات الفلسفة، وكان الدكتور وجيه شديد الميل إلى فيلسوف تتبدّى آثار فكره في فضاء الثقافة الفرنسيّة؛ وبعض بلجيكا هي جزء من هذا الفضاء. وأذكر أنّه ما ورد اسم بول ريكور إلّا أفاض وجيه في رَسْم مَلامح جدليّاته؛ من الوجود الذاتي، الذي يدّخره للشخص، إلى الوجود التفاعلي للغَير، وما يُشكّله التاريخ من بُعدٍ زمني للوجود الإنساني كلّه. وقد كنتُ استمع بذهنِ مَن يشغله الفكر، كأمين عامّ لمنتدى الفكر العربي في عمّان، لا السياسة، التي فيها للفيلسوف ريكور باع التأثير والتقدير، كما سيتّضح.
وتجدَّد اللّقاء مع الدكتور وجيه، في يونيو 2016، في العاصمة الدنماركيّة، كوبنهاغن، حيث استوعبت أحاديثنا الجانبيّة أقاصيص الفيلسوف اللّاهوتي سورين كيركغارد، الذي عاش بين 5 مايو 1813 و11 نوفمبر 1855. وكان لفلسفته تأثيرٌ على الفلسفات الوجوديّة المؤمِنة، أكبر بكثير من أثر الوجوديّة المُلحِدة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. إذ يمثّل الإيمان نقطة ارتكاز رئيسة عند سورين، يستطيع الإنسان من خلاله تحقيق إرادته، بتوحّدها مع الله عن طريق الامتثال لأوامره، التي تمثِّل نسقاً قِيميّاً وأخلاقيّاً مُغايراً للأنساق البشريّة، لأنّ الله عند كيركغارد هو المصدر الأساس للقوانين الأخلاقيّة.
وهنا، في كوبنهاغن، اختلفت مطلوبات الذّهن المُحاوِر والمتلقّي بعدما أحكمت الوظيفة الدبلوماسيّة قيدها السياسي المُنضبط على لسان التصريح، ورَوَّضَ الحذر الدبلوماسي فتاوى الجرح والتعديل. فالمسألة هذه المرّة تجاوزت العثور على الحقيقة الصحيحة في تجريداتها الفكريّة، إلى تحسِّس ما يُمكن أن تكون قد رسَّخته هذه الفلسفة الأخلاقيّة المتعاليّة لكيركغارد على السياسيّة في هذه الدولة الاسكندنافيّة القصيّة، وإن كان العثور على الفكرة القِيمَة، عند صاحبي وجيه، هي الأجدر بالتَقَصِّي، وفي هذه الحالة خاصّة، هي الأقرب إلى أن نُمْسِكَ بها، وليس تجلّيات الأثر السياسي، على أوضاع بلد كالدنمارك أشبعته الحروب الإقليميّة عُزْلَةً، فتدثَّر بيقينيّات فلسفة أخلاقيّة أورثته التراضي الاجتماعي المشهود.
وما من شكّ في أنّ تلك الحوارات كانت فاتحة مَنافذ كثيرة على أهميّة استحضار الفلسفة في قراءة الأفكار المُؤسِّسَة لغَير قليل من الحركات الاجتماعيّة والسياسيّة في العالَم؛ إذ لا يزال القادة العالميّون، والمنظّرون على مستوى القاعدة، يُشيرون إلى الفلاسفة كمَصدر إلهام وراء نظرتهم السياسيّة؛ فقد أمضى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنوات في العمل مع الفيلسوف بول ريكور، وحتّى الحركة الوطنيّة الأميركيّة البيضاء المعروفة باسم «اليمين البديل – Alt Right» لها أبطالها من الفلاسفة، الذين تُحاجج بتصوّراتهم. إذن، لأولئك الذين يأملون في فَهم السياسة في العام 2018، هنا عدد قليل من الفلاسفة الذين يستحقّون المعرفة والتتبّع.
إنّ استخدام ماكرون المتكرّر لعبارة «وفي الوقت نفسه – et en même temps»، على الرّغم من بساطتها، تُعبِّر عن انعكاس لتأثير بول ريكور. فالفيلسوف ريكور، المعروف بكونه واحداً من أعظم المفكّرين الفرنسيّين في القرن العشرين، كان معروفاً بآفاقه الجدليّة. وبدلاً من عرض رأي قويّ، كان ريكور، الذي توفّي في العام 2005، يميل إلى الاعتراف بوجهتَي نظر متناقضتَين ومحاولة التوفيق بينهما. وقبل أن يصبح ماكرون سياسيّاً، قضى عامَين في العمل مع ريكور، وكان أثر تفكير الفيلسوف واضحاً في كيفيّة قيام ماكرون بالوظيفة السياسيّة. فالرئيس الفرنسي براغماتي بشكلٍ لافت، ولا يتشدّد في التمسّك بأيّ عقيدة سياسيّة. ويبدو ماكرون سعيداً تماماً في اختياره للأفكار من اليمين واليسار، ما يجعل من الصعب التنبّؤ بكيفيّة تفاعله مع الأحداث الجارية.
وربّما لا يتعيّن على قادة الاتّحاد الأوروبي أن يقرأوا بين السطور الفلسفيّة؛ ليستشعروا مدى التأثير، الذي يتأتّى من أفكار واحدٍ من كِبار المفكّرين في القرن العشرين، الذي لا يزال على قَيد الحياة. إذ يبلغ الآن من العمر 88 عاماً، ألا وهو يورغن هابرماس، عضو في مدرسة فرانكفورت، التي تضمّ في عضويّتها مجموعة من المفكّرين المؤثّرين؛ من بينهم هربرت ماركوز، المُعلِّم الفكري للهيبيّين الأمريكيّين، وولتر بنجامين، أحد أكثر منظّري الثقافة تأثيراً على الإطلاق، فضلاً عن ثيودور أدورنو وماكس هوركهيمر، اللّذَين يُعدّ عملهما المُشترَك «جدليّة التنوير»، النصّ الرئيس لمدرسة فرانكفورت.
يكتب هابرماس عن الاتّحاد الأوروبي، من بين موضوعات أخرى كثيرة، ويعتقد أنّ هذا الاتّحاد إذا عمل بشكلٍ صحيح سيكون شكلاً قويّاً للديمقراطيّة في أفضل حالاتها.
أمّا فيلسوف نظريّة التطوّر تشارلز داروين، فقد أراد أن يقنعنا بقوله «إنّ البقاء للأصلح»، وزيّنها الدكتور مصطفى محمود بملاحظة «البقاء للأجمل»، في مُقارنته الفطنة بين البغل والحصان، إلّا أنّ السياسيّين الغربيّين قرأوها بمنطق «البقاء للأقوى».
وفي روسيا، قد لا يكون أليكساندر دوغين فيلسوفاً مرموقاً، لكنّ الرجل المعروف باسم «دماغ بوتين» يعتبر نفسه بالتأكيد مفكّراً مؤثِّراً. وهو إلى جانب ذلك، مُعجَب كبير بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه بأنّه «بوتين الأمريكي».
على الرّغم من أنّه يعتقد أنّه يجب أن يكون هناك العديد من القوى العالميّة، وأنّ روسيا يجب أن تقود الكتلة، التي كانت تغطّي الاتّحاد السوفييتي؛ إذ إنّ هذه الأراضي الروسيّة ستدعم التسلسل الهَرميّ والتقاليد والهيكل القانوني الصارم في مختلف أنحاء المنطقة. في حين يُمكن لأميركا الشماليّة وأوروبا أن تنشغل بأعمال اللّيبراليّة، والحقوق الفرديّة، والأسواق الحرّة.
ويرى دوغين أنّ سياسات ترامب القوميّة مُناسِبة تماماً لمثل هذه التطوّرات، ويعتبره مُعارِضاً إيجابيّاً للنخبة العالميّة اللّيبراليّة. غير أنّ كتابة دوغين غير مُتماسكة إلى درجة تبدو فيها مشوّشة، إذ يعتمد على تفسيرٍ مشكوك فيه لمارتن هيدغر ويُجادل بقوّة ضد قبول التكنولوجيا واستخدامها. لذا، فإنّ مدى تأثيره غير مؤكَّد. ولكن بصرف النَّظر عمّا إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقرأ أعماله بعناية أم لا، فإنّ دوغين يتمتّع بمَكانة بارزة داخل روسيا.
أمّا في الصين، فلا يزال تأثير الفيلسوف التاريخي كونفوشيوس محسوساً منذ آلاف السنين. ويُعتبر الزعيم الصيني شي جين بينغ من أشدّ المُعجبين به. ومع نموّ النفوذ الاقتصادي والسياسي العالَمي للصين، فإنّ أولئك الذين يأملون في فَهم سياسات بينغ سيحسنون التقدير بالنّظر إلى مدرسة الفلسفة الكونفوشيوسيّة، التي يبلغ عمرها 2500 عام.
إذ يقول بريان فان نوردن، أستاذ الفلسفة في كليّة ييل – نوس، إنّ الكثير من اهتمام بينغ بالكونفوشيوسيّة هو نَوع من الانتهازيّة. وقال فان نوردن « إنه يستشهد في بعض الأحيان بالكلاسيكيّات الكونفوشيوسيّة بالطريقة التي يستشهد بها بعض الساسة الأميركيّين الساخرين بالإنجيل»، ويضيف « لأنّ الكونفوشيوسيّة أبويّة، فإنّ «بينغ» يشجّعها من أجل إعطاء شعب الصين مجموعة من القيَم للاعتقاد بأنّه يأمل أن يشجِّع الطّاعة».
ويقول فان نوردن إنّ معظم الناس في الصين لم يعودوا يدينون بالقيَم الشيوعيّة، وبينغ يَستخدم الكونفوشيوسيّة للتشجيع على الإذعان. ويلاحظ فان نوردن أنّ هذا خطأ في القراءة، إذ يقول إنّ «كونفوشيوس يشدِّد على الحُكم بالإقناع»، ودائماً مع «سعادة عامّة الناس» كهدفٍ نهائي. ومع ذلك، يبدو أنّ بينغ يعتقد بصدق في بعض المُثل الكونفوشيوسيّة. وكما يستكشف فان نوردن في كتابه «إعادة الفلسفة: بيان متعدّد الثقافات»، آمن كونفوشيوس بقوّة بأهميّة نَزاهة الموظّفين العموميّين.
وقاد بينغ، في المقابل، حملة لمُكافَحة الفساد. غير أنّ فان نوردن يُشير إلى أنّ تأييد بينغ القوي لكونفوشيوس قد لا يؤدّي إلى الخضوع الذي يريده: « فالكلاسيكيّات كلاسيكيّة لسبب ما، وإذا شجَّع الحكّام الناس على قراءتها، فقد لا يكونون سعداء بالمُثل البطوليّة التي يلهمونها». ففي الواقع، ومن الناحية التاريخيّة، غالباً ما عارَض أتباع كونفوشيوس القوانين التقليديّة الحكوميّة.
لقد أفاد علماء الاجتماع والسياسة من رؤية كيركغارد للقانون والأخلاق، في مقايسته لامتثال سيّدنا إبراهيم لإرادة السماء، وهو يهمّ بذبْح ابنه كان يشرع في القيام بعملٍ يتعارض مع القوانين البشريّة، فما اعتبرته قوانين السماء طاعة وإيماناً كان جريمة شنعاء وفقاً لقوانين الأرض، لكنّ إبراهيم، عليه السلام، كان يتحرّر في تلك اللّحظة، بشكلٍ كامل من كلّ ما يُمكن أن يحدّ من حرّيته.
وقد جَسَّد بامتثاله لأوامر الله الإرادة البشريّة الحرّة بأسمى معانيها. لذا، فإنّ أفكار الفلاسفة، مثل كيركغارد، وكونفوشيوس، وريكور، وهابرماس، تستحقّ القراءة ببساطة، لأنّها رائعة. واليوم، يجدر بِنا قراءتها أيضاً من خلال عدسة الفلسفات السياسيّة التي ألهمتها. فالفلسفة لديها سمعة البقاء داخل برجها العاجي، ولكنّ أفكارها تُنَوِّر وتُشَكِّل وُجهات نظر أولئك الذين يُمارسون السلطة.

✱ الأمين العامّ السابق لمنتدى الفكر العربي- عمّان
✱ ينشر بتنسيق مع مؤسسة الفكر العربي