نوافذ :يظل الأمل أكبر في المدرسة

بقلم: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
يبدو أن مفهوم الوعي مسألة شديدة التعقيد، وغرسه في العقول، تعقيد مضاعف، لأن كل ذلك مرتبط بالقناعات الذاتية عند كل شخص، وإن كان البعض من الناس يربط إيمان الفرد بوعي ما، من خلال التنشئة الأولى المؤسسة عبر بيئة الأسرة، ومن ثم بيئة المدرسة، ومتى تخرج هذه الفرد من هاتين البيئتين دون مكتسب ما من الوعي، ينظر إليه أنه حتى لو اجتمعت كل مغذيات الوعي لتوعيته، فلن يجدي ذلك شيئا، وإنما يظل جهدا ضائعا مشتتا لمختلف القوى والبرامج التي خصصت لذلك، ومن هنا – ينظر البعض الآخر – إلى أهمية أن يكون القانون هو المرحلة الثانية التي تفرض وعيا ملزما، لأن الإنسان، وبطبيعته البشرية يعيش حالة من الاعوجاج، وتظل كثيرا من تصرفاته معوَجة، ولن يقوّم هذا الاعوجاج إلا القانون الصارم، ومن هنا، أيضا تأتي مجموعة الاختراقات لنصوص القانون من قبل الكثيرين، ومن قبل المسنود إليهم تطبيق القانون، لأن الإنسان بفطرته يحب أن يبقى على اعوجاجه، وذلك لسبب بسيط جدا، وهو أن الاعوجاج يحقق له مكاسب خاصة، وبخلاف هذا الاعوجاج لن يحصل على كل ما يريد، وإنما يحصل على حقه فقط، ولأنه يعيش هذا الاعوجاج، فهو يريد أن يأخذ حقه، وحق غيره، ليبقى على حالته الـ «عشوائية» يعيث في الأرض فسادا.

وانعكاسا لذلك؛ فحتى نصوص القانون؛ لن تجدي نفعا، ويظل من يؤمن بها من ينتفع بمظلة الوعي الحقيقي، ويمارس اختراقها من لا يزال يكابر على ظلم الآخر، وعلى مزاحمته على حقوقه، والسؤال: ما المخرج من ذلك؟ المعول على تأسيس وعي صادق هي المدرسة، وليس الأسرة، لوجود التنظيم المعرفي في الأولى، وعدم تكاتف الجهد الفردي في الثانية، فالمدرسة تحتوي على مجموعة – أغلبها واعية – كما يفترض، بينما الأسرة، وإن تحقق لدى بعض أفرادها الوعي، فأنّى لهذا الفرد أن ينتبه لمن هم دونه، ويتفرغ لغرس الكثير من السلوكيات المعبرة عن وعي ما، تجاه مختلف القضايا في الحياة، في ظل مشاغل لا أول لها ولا آخر، طوال اليوم الواحد؟، خاصة وأن الزمن يسحب البساط من تحت أيدينا بسرعة لا متناهية، وبلحظات غير محسوسة، فلا ندري إلا ونحن على مشارف السنين التي تعاقبتنا من دون أن ندري، حيث الـ «نهايات» تطرق أبواب الختام.
تتحمل المدرسة اليوم العبء الأكبر، أكثر من أي وقت مضى، لأن بيئة المجتمع لم تعد حاضنة آمنة لغرس القيم، فالتشويه «الديموغرافي» الحاصل لا يعطي نفسا ولا فرصة لبقاء أو تأسيس القيم التي يعول عليها بعض أفراد المجتمع، فوق أن الجيل يعيش حالة من الارتباك بين ما يتلقاه عبر منافذ المعرفة المختلفة المتهاوية عليه من كل حد وصوب، وبين ما يعيشه على الواقع من تصادم بين مختلف الأعراق التي تتقاسم معه الحياة اليومية، سواء في الحي الذي يقيم فيه، أو عبر منافذ التعاملات المختلفة في سوقه أو في مختلف محطات التلاقي التي يتقاطع معها، وما أكثرها، والمشكلة الأكبر في هذا الجانب أن حالة التفاعل الديموغرافي؛ بتسمية أخرى؛ ليس لها أجل محدد، حيث أصبحت واقعا فعليا، شاءت المجتمعات به قبولا، أو رفضا، حيث لا خيار آخر عن ذلك، وحتى تتجاوز الأجيال حالة «التشويه» هذه، تكون هناك أجيال قد ظهرت تكون حالتها أسوأ من التي قبلها.
والسؤال الآخر: هل تستطيع المدرسة أن تحافظ على قوتها في غرس القيم، ومنها تعميق أكثر لمفهوم الوعي، في ظل تشوه البيئة المجتمعية في ظل هذا التداخل الديموغرافي ؟ تصعب هنا الإجابة المطلقة، ولكن يظل الفهم بضرورة أن تمارس المدرسة دورها الكامل في تعميق الوعي لدى أبنائها، عبر رسائلها الكثيرة، وبرامجها التربوية العلمية.