واشنطن وبكين … والبحث عن نظام مالي عالمي بديل!!

عبد العزيز محمود –
ثمة شواهد عديدة على أن القرارات الاقتصادية أحادية الجانب، وسياسة العقوبات والتعريفة الجمركية، والتحريض على حرب تجارية قد فاقمت حالة عدم الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، لدرجة دفعتهم لمحاولة إنشاء نظام مالي عالمي بديل، يؤمن استقرار التجارة والاستثمار الدوليين، ويعزز التعاون النقدي والاستقرار المالي، ويوفق بين مصالح مختلف الدول، ويدعم اندماج الاقتصاد العالمي.

فالنظام المالي العالمي الحالي الذي تشكل في عام ١٩٤، مع إنشاء صندوق النقد الدولي في مؤتمر بريتون وودز، يواجه انتقادات حادة، بسبب خضوعه المطلق لهيمنة الولايات المتحدة، من خلال هيمنتها على صندوق النقد الدولي، وهيمنة عملتها على التجارة الدولية، وكونها محور التدفقات المالية العالمية.
فمعظم الدول والشركات تتعامل تجاريا بالدولار الأمريكي، وهذه الدولارات تتدفق في النهاية عبر البنوك الأمريكية، مما جعل الولايات المتحدة هي الشرطي المالي للعالم، الذي ينفرد بتشكيل المعايير والممارسات المالية الدولية، ويضع القواعد للدول الأخرى، وقد يسيء ممارسة سلطاته أحيانا .
وهذا تحديدا ما دفع الاتحاد الأوروبي لتعزيز الاتحاد النقدي الأوروبي، والاتحاد الإفريقي لمحاولة إنشاء صندوق النقد الإفريقي، والصين لإنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، بينما قررت دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا) توفير السيولة من خلال مقايضة العملات.
ومع إصرار إدارة الرئيس ترامب على سياسة العقوبات المالية وفرض الرسوم الجمركية لتحقيق مصالح أمريكية محددة ومن جانب واحد بالطبع ، زادت قناعة الاتحاد الأوروبي بضرورة إقامة نظام مالي عالمي بديل، لا تهيمن عليه واشنطن، وهو ما يتطلب استبدال الدولار الأمريكي، باعتباره العملة المهيمنة علي النظام المالي العالمي، بعملات اخرى كاليورو الذي يحتل المرتبة الثانية عالميا.
فهيمنة الدولار كعملة رئيسية مهيمنة على التجارة العالمية، هي التي تدعم هيمنة واشنطن على النظام المالي العالمي، كما تدعم فعالية العقوبات الامريكية، التي تحولت إلى أداة للضغط على الدول والبنوك والأفراد في أي مكان في العالم، اذا قررت واشنطن ذلك، وهكذا فان الحد من هيمنة الدولار الذي يليه في المكانة اليورو والجنية الإسترليني والين الياباني والدولار الكندي، سوف يحد من فعالية العقوبات، ويساعد أوروبا على الاستقلال ماليا عن الولايات المتحدة، على الأجل الطويل بالطبع، وبالتالي امتلاكها لحرية المناورة في السياسة الخارجية.
ولعل هذا ما دفع ألمانيا وفرنسا للمطالبة بمنح اليورو دورا أكبر في النظام المصرفي العالمي، أو إنشاء صندوق أوروبي يضمن استمرار التجارة مع البلدان الخاضعة للعقوبات الامريكية، وهو موقف يعكس غضبا أوروبيا من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، وإعادة فرض عقوبات على طهران، وأيضا على الشركات الأوروبية التي تتعامل معها.
لم يكن التململ الأوروبي من نظام العقوبات الأمريكية، هو الأول من نوعه، فقد سبقه اعتراض روسيا والصين وفنزويلا وكوريا الشمالية، على تلك العقوبات، في إطار رفض جماعي من تلك الدول لهيمنة واشنطن على النظام المالي العالمي، وهو ما دفع روسيا إلى وضع نظام للمدفوعات خاص بها، بينما تسعى الصين لإعادة تنشيط عملتها الرسمية (الرنمينبي) كعملة دولية، وتخطط فنزويلا وكوريا الشمالية للتعامل دوليا من خلال (عملة معماة) لتجنب العقوبات الأمريكية.
لكن واشنطن تعتبر تلك الإجراءات تهديدا لاستقرار النظام المالي العالمي، ولسياسة العقوبات المالية، التي تتبعها منذ تسعينيات القرن الماضي، كأداة بديلة للحرب في سياستها الخارجية، حيث استخدمتها ضد يوغسلافيا السابقة وكوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وروسيا في السنوات الأخيرة .
ومع توسع الإدارات الأمريكية منذ جورج دبليو بوش حتى ترامب في استخدام العقوبات المالية، تزايدت الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، كما حدث في عام ٢٠١٤ مع فرض عقوبات أمريكية على روسيا بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم، وإصرارها علي منع بلدان أوروبية من مواصلة التجارة مع روسيا.
وهو ما تكرر مع انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الايراني، وتهديد الدول والشركات الأوروبية بعقوبات كبيرة في حالة عدم الالتزام بتلك العقوبات، التي لم تعد مجرد أداة للضغط على الدول المناهضة للسياسات الأمريكية، وإنما تحولت حتى إلى أداة للضغط أيضا على حلفاء الولايات المتحدة وشركائها التجاريين.
وهذا بالتحديد ما يثير غضب الاتحاد الأوروبي، وأيضا كندا واليابان والصين والهند وتركيا، وغيرها عقب فرض واشنطن التعرفات الجمركية التي استهدفتها، وهو ما يغذي رغبة معظم هذه الدول في بلورة نظام مالي عالمي جديد.
المشكلة ان إقامة نظام مالي عالمي بديل لا تهيمن عليه الولايات المتحدة يواجه تحديات أهمها عدم وجود توافق دولي حقيقي، فقد جرت محاولات لكسر هيمنة الدولار الأمريكي، علي يد اليابان في الثمانينيات من القرن الماضي، والصين قبل عام ٢٠١٥، لكن الدولار الأمريكي حافظ على مكانته، مع تربع الاقتصاد الأمريكي على قمة اقتصاديات العالم، وثقة معظم الدول في الدولار كعملة احتياطي عالمي، وهو ما استغلته الولايات المتحدة جيدا في فرض سياستها الخارجية.
فالدولار سوف يظل العملة المرجعية الأولى، مع أصول مثل سندات الخزانة الأمريكية، طالما ظل الاقتصاد الأمريكي الأول عالميا.
لكن هذا الوضع قابل للتغيير في المستقبل ، إذا نجح الاقتصاد الصيني في أن يكون الاقتصاد الأول عالميا بعد سنوات مثلا، أو اذا قررت بكين بيع احتياطيها الضخم من السندات الدولارية ردا على التعرفات الجمركية الأمريكية، وان كان ذلك إجراء مستبعدا بحكم مصالح الصين، أو اذا تم تداول اليورو بنفس الأهمية كعملة احتياط دولية، أو نجحت إيران وروسيا وتركيا والصين والهند في وقف التعامل بالدولار، وتنويع محافظ احتياطيها من النقد الأجنبي وهي كلها تظل محدودة وتحتاج إلى سنوات طويلة ليتسع نطاقها ويمتد تأثيرها على المستوى الدولي.
وحتى يتحقق هذا سوف تستمر هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة العالمية، وبالتالي هيمنة واشنطن على النظام المالي العالمي، وفرض عقوبات أحادية الجانب، إلى أن يتوافق العالم على عملة احتياط أخرى أو سلة عملات لاستخدامها في التجارة الدولية، وهو ما يعني بدء انهيار النظام المالي الحالي، وإنشاء نظام مالي عالمي بديل.