حركة عدم الانحياز ماذا بقي منها ؟

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
في ظل الاستقطاب الدولي في عقد الخمسينيات من القرن الماضي وفي ظل سطوة الاستعمار الغربي للدول النامية في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية كان تفكير الآباء المؤسسين لحركة عدم الانحياز يتطلع إلى إيجاد حركة مناهضة لذلك الاستعمار البغيض وايضا لإيجاد كتلة سياسية من القارات الثلاث لتكون داعما للحقوق المشروعة للشعوب التي ترزح تحت الاستعمار.

وفي قمة حركة عدم الانحياز العاشرة بالعاصمة الاندونيسية جاكرتا وقد حضرتها شخصيا كحصفي موفد من جريدة عمان عام 1992 كانت الرحلة لقادة المؤتمر والوفود والصحفيين لمدينة باندونج لها مغزى سياسي كبير خاصة بعد زيارة القاعة التي وقع فيها المؤسسون للحركة الزعيم المصري جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو والرئيس اليوغسلافي تيتو على الأفكار الاولى لتأسيس الحركة والتي انطلقت من خلال المؤتمر الأول لحركة عدم الانحياز والذي عقد في عاصمة يوغسلافيا السابقة وحضر المؤتمر ممثلو 25 دولة.
كما كان هناك دور بارز لبعض القادة في ظهور الحركة مثل الرئيس الاندونيسي احمد سوكارنو ، وكوامي نكروما رئيس غانا آنذاك، ومن هنا انطلقت الحركة كقوة سياسية تناضل من أجل العدالة الاجتماعية والتخلص من براثن الاستعمار وكانت قمم الحركة تحظى بمتابعة إعلامية واسعه حيث تجاوز اعضاؤها 118 دولة عام 2011 حيث عقدت الحركة قمتها الاخيرة في العاصمة الإيرانية طهران عام 2012 .

استلهام مبادئ الحركة

ومن خلال المبادئ العشرة لحركة عدم الانحياز وبعد انتهاء حقبة الاستعمار وانتهاء الحرب الباردة، وفي ظل التطورات السياسية ووجود التكتلات السياسية كالاتحاد الاوروبي والآسيان وغيرها ، وفي ظل التعقيدات السياسية والأزمات الاقتصادية لدول الحركة فان ثمة حاجة لاستلهام دور حركة عدم الانحياز والذي كان له الصوت المسموع من خلال تلك الكتلة السياسية بين دول عديدة في القارات الثلاث المشار اليها ، اذ تتماثل مشكلاتها والتحديات التي تواجهها . وفي ظل وجود انحياز سافر من الادارة الامريكية ضد القضية الفلسطينية والتي كانت إحدى القضايا المركزية في فكر الحركة واهتماماتها ومؤتمراتها المختلفة، ومن هنا فان دور حركة عدم الانحياز وبعد عقود من ظهورها على المسرح الدولي لا بد من استعادته في ظل الاستقطاب الحالي، والذي يتم فيه تهميش القارات الثلاث. ولعل دور الحركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يعد بارزا من خلال التصويت على القضايا التي تهم الدول النامية في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وهذا شيء إيجابي.
صحيح ان ظروف العالم تغيرت بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية وانتهاء الحرب الباردة ومع ذلك فان التحديات التي تواجه الدول الاعضاء هي تحديات حقيقية وتتطلب استعادة دور الحركة وان كان في قالب مختلف يتماشى مع الظروف الاقليمية والدولية، فالزعامات التقليدية للحركة ذات الكاريزما لم تعد موجودة ، كما أن المزاج السياسي للكثير من دول الحركة قد أصابه التغير لأسباب محلية واقليمية ، كما ان هناك منظمات اقليمية تتنازع دور الحركة، فهناك في القارة الافريقية، الاتحاد الافريقي وفي المنطقة العربية جامعة الدول العربية وفي امريكا اللاتينية هناك منظمة الدول الامريكية – تشارك امريكا والمكسيك في عضويتها – وعدة تجمعات لدول القارة اللاتينية.
صحيح أن تلك المنظمات لها دور سياسي للإقليم الذي تنتمي اليه ولكن من خلال استلهام مبادئ باندونج يمكن التنسيق نحو تكامل الأدوار كما حدث في عقد الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عندما كانت حركة عدم الانحياز هي الصوت المعبر عن شعوب القارات الثلاث.

قمة هراري

القمه الثامنة التي عقدت في عاصمة زيمبابوي هراري في الاول من سبتمبر وحتى السادس منه عام 1986 كانت بمثابة دعم لزيمباوي التي تخلصت من الاستعمار البريطاني في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي وبالتالي كانت الحركة تدعم الدول للتحرر والاستقلال وكانت تلك القمة من القمم التاريخية حيث شهدت الظهور الأخير للأنظمة الشيوعية واليسارية حيث انهار الاتحاد السوفييتي بعد ذلك بنحو خمس سنوات وكان ذلك تحولا كبيرا للحركة من خلال ذاك المشهد الدراماتيكي خاصة وان هناك ميلا الي حدما للاتحاد السوفييتي السابق بفضل تشابك العلاقات لدول مثل كوبا ونيكاراجوا واثيوبيا والصومال وحتى دول عربية مثل مصر والعراق وسوريا وليبيا وعشرات من الدول الافريقية.
وكانت قمة هراري والتي استنكرت الهجوم الجوي الامريكي ضد ليبيا آنذاك تعطي إشارات على قوتها السياسية وانها سوف تبقى حركة مناصرة للسلام والعدل وصيانة حقوق الشعوب في كل مكان ومن هنا فان المشهد الذي رأيته شخصيا في قمة هراري في اول مهمة صحفية لي من قبل جريدة عمان قد جرني الى تساؤل مهم وهو هل تواصل هذه الحركة دورها المحوري بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ ويبدو لي ان قمة جاكرتا والتي عقدت عام 1992 قد أعطت الانطباع بأن انهيار المنظومة السوفييتية والمشكلات الاقتصادية وتغير المزاج السياسي ووصول قيادات جديدة في القارات الثلاث سوف يجعل من الحركة في المستقبل مجرد حركة رمزية في ظل تشابك العلاقات بين الدول الاعضاء والدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة والقادم الجديد الصين.

الحد الأدنى

وفي ظل المتغيرات التي حدثت خلال العقود الأربعة الأخيرة فان ثمة تساؤلات حول دور الحركة بل ان السؤال يتعدى ذلك، وهو هل بقي شيء من الحركة ؟ ولعل القمة الثالثة عشرة التي كنت مكلفا بتغطيتها صحفيا عام 2003، قد أعطت الانطباع بأن الحركة أصبحت شبه مشلولة ، وكانت هناك تصريحات واضحة لكبار المسؤولين في الدول الأعضاء بأنه من المهم المحافظة على رمزية الحركة التي أسسها زعماء الحركة ومن هنا فان الحد الأدنى للحركة يبقي المحافظة على دورها السياسي الرمزي خاصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبصرف النظر عن المتغيرات منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي وحتى الآن فان هناك دعوات تتحدث عن أهمية تطوير هياكل الحركة وان تطوع مبادئها لصالح الشعوب في القارات الثلاث وانه يمكنها التنسيق مع المنظمات الاقليمية الثلاث للوقوف ضد الكيان الإسرائيلي على سبيل المثال باعتباره آخر احتلال في التاريخ كما ان إيجاد تنسيق بين الحركة الأكبر وبقية المنظمات مهم، وهناك مراقبون وممثلون غير اعضاء من دول عديدة حتى من القارة الأوروبية ومنها قبرص التي عقدت فيها في أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي اجتماعات وزراء خارجية دول عدم الانحياز وكنت حاضرا لتغطية هذا المؤتمر موفدا من قبل جريدة عمان.
تغيرت الظروف خلال العقود الخمسة الأخيرة وأنجزت الحركة أدوارا مهمة على صعيد تصفية الاستعمار من القارات الثلاث ولم تنجح مع الاستعمار الإسرائيلي لظروف يطول شرحها وفي ظل الظروف الحالية نرى أن حركة عدم الانحياز يمكن أن تلعب دورا ولو في حده الأدنى وان تنتظم قممها حيث لم تعقد اي قمة منذ قمة طهران عام 2012.
حركه عدم الانحياز هي حركة سياسية نبيلة من خلال مبادئها العشرة التي اقرها الآباء المؤسسون في باندونج، ومن هنا فان أكثر من 100 دولة في هذه الحركة لا بد أن يستلهموا روح باندونج ومن خلال آليات جديدة وادوار تتماشى والمتغيرات السياسية والاستراتيجية المتعددة ، التي يشهدها العالم شرقه وغربه وفي ظل تنامي الأقطاب الجديدة في العالم وترقب العالم لظهور هذا العالم المتعدد الأقطاب فهناك الآن الصين التي تطل بدورها المتعاظم في افريقيا بشكل خاص ، وهناك الهند عملاق آسيا القادم ، وهناك البرازيل واليابان وجنوب افريقيا علاوة على الأصوات المرتفعة لإيجاد إصلاحات في الأمم المتحدة خاصة على صعيد العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي.
إن حركة عدم الانحياز قد لا يكون لها نفس بريق الماضي البعيد ولكنها تستطيع أن تلعب دورا محوريا اولا من خلال مناصرة الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ولعل قرار دولة البارجواي بإلغاء نقل سفارتها إلى مدينة تل ابيب وإعادتها الى القدس المحتلة قبل أيام، هو قرار يتماشى ومبادئ الحركة في مناصرة الشعوب تحت الاحتلال، كما أن العرب لا بد أن يكون لهم دور في تنشيط الحركة من خلال دعمها باعتبارها داعما تاريخيا لقضايا الشعوب العربية إبان الاستعمار وما بعد الاستعمار. والتساؤل الأخير هو هل يمكن أن تلعب الحركة دورا في ما يحدث في العالم أم أن المتغيرات قد تجاوزتها لتبقى رمزا يشير إلى نضال وفكر قيادات ملهمة لم تعد موجودة في هذا العالم؟.