«سانجو» .. الحكاية الكاملة

«عمان»: ليست هذه المرة الأولى التي تعرض فيها بوليوود فيلما توثيقيا لشخصية هندية، لكنها قد تكون المرة الأولى التي يكون غرضها من التوثيق، تبرئة شخص ما، أو (تحسين الصورة الذهنية) عنه في أقل تقدير في ذاكرة من عرفوه.
هذا ما جسده فيلم «سانجو» للمخرج راجكومار هيراني، آخذا فيه رانبير كابور دور البطولة إلى جانب مجموعة من الممثلات والممثلين الهنود هم: فيكي كوشال، وسونام كابور، وأنوشكا شارما، وجيم سارب، ومانيشا كويرالا، وباريش روال، وبومان إيراني، وآخرين، حيث تنطلق الحكاية من حاجة سانجي دات لكتابة سيرته الذاتية في كتاب ستكتبه فيما بعد ويني دياز كاتبة السّير.
«سانجو» هو الاسم المصغر لـ«سانجي»، وسانجي دات الذي يحكي عنه الفيلم، ممثل هندي من مواليد يوليو 1959م، والداه نرجس دات وسونيل دات، يحاول سانجي أن يكون ممثلا مقبولا على أقل تقدير، لكن العقبات التي تنهض أمامه ومن بين يديه ومن خلفه، بلا حول منه تارة وباختياره تارة كالمخدرات والأسلحة، تغرقه في الوحل أكثر فأكثر. وبعيدا عن كون أفلامه ذات سيناريو مستهلك – كما قال: «كل السيناريوهات الجيدة يأخذها شاروخان وسلمان خان» – فقد أصبح مشهورا بكونه الممثل المجرم على مستوى شبه الجزيرة الهندية.
يعرف عن رانبير كابور فوبيا الارتفاعات، وقد بدا ذلك جليا في فيلم « Bachna Ae Haseeno»، في مشهد له خلف الكواليس على جرف صخري عال، حين توقف عن مواصلة التصوير لخوفه الشديد من الارتفاع، وكأن الصدف تأخذه للمرتفعات هذه المرة ثانية، وإن كان مدّعما بـ«حبال خلف الكواليس»، في مشهد تحدي صعود الجبل لإعادة تأهيل المدمنين.
سعى رانبير كابور في تجسيده لشخصية الممثل الهندي سانجي دات لأن تكون له النظرة نفسها، النظرة المتعبة التي يرسمها بحاجبيه المرفوعين والجفن المشدود لفترة طويلة. وفي صور فوتوغرافية جمعت دات وكابور وقد تقمص الثاني شخصية الأول، يتضح أن الفيلم قد نجح في مطابقة الأزياء بشكلها ولونها وتسريحة الشعر وأساور المعصم.
وإلى جانب كابور، نقف عند المرونة التي تتمتع بها الممثلة أنوشكا شارما، والتي قامت هذه المرة – كما ذكرنا في السطور السابقة – بدور كاتبة السير «ويني دياز»، فلديها القابلية لتغيير مظهرها مع كل شخصية جديدة في مسيرتها الفنية، فهي ليست بممثلة الشكل الثابت، إذ نراها مرة بقصة الـ«بوي» في دور «جاغو» في فيلم PK، ومرة بشعر مسدول في أكثر من فيلم، وأخيرا بشعر أشقر قصير و«كيرلي» وعيون زرقاء في «سانجو». وعندما نتذكر كل دور على حدة لا تخطر شارما على بالنا، بل تخطر ويني، وتخطر جاغو، وتاني، وأليزه، وغيرها من شخصياتها المتعددة. وعلى الرغم من المسيرة الفنية القصيرة للممثل فيكي كوشيال الذي أدى دور «كامليش» الصديق المقرب لسانجي، وأدائه المقنع في فيلم «Raazi» الذي أداه مع الممثلة الهندية عاليا باث، استطاع هذه المرة أن يرينا عفوية كامليش البسيطة.
ومن اللفتات الصغيرة في الفيلم يظهر تأثير الأصوات والموسيقى في حياة الشخص، كـــــأن تصاحبه أغنية غنتها أمه في رحلة تخلصه من الإدمان، ويساعده استعادته لصوتها – رغم موتها – والغناء مع طيفها، على الوقوف من جديد، ويجـــبر زئير صديقه المقرب كسره، يقول له إزأر فيزأر ليُجبر كسره، وهكذا تتعـــــــثر الشخصية تارة، ويرتق كسرها تارة أخرى.
يخبرنا فيلم «سانجو» أن الكتابة خلاص؛ خلاص من الماضي بالتصالح معه، وخلاص من الأسرار التي تضل طريقها فيساء فهمها، وخلاص من سجن الذات إلى حرية التواصل مع العالم.
تخلصت شخصية سانجي دات من نظرة الارتياب التي لاحقتها بعرض فيلم سانجو، أو أنها، على الأقل، قدمت روايتها التي لم يستمع إليها أحد من قبل، في غمرة الانشغال بالرواية الرسمية التي تصدر عن السلطات من جهة، والرواية الصحفية التي تعتمد الكليشيهات الرنانة بصرف النظر عن صدق الخبر من زيفه من جهة أخرى.