رجل الأعمال عندما يستقيل

مصباح قطب –
MESBAHKOTB@GMAIL.COM –

ماذا يفعل رجل الأعمال عندما يستقيل ؟. السؤال المطروح فجره إعلان الملياردير الصيني «جاك ما» ، منذ أيام، إنه يخطط للاستقالة في سبتمبر 2019 من إدارة إمبراطوريته للتجارة الإلكترونية ، أي شركة «علي بابا». وقد ذكرت «نيويورك تايمز» التي انفردت بالخبر إن «جاك ما» سيبقى عضوا في مجلس إدارة الشركة لكنه سيركز على الأعمال الخيرية في مجال التعليم.
رجل الأعمال – كما أرى – لا يستقيل عمليا مهما كان شكل العمل الذي سيركز عليه في الفترة التي يقول انه سيستقيل فيها وسأعود إلى هذه النقطة. إننا نفهم تماما أن يستقيل موظف أو مسؤول حكومي كبير أو صغير للأسباب المعروفة ، وأحيانا للقيام بأعمال تطوعية بعد ان يكون قد زهد في السلطة – وذلك نادر بالطبع -، لكن يصعب أن تدخل أدمغتنا فكرة استقالة رجل أعمال ، ذلك انه أولا يعمل عند نفسه كما يقولون ، فهل سيستقيل من نفسه؟ ومن الذي يستقيل في حالة رجل الأعمال هل هي الأعمال التي يقوم بها أم الرجل نفسه القائم بالأعمال أم المال الذي يديره في تطوير وتسيير تلك الأعمال ؟. وحتى لا نزيد الألغاز لغزا دعونا نتأمل أولا في الاستقالة المعلنة من مؤسس ورئيس  «على بابا». الرجل قام بعمل مخطط ، أي انه لن يترك العمل فجأة ، بل وحدد الموعد الذي سيفعل فيه ذلك بدقة، وذلك ذاته يعكس انشغال رجل الأعمال بالشركة التي كافح لينشئها منذ 1999وليجعلها في مرتبة عالمية متقدمة وليجعل نفسه بالتبعية أغنى رجل في الصين . وهو بعد ذلك اختار مناسبة ليتم فيها الحدث ألا وهي عيد ميلاده ، والمعروف أنه مولود عام 1964، أي انه سيصل محطة الـ 55 عاما في 2019 ، وهو سيركز على العمل في التعليم من زاوية غير ربحية – أي عمل خيري بلغتنا الشرقية – وبكل ذلك يقدم أكثر من رسالة، فهو يستقيل في عمر مبكر، بل في عمر الشباب بالتعريف الجديد لمنظمة الصحة العالمية للأعمار، وفي تجربته بهذا الشكل، اقتراب واضح من تجربة « بيل جيتس» وان كان الأخير قد ربط استقالته بالعمل الخيرى في مجالات الصحة والإنماء في افريقيا بشكل خاص. ولماذا التعليم ؟
تقول سيرة «جاك ما» انه ولد قبل سنوات قليلة من الثورة الثقافية في الصين ، وكان والداه موسيقيين يعزفان موسيقى «بينغتان» التقليدية التي تم حظرها وقت تلك الثورة مما أدى إلى معاناة الأسرة .
ولهذا السبب ربما أو لغيره لم يكن جاك متميزا دراسيا، فقد أخفق في اختبارات التأهل للجامعة مرتين، ومع ذلك واصل تعلم اللغة الإنجليزية وفي النهاية التحق بكلية لتدريب المعلمين في هانغتشو .
فهل لهذه الخلفية تأثير على قراره اختيار حقل التعليم بالذات مجالا لممارسة العطاء فيه ؟ .هل يريد أن يبشر بأن الصين – بلده – والتي تفاخر دوما بأن تعاملاتها الاقتصادية والمالية والتنموية عموما مع الأطراف الأخرى تخلو من التسييس أو الشروط الايديولوجية بصدد أن تصنع نسختها الخاصة ( قوتها الناعمة ) من المساعدة في مجال نشر وتطوير التعليم في العالم النامي -بالذات- من خلال نموذج جاك المرتقب ؟. لقد قررت دراسات تنموية ان أفضل تجارب العمل المدني واكثرها نضجا وفعالية تلك التي تمت بمبادرات من قادة شركات عالمية كبيرة ، نظرا لأنها خضعت لحوكمة قوية ، ولنظم إدارة كفؤة ، مع قدرة عالية على المتابعة والتقييم والتصويب ، ومن قبل كل شيء اختيار صحيح للأولويات ومداخل العمل والتشبيك مع المجتمع المحلي المعني. أرى أن ذلك صحيح في مجمله بغض النظر عن دوافع الكبار إلى العمل التطوعي او الفلسفة الأخرى التي تريد من الشركات الكبيرة أن تؤدي ما عليها من ضرائب بشكل نزيه وفقط ، باعتبار أن ذلك افضل ما يجب ان تقوم به إذا كانت معنية حقا بالمسؤولية الاجتماعية. وفي منطقتنا العربية الكثير من مؤسسات المجتمع المدني التي يمولها أصحاب شركات كبيرة ، ويقودونها بشكل مباشر أحيانا ، أو يسندون إدارتها إلى من يتوسمون فيهم القدرة على تحقيق الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها . وهي تحقق إنجازات يصعب تجاهلها مهما كان رأيك في رجل الأعمال أو المؤسسة القائمة بالعمل بسبب دقة منظومة العمل بها وسلامة المعايير التي تعمل عليها ، وليست صدفة أن كبار رجال الأعمال العرب يركزون أيضا على تقديم المنح التعليمية أو يدعمون الأعمال الصحية كأولوية تالية أو الثقافية كأولوية متأخرة .
في مبادرة جاك نوع من التأثر بالتجارب العالمية والأمريكية بنحو خاص ، وهو قد عاش في الولايات المتحدة ، وعرف مثلا أن من أهم القضايا العامة التي تتم مناقشتها هناك هذه الأيام هي تراكم مديونيات الطلبة الجامعيين للبنوك وكيفية جعل التعليم أقل كلفة والتمويل الطلابي أيسر منالا وسدادا؟  .
لكن نحن بذلك نستبق ما سيفعله جاك فهو نفسه لم يوضح نوع العمل الذي سيقوم به في مجال التعليم ونطاقه وحجم التمويل الذي سيوفره وهل سيقدم جهده الشخصي وقدراته التنظيمية والإدارية وخبراته المنهجية ام يمزج بين تقديم المال والخبرة  ؟.
أعود إلى فكرة استقالة رجل الأعمال وأقول إن تلك المهنة بطبيعتها تتطلب العمل حتى نهاية العمر . فالسباق إلى الفوز بصفقة أو موقع تنافسي أو حصة سوقية معتبرة أو مركز محلي أو دولي للشخص أو الكيان الاعتباري لا يتوقف ولا ينتهي، وليس بمستطاع رجل الأعمال أن يوقفه في نفسه حتى لو ترك العمل تماما. الشواهد تؤيد أن المرء يظل رجل أعمال حتى وهو صائم تماما عن العمل و«البزنس» ذلك أن الصنعة نفسها هي فكرة في المقام الأول والأفكار لا تموت . ينطلق الإنسان في رحلته في عالم الأعمال كما نعرف من زاوية محددة تغيب عادة عن عموم الناس الا وهي كيف يملك المال وكيف يديره ليضاعفه ، خلافا لمن ينطلقون من زاوية كيف نحصل على المال الذي يكفي لعيش كريم ولا يريدون بذلك خوض أي مخاطرة مكتفين بالوظيفة أو العمل لدى الغير بأي أسلوب او التجارة الصغيرة .
لهذا تساءلت في بداية المقال كيف يستقيل رجل الأعمال وما معنى ان يستقيل ؟ هل يتخلى عن الفكرة التي انطلق منها ؟ وهل حتى إذا ترك ماله كله للعمل الأهلي الخيري يعد مستقيلا؟. في تقديرى انه ما بقيت فكرة الانطلاقة الأولى في ذهنه فسيظل رجل أعمال رغما عنه . لقد قال لي يوما رجل الأعمال المصري سميح سويريس انه سيكف عن العمل ويكف عن احتجاز الأرباح في شركته اذا طلع عليه يوم ولم يجد في جعبته مشروعا جديدا يقوم به . أي انه يعلن انه سيتوقف فقط اذا توقف معمل إنتاج الفرص في داخله عن العمل . أي توقفت الأفكار وتوقفت معها الفكرة الأم فكرة تحقيق أعلى عائد من رأس المال في إطار القوانين السائدة او هكذا يجب ان يكون الأمر . لهذا فان جاك في الحقيقة يبحث عن فكرة أخرى وعن عوائد أخرى او مختلفة فهو حقا عقل خلاق وقصة حياته تشير الى ذلك كما انه لازال في مرحة التوسع ولم تبلغ الشركة وفق المؤشرات المالية والفنية لها ما يمكن أن يعد سقفا يصعب الإضافة الكبيرة اليه ، وإذا كان هناك في العالم ومنطقتنا من يعمل في العمل المدني وهو يمارس نشاط الأعمال الخاص به ، فجاك سيأخذ مرحليا هذا الطريق، والى أن يود ان يستريح تماما من أعباء الإدارة في شركته ويسلمها بالكامل إلى إدارة محترفة يثق فيها وفي هذه الحالة ايضا لن يكف عقله عن العمل ولو قلنا انه اختار نهائيا العمل التطوعي في مجال التعليم فسيفكر ايضا بطريقة رجال الأعمال بمعنى كيفية تعظيم العائد التعليمي من النفقة التي سينفقها والجهد التنظيمي والتوجيهي الذي سيقوم به .