نبض المجتمع: حديث في الصداقة

خصيب عبدالله القريني –

في اعتقادي الشخصي أنني لست في سن يتيح لي الفرصة لاستصدار أحكام عامة ناتجة من الخبرة العمرية التي مررت بها، وأقول العمرية هنا لأنها تختلف عن الخبرة الحياتية وذلك فرق واضح جدا فالخبرة الحياتية لا تقاس بالأعمار وإنما بالظروف التي يمر بها الإنسان فهي من يصقله ويجعله قادرا على إصدار أحكام حول مختلف القضايا والإشكاليات خاصة تلك التي تتعلق بالجوانب الاجتماعية المتداخلة والتي لا يمكن معرفتها بدون الاحتكاك الشديد بأفراد المجتمع وممارسة مختلف الأدوار المجتمعية ومع مختلف الشرائح والفئات.

ولكن ربما بعض المواقف تستطيع من خلالها تحليل بعض الجوانب التي تندرج تحت خانة العموميات رغم أن لكل قاعدة شواذ في نهاية الأمر، فالحياة تعلمنا وتخبرنا أن لاشيء يدوم في هذا الكون سوى خالقه، وهذا استنتاج عام ينطبق على مختلف الجوانب ولكن يبرز بشكل صارخ في العلاقات الاجتماعية، فمقولة اننا عندما نكبر يتناقص عدد الأصدقاء هي مقولة تترجم هذا الاستنتاج وكأن الأصدقاء عبارة عن محطات توقف تصل في النهاية إلى محطة لا يوجد بها احد منهم، فالمتتبع لمسيرته منذ الصغر إلى حد هذه الفترة من عمره وبعمل جرد حساب لعدد أصدقائه سيجد بالفعل أننا نطبق هذا الاستنتاج، لكن السؤال هنا لماذا لا يزيد العدد بل يتناقص ، في اعتقادي إننا اصبحنا مهووسين بشكل غير طبيعي ومغرقين في أنانيتنا في اهتمامنا بأنفسنا وعائلتنا فقط دون أن نهتم بالآخرين الذين هم أيضا يمارسون في الغالب نفس الأدوار وبنفس المستوى من الأنانية وكلما تقدمنا في العمر زادت مساحة الأنانية والاهتمام بالذات أكثر من قبل، رغم أن الواقع يشير إلى أن الأشخاص الين يهتمون بغيرهم وبتكوين صداقات جديدة هم اكثر سعادة وأفضل صحة.

وهنالك جانب آخر في اعتقادي يجعل نسبة الأصدقاء تتناقص وهي ان اغلبهم يهتم بما يجده عندك من خدمات فإذا لم تعد قادرا على العطاء فان مساحة وعدد الأصدقاء لا شك انه سيتناقص وهذه ظاهرة بدأت في الظهور والتطور في السنوات الماضية، واتحسر عندما يحدثني احدهم بقوله (فكم فقدنا من أصدقاء أعزاء كنا نحسبهم نصفنا الآخر لمجرد اننا لم نتمكن من تلبية طلباتهم التي لا نملك أي سلطة في تنفيذها) وفي الواقع تعد هذه الإشكالية دخيلة على مجتمعنا بصورة لم تعد تطاق، وقد أخذت في التزايد نتيجة اختلال التوازن القيمي بين الجوانب المادية والمعنوية.

وفي المقابل هنالك أصدقاء لم يكونوا يوما عبدة للمصالح أو الأهواء أو الأموال، ورغم قلتهم ولكن هم المكسب الحقيقي في هذا الزمن، ففي اعتقادي أن قيمة الصداقة ليست بالعدد أو الكم وإنما بالكيف، وربما تتداخل عوامل كثيرة لتجعل من هذا الاستنتاج حقيقة واقعية لا مناص منها، فرغم كثرة الأصدقاء(إذا جاز لنا أن نسميهم أصدقاء) الذين يمرون بحياتنا ألا من يترك أثرا هم بلا شك قلة ولا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، فنتيجة تقدير واحترام لهم، ولا عزاء لمن يدعون الصداقة ظاهريا ويسعون لمصالحهم الخاصة باسمها في الباطن.