نوافذ: محـصـلات الزمـن

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تبادل الناس منذ أمس الأول التهاني والتبريكات بحلول السنة الهجرية الجديدة (1440هـ)؛ على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم؛ كما هي العادة التي تجري في تبادل التهاني والأمنيات الطيبة في المناسبات المختلفة: عيد الفطر السعيد، عيد الأضحى المبارك، دخول السنة الميلادية، مناسبات الزواج، مناسبات أعياد الميلاد، مناسبات الخروج من المشافي، ويحق تبادل هذا الشعور بين الناس، الذي لا يشك أحد في مصداقيته، لأنه يخرج بلا تكلف، وينثر أريج محبته بلا مقدمات سوى، استحضار المناسبة، ولذلك تجد ذلك التنسيق الجميل سواء لأشكال هذه التهاني، أو الحرص على وجود تلك الكلمات والعبارات الأكثر جمالا، يصيغها أناس محترفون، ويتلقطها المهنئون عبر هذا الفضاء اللامتناهي، بدليل تكرارها، وهناك القليل من يكتب، ليقينه أن ما سوف يأتيه؛ ربما؛ أجمل مما كتب، وأكثر احترافية مما رسم ونفذ، وهذا في ظاهره جيد إلى حد ما، لأنك تستطيع من خلاله أن تقيس شعور الناس واهتمامهم بهذه المناسبة، أو تلك، قبل أن تقضي على هذا الشعور المتبادل الرأس مالية المقيتة، التي لم تبق الكثير من الجوانب الإنسانية على حالها، حيث يتوغل مفهوم السوق؛ القائم على الربح والخسارة؛ مفاصل الحياة اليومية، ويزداد توحشا في صورة متنامية ومحسوسة، ولذلك فهناك نداءات استغاثة نسمعها من هنا أو هناك، لم تنبئ عن فرجات آمنة للمسيرة الإنسانية بالقدر الذي يحلم به الناس، فالواقع يفرض نفسه بقوة الانتشار، وبقوة تأصيل القناعات، الناس رضوا؛ أو لم يرضوا.
(محصلات الزمن) هذه – كما هو العنوان – هي عملية تراكمية، سواء أتت هذه التراكمية من توالي المناسبات وتكرارها، أو من تولد القناعات وتأصيلها، أو من مستحدثات واقع الحياة واستمرار تجددها، هي صور من صور العلاقات المتبادلة بين الناس وبين الواقع الذي يعيشونه، والذين يرسمون أحداثه ومجرياته اليومية، وهي عبارة عن «حمولات» من الأفراح والأحزان، وحمولات من القيم والعادات، تربكها مجريات الزمن ذاته، عندما تحدث فيها تشققات ومداخل لتجديدها، قد يقبلها البعض في حينها، ويعاملون هذه التغيرات على أنها من سنن الحياة، وقد لا يقبلها الآخر، ويرى فيها خروجا عن المألوف، حتى تؤول إلى عناوين عريضة ليس لها قيمة معنوية مع مرور الأيام، لأن الجديد الذي يتوغل بين مفاصلها مع كل فترة تمر، هو الذي ينقلها إلى صور مشوهة، وأتصور أن جل هذه المناسبات إن لم يكن حرص الجانب الرسمي على التذكير بها لكانت ذكرى من التاريخ، وهذا من سنة الحياة، وليس انقلابا جذريا في مفهوم القيم، كما يرى البعض.
في كل مشاريعنا في هذه الحياة يكون الزمن الفاعل الرئيسي والمباشر، ونجاح هذه المشاريع خاضع لروزنامة التاريخ «الزمن» ونحن؛ وبصورة تلقائية؛ ترانا ننظر إلى عقارب الساعة بين كل دقيقة وأخرى، إدراكا منا أن هناك زمنا يمر، وأن هناك شيئا ما نود فعله، وبالتالي إن لم تتوافق منظومة الزمن مع الذي نود فعله لهذا الشيء، فإن المصيبة ستقع، والمصيبة هنا، ليس بحجم كارثتها، ولكن بقدر الضرر الذي سوف نتلقاه من سوء تقديرنا للزمن، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لولا هذه المناسبات التي تذكر بدخول العام، وبالانتهاء من ذي قبله، أو بحلول المناسبة تلو الأخرى، أيكون لحياتنا معنى، أم أنها تصبح هلامية سابحة في هذا الكون دون ترتيب أو تنظيم؟ وهل يكفي لعقارب الساعة التي نرتبط بها عضويا؛ على ما يبدو؛ كفيلة بأن تحدد وتنظم علاقتنا بالزمن؟ يقينا؛ ستتفرع الإجابات هنا، ولكن بصورة عامة، نعم نحتاج إلى شيء يقول لنا: «يمكن دقيقة لو سمحت»؟
(محصلات الزمن) عملية صعبة، نعيش تحدياتها طوال الـ(24) ساعه والأمر ليس يسيرا، لأن مجموع اخفاقاتنا من هذه العملية ثقيلة، وإن حاول البعض بالكثير من التنظيم أن يقلل من هذه الخسارات المتوالية، فوق أن أعمارنا قصيرة، لم نستطع أن نحقق هذه المعادلة الصعبة مع الزمن.