مطلوب صندوق عربي لإنقاذ «الأونروا»

د. الطيب الصادق –

أزمة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين «الأونروا» الحالية لم تكن أزمة اقتصادية أو مالية تعاني منها الدول الممولة والداعمة للوكالة بقدر ما هي أزمة سياسية تقودها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء قضية اللاجئين من جانب واحد.
لم يكن مستبعدا أن تتخلى أمريكا عن تمويل وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين يوما من الأيام وهي التي تقف بجانب الكيان الصهيوني وتدعمه سياسيا واقتصاديا وتستخدم المال من أجل الابتزاز السياسي ، ومن المستغرب أيضا أن الدول العربية بل الفلسطينيين أنفسهم ينتظرون استمرار هذا الدعم المالي من مغتصب للأرض ومشرد للمواطنين. وبالتأكيد بعد تجميد أمريكا جزءا من مساهمتها في الوكالة استوجب التحرك السريع من كافة الدول العربية سواء تحت مظلة جامعة الدول العربية أو خارجها في إيجاد تمويل عربي بديل للدعم الأمريكي للأونروا ليكون هذا التمويل من أموال عربية خالصة ويكون بطريق المحاصصة الإلزامية وليس على شكل منح أو تبرعات إنسانية يتم دفعها مرة وتتوقف مرات أخرى، وسرعة العمل على إنشاء صندوق عربي بإدارة عربية خالصة تتولى التنسيق بين الدول العربية وشركائها العالميين لتوفير بديل مالي لإنقاذ الأونروا واستكمال مسيرتها وعدم هدمها أو تصفيتها كما هو مخطط لها من الكيان الصهيوني والجانب الأمريكي وذلك في سبيل الإبقاء على هذه الوكالة كرمز لحق العودة وحق اللاجئين الفلسطينيين.
من المعروف أن هناك أضرارا كبيرة وتداعيات خطيرة بدأت تظهر بسبب العجز المالي الذي تواجهه ميزانية «الأونروا» والذي يهدد بتنفيذ برامجها في مجتمع اللاجئين، ووفقا لما قاله عدنان أبو حسنة المستشار الإعلامي لـ «الأونروا» في الأراضي الفلسطينية، فإن عجز الموازنة التشغيلية للأونروا للعام 2018 يقدر بـ 200 مليون دولار، بعد أن كان في العام الماضي 49 مليون دولار حيث يقدر حجم الموازنة التشغيلية للأونروا (موازنة البرامج) بـ 680 مليون دولار تُنفَق على برامج التعليم والصحة والمساعدات الغذائية للاجئين في مناطق عملها الخمس: «الضفة الغربية، قطاع غزة، لبنان، الأردن، سوريا» وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر المساهمين الماليين للأونروا يليها دول الاتحاد الأوروبي، وبكل تأكيد فإن الأونروا قامت بدور تاريخي منذ إنشائها في أعقاب النزاع العربي الإسرائيلي عام 1948، حيث تم تأسيس الأونروا بموجب القرار رقم (302) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر 1949 بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئي فلسطين وبدأت الوكالة عملياتها في الأول من شهر مارس عام 1950، ومن خلال تقديم المساعدات للاجئين داخل الأراضي الفلسطينية وفي الأردن ولبنان وسوريا الذين نزحوا خلال الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948، لكن الابتزاز الأمريكي الأخير يأتي للموافقة على الشروط الإسرائيلية ولي ذراع الفلسطينيين والعرب والموافقة على ما يسمى بـ «صفقة القرن» ولذلك أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنها ستخفض مساهمتها في الوكالة حتى يوافق الفلسطينيون على «العودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل» مبررة ذلك بأن الوكالة بحاجة إلى إصلاحات لكن إدارة ترامب وقفت تماما مع الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، وأعطتها الضوء الأخضر لتنفيذ مخططاتها الاستيطانية وقررت تجميد 200 مليون دولار من أصل 250 مليون دولار التي تمنحها الولايات المتحدة للأونروا، وتخلت عن السياسة الأمريكية المتبعة منذ عقود في تقديم حصة دعم إلى الوكالة وهو يعكس بشكل واضح الاستراتيجية الأمريكية في حل القضايا من جانب واحد والضغط بكل الوسائل وخصوصا المالية منها والتي توظفها بشكل كبير، وبتعليق جزء كبير من مساهماتها في ميزانية الوكالة فإن ذلك يهدد حياة 5.5 مليون لاجئ فلسطيني، حتى وإن كان الموقف الأوروبي يميل للإبقاء على الوكالة ودفع المزيد من المال لمواجهة مخاوف إفلاسها وتوقف خدماتها، لكن من المؤكد أن هذا التمويل لن يعوض الالتزامات المالية الأمريكية كما أن هناك صعوبة ستواجه هذه الدول في استمرارية تقديم المخصصات المالية لأنها ستمثل عبئا عليها خصوصا أنها تقدم دعما ماليا للوكالة مما يزيد هذا تعويض الدعم الأمريكي عبئا على كاهلها.
تعتبر مساهمات الدول العربية ضعيفة مقارنة بالمساهمات الأمريكية والأوروبية في الأونروا رغم أن هناك مساعدات فردية تقدمها بعض الدول العربية ودعم مالي يقدم بشكل إنساني لكن تعتبر الفترة الحالية استثنائية وتستوجب من الدول العربية القيام بدور كبير لإنقاذ الأونروا وإيجاد بدائل تمويلية ردا على الموقف الأمريكي بتجميد الدعم المالي للوكالة وهو ما يضمن استمرار عمل الوكالة، خصوصا أن الدول العربية وخاصة النفطية منها لديها من الأموال ما يغني عن الاحتياج للدعم الأمريكي ويكفي أننا لو نظرنا إلى قيمة أصول صناديق الثروة السيادية العربية فإنها سجلت في يوليو 2017 حوالي 2.94 تريليون دولار وذلك بحسب معهد صناديق الثروة السيادية وأن الاستثمارات العربية في الخارج تتخطى حاجز 14 تريليون دولار، وهو ما يشير إلى القوة المالية التي يمتلكها العرب ما يتطلب ترك الحجج القديمة التي تشير إلى أن الدول الاستعمارية هي من أوجدت مشكلة اللاجئين وهي من يجب أن تقوم بحلها وتقديم المساعدات إليهم، وهذه الحجج التي كانت تركن إليها الدول العربية قبل التسعينيات من القرن الماضي استغلتها إسرائيل وساهمت في عدم تقديم الدعم المالي للأنروا في تلك الفترة لكن الدول العربية وإن كانت تقدم دعما للأونروا لكنه لا يقارن بالدعم المالي الذي تقدمه أمريكا والاتحاد الأوربي، لذلك لابد أن تدرك الدول العربية أن المستعمر يعمل حاليا على تصفية ملفات القضية الفلسطينية واحدا تلو الآخر وخصوصا القضايا العالقة كاللاجئين والمستوطنات وعروبة القدس، لذلك يجب التحرك السريع من جانب الدول العربية والعمل علي إيقاظ الضمير العالمي وقيادة المجتمع الدولي لإنقاذ الأونروا ومواجهة الكيان الصهيوني الذي يعمل على تفكيكها لأن وجود الأونروا في حد ذاته يؤرق إسرائيل، لأنه يعني ببساطة الإقرار بحق العودة للفلسطينيين وهو ما ترفضه إسرائيل.
وأخيرا فإن أمام الدول العربية بدائل اقتصادية عديدة لمواجهة الموقف الأمريكي وتجميد الدعم المالي للأونروا وأبسط هذه البدائل تكوين صندوق مالي عاجل لتمويلها لعدم هدمها واستمرارية برامجها المعروفة في التعليم والصحة وإغاثة اللاجئين وتقديم الخدمات الاجتماعية والقروض الصغيرة لهم، فضلا عن الاهتمام بالبنية التحتية وتطوير المخيمات وتقدم برامج الطوارئ، ولذلك يجب سرعة إيجاد حلول للخلل الموجود منذ إنشائها والذي جعل ميزانيتها تعتمد على التبرعات، بدلا من اعتمادها على نظام المحاصصة الإجباري والتي يجب على الدول الالتزام بها مما ينتشل «الأونروا» من أيدي الدول التي أنشأت الكيان الصهيوني وشرعنت وجوده ولذلك يجب على العرب وأنصارهم الدوليين التحرك السريع لتشكيل مجموعة اتصال قوية لحماية الأونروا وتقديم الدعم المالي لها وإنقاذها لأن إنقاذها هو بالأساس حماية لحق اللاجئين في التعليم والخدمات الصحية والإغاثية وفي العودة والتعويض وفق قرارات الشرعية الدولية، كما أنه يجب على الدول العربية زيادة استثمارها في فلسطين خصوصا في الضفة الغربية وقطاع غزة والعمل على تسهيل حركة التجارة مع فلسطين لأنه من غير المعقول أن تعتمد فلسطين على المنتجات الإسرائيلية ولم يتجاوز حجم التبادل التجاري الفلسطيني – العربي حاجز الربع مليار دولار سنويا بينما يبلغ مع إسرائيل نحو 4 مليارات دولار سنويا.