صندوق النقد الدولي: اقتصاد العالم يواجه تحديات أخطرها تراجع التنظيم المالي وسياسات الحمائية التجارية

عمان: حذر صندوق النقد الدولي من أن العالم يواجه اليوم تهديدات عديدة منها التراجع المحتمل عن إجراءات التنظيم المالي من قبل البنوك المركزية العالمية حيث يواجه صناع السياسات المالية ضغوطا كبيرة من المسؤولين والتنفيذيين في القطاع المالي نفسه للتراجع عن القواعد التنظيمية التي أرسيت بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، واستهدفت هذه القواعد اتخاذ إجراءات حاسمة لاتقاء خطر وقوع النظام المالي العالمي في أزمة مماثلة لتلك التي تعرض لها عام 2008، وأضاف الصندوق أن التهديدات التي يواجهها الاقتصاد العالمي تشمل أيضا التداعيات الناجمة عن عدم المساواة المفرط، والحمائية والسياسات المنغلقة والاختلالات العالمية المتصاعدة سواء في النمو أو حرية التبادل التجاري العالمي.
وقالت كريستين لاجارد مديرة الصندوق بمناسبة مرور عشر سنوات على الأزمة: إن كيفية مواجهة هذه التحديات هي ما يثبت استيعاب الدروس القاسية التي تعلمها العالم منذ انهيار بنك «ليمان براذرز» في 2008 وكان إيذانا باندلاع واحدة من أسوإ الأزمات التي شهدها العالم، مشيرة إلى أن هذه الأزمة المالية العالمية تعد من الأحداث الفارقة في تاريخنا المعاصر، وستظل دوما علامة مميزة للجيل الذي خاضها. فتداعيات تلك الأزمة – من تكاليف اقتصادية ثقيلة تحملها الأفراد العاديون ومن ثم استشعروا الغضب إزاء إنقاذ البنوك وإفلات مسؤوليها من العقاب بينما ظلت الأجور راكدة بالقيمة الحقيقية – كانت من العوامل الأساسية المفسرة لظهور رد الفعل المناهض للعولمة، خاصة في الاقتصادات المتقدمة، وتآكل الثقة في الحكومة والمؤسسات الأخرى، فأين نحن الآن وقد مضت عشر سنوات على انهيار بنك «ليمان براذرز»؟ الخلاصة هي أننا قطعنا شوطا طويلا بالفعل، لكنه لا يزال غير كافٍ. فالنظام أكثر أمانا، لكنه غير آمن بالقدر الكافي. والنمو تعافى، لكن ثماره غير موزعة بالقدر الكافي. ومما يعقد الأمور أن مشهد الاقتصاد السياسي شهد تحولا أبعده عن الالتزام بالتعاون الدولي، ومن المفارقات أن هذا التعاون هو ما حال دون تَحَوُّل الأزمة إلى «كساد كبير». ومازال العالم يذكر جيدا الدور الذي قامت به مجموعة العشرين ومجلس الاستقرار المالي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى لتخطي تداعيات الأزمة، وقد عملوا جميعا في تعاون وثيق على مدار العقد الماضي، وهو ما يؤكد أهمية التعاون الدولي في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين ويجب أن يكون ذلك أحد الدروس الباقية التي لا ينبغي أبدا نسيانها بعد هذه الأزمة.
وقالت مديرة الصندوق إنه مع مرور كل هذه السنوات ما زالت الأزمة تلقي بظلال كثيفة لا يبدو أنها ستغادرنا في أي وقت قريب. لكن مرور عشر سنوات على انهيار بنك «ليمان براذرز» ربما يعطي فرصة مجددا لتقييم الإجراءات المتخذة لمواجهة الأزمة على مدار العقد الماضي، وكانت تداعيات انهيار بنك «ليمان براذرز» قد اتسعت حتى خلقت توجها جماعيا لسحب الودائع من النظام المالي، مما تسبب في أزمة واسعة النطاق في النظام المصرفي العالمي، وكانت المحصلة وقوع 24 بلدا ضحية للأزمات المصرفية، ولم يعد النشاط الاقتصادي إلى سابق عهده في معظمها حتى الآن. وتشير إحدى الدراسات إلى أن خسارة المواطن الأمريكي العادي من جراء الأزمة تعادل 70 ألف دولار من دخله مدى الحياة. ولم تكن الحكومات بمنأى عن التأثير المالي أيضا، فقد ارتفع الدين العام في الاقتصادات المتقدمة بأكثر من 30 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما يرجع في جانب منه إلى الضعف الاقتصادي، وفي جانب آخر إلى جهود تنشيط الاقتصاد، وفي جانب ثالث إلى إنقاذ البنوك الفاشلة.
وأضافت مديرة الصندوق :«إذا نظرنا اليوم إلى الماضي، ستبدو نقاط الضغط واضحة، لكنها كانت أقل وضوحا آنذاك. وقد فشل معظم الاقتصاديين في التنبؤ بالقادم، إنه درس قاسٍ في خطورة الانسياق للفكر الجماعي، فما هي نقاط الضغط تلك؟ كان في طليعتها الابتكار المالي الذي فاق في سرعته وتيرة التنظيم والرقابة، ومن ثم دخلت المؤسسات المالية – وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا – في نوبة من المخاطرة غير محسوبة العواقب. وشمل ذلك تقليل الاعتماد على الودائع التقليدية وزيادة الاعتماد على التمويل قصير الأجل، مما أحدث تراجعا حادا في معايير الإقراض، ودفع بالقروض إلى خارج الميزانيات العمومية من خلال عمليات التوريق المبهمة، وتحويل الأنشطة بوجه عام إلى أركان خفية في القطاع المالي كانت أقل خضوعا للإشراف التنظيمي. فعلى سبيل المثال، بلغت الحصة السوقية للقروض العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة 40% من مجموع سندات الدين المضمونة برهن عقاري بحلول عام 2006 – بعد أن كان هذا النوع من القروض شبه معدوم في مطلع التسعينيات.
وأدت زيادة عولمة الخدمات المصرفية والمالية بدورها إلى تصاعُد الأزمة بصورة سريعة وخطيرة. فقد كانت البنوك الأوروبية هي أكبر مشترٍ للسندات الأمريكية المضمونة برهون عقارية. وفي الوقت نفسه، أدى استحداث اليورو إلى اتجاه تدفقات رأسمالية كبيرة إلى أطراف المنطقة مدفوعة بانخفاض تكاليف الاقتراض. وقامت البنوك في بلدان منطقة اليورو الرئيسية بتمويل هذه التدفقات – وهي قناة أخرى للعدوى المالية كذلك ساهمت العولمة في تفاقم المشكلة عن طريق المراجحة التنظيمية – حيث كان بمقدور المؤسسات المالية المطالبة بتخفيف الإشراف التنظيمي من منطلق قدرتها على نقل مقارها إلى مناطق اختصاص تمارس إشرافا أكثر ملاءمة لها.
وأوضحت مديرة الصندوق :« إذا كانت إجراءات السياسة المتخذة لمواجهة هذه المخاطر قبل وقوع الأزمة غير ملائمة، فإني أرى الإجراءات المتخذة فور وقوعها مثيرة للإعجاب. إذ قامت حكومات الاقتصادات الرئيسية ممثلةً في مجموعة العشرين بتنسيق السياسات على مستوى العالم، وقامت البلدان التي تعاني من مشكلات مصرفية في الحد من عبء القطاع المالي المنهك على الاقتصاد العيني من خلال إجراءات مثل دعم رأس المال، وضمانات الديون، وعمليات شراء الأصول. ومن ناحيتها، قامت البنوك المركزية بتخفيض أسعار الفائدة الأساسية ثم خاضت دروبا غير مطروقة بتطبيق سياسة نقدية غير تقليدية. أما الحكومات فقد عززت الطلب عن طريق دفعات تنشيطية كبيرة من المالية العامة. وكان للصندوق دور في هذا الصدد أيضا، فقد استحث البلدان الأعضاء على إجراء زيادة كبيرة في الموارد المالية وهو ما مكن صندوق النقد الدولي من الالتزام بإقراض حوالي 500 مليار دولار للبلدان المتضررة من الأزمة. كذلك قام الصندوق بضخ سيولة عالمية غير مسبوقة في النظام، بقيمة 250 مليار دولار أمريكي، وتحديث أطر الإقراض التي يطبقها الصندوق للسماح بمزيد من السرعة والمرونة في الاستجابة لاحتياجات البلدان الأعضاء بما في ذلك التحول إلى أسعار فائدة صفرية على القروض المقدمة للبلدان منخفضة الدخل. وبالإضافة إلى ذلك، انخرطنا في إعادة نظر جادة في قضايا الاقتصاد الكلي، للإحاطة بكل الأمور التي غفلنا عنها من قبل، بما فيها الروابط المعقدة بين القطاع المالي والاقتصاد العيني. وهذه السياسات مجتمعة – في سياق العمل الجماعي الدولي – آتت ثمارها إلى حد كبير من حيث اجتنابنا للسيناريو الأسوأ. ولم يكن ذلك بالأمر الأكيد عقب انهيار بنك «ليمان براذرز» مباشرة، وقتما بدأنا الطريق إلى هاوية محققة. كذلك عالجت السياسات الأخطاء التي أدت إلى الأزمة، وبالتالي، حدث تحسن كبير في أوضاع رأس المال والسيولة المصرفية. وتم تخفيض الكيانات غير المدرجة في الميزانية العمومية وإدخالها تحت المظلة التنظيمية. وأصبحت البنوك الكبيرة تواجه قواعد تنظيمية أكثر صرامة، كما أصبح الرفع المالي أقل. وتراجَع إنشاء القروض العقارية عالية المخاطر حتى أوشك على الاختفاء. وتم نقل جانب كبير من المشتقات المالية المتداولة خارج السوق الرسمية إلى جهات المقاصة المركزية»
وأضافت:« كل هذا جيد، لكنه لا يزال غير كاف. فهناك بنوك عديدة لا تزال ضعيفة، وخاصة في أوروبا، وربما تقتضي الحاجة إجراء زيادة أكبر في رأسمال البنوك. ولا تزال مشكلة البنوك قائمة حتى الآن مع استمرار نمو البنوك من حيث الحجم ودرجة التعقيد. ولا يزال التقدم غير كافٍ في كيفية تسوية أوضاع البنوك الفاشلة، ولا سيما العابرة للحدود. وهناك قدر كبير من الأنشطة الأكثر خفاءً ينتقل الآن إلى قطاع صيرفة الظل. وفوق ذلك كله، هناك تحديات إضافية تواجه الاستقرار المالي مع استمرار الابتكار المالي الذي يشمل التداول عالي التواتر والتكنولوجيا المالية. وربما الأكثر إثارة للقلق بين كل هذه الأمور أن صناع السياسات يواجهون ضغوطا كبيرة من الصناعة نفسها للتراجع عن القواعد التنظيمية التي أرسيت بعد الأزمة. وهناك مجال مهم آخر لم يتغير كثيرا وهو مجال الثقافة والقيم والأخلاقيات. فكما أشرت من قبل، لا يزال القطاع المالي يعطي الأرباح أولوية على حساب الحكمة بعيدة المدى، واعتبارات المدى القصير على حساب الاستمرارية. وما علينا إلا استعراض الفضائح المالية العديدة التي وقعت منذ انهيار بنك «ليمان براذرز» للتدليل على ذلك. إن قواعد السلوك الأخلاقي ليست مهمة لذاتها فقط، إنما هي مهمة أيضا لأن الجوانب الأخلاقية لها عواقب اقتصادية واضحة. ويمكن أن تساهم جودة التنظيم والرقابة مساهمة كبيرة في هذا الصدد، لكنها لا تستطيع القيام بكل المطلوب. إذ يجب إن تكملها الإصلاحات داخل المؤسسات المالية. وفي هذا السياق، تعتبر زيادة القيادات النسائية في صناعة التمويل مقوما أساسيا في الإصلاح. وأقول هذا لسببين. الأول هو أن زيادة التنوع تساهم دائما في شحذ الفكر، مما يحد من احتمالات الانسياق للفكر الجماعي. ثانيا، هذا التنوع يقود إلى مزيد من الحكمة، مع قدر أقل من أنماط صنع القرار المتعجلة التي أشعلت الأزمة، وهذا ما تثبته أبحاثنا أيضا فارتفاع نسبة النساء في مجالس إدارات البنوك وأجهزة الرقابة المالية يرتبط بزيادة الاستقرار».