صلالة .. الخضرة والضباب وشلالات المياه تستقبل القادمين من «الربع الخالي»

صلالة – «د.ب.أ»: من يمر بصحراء الربع الخالي بشبه الجزيرة العربية، لا يمكن أن يصدق أن على بعد كيلو مترات بسيطة من هذه الصحاري القاحلة، أراضي واسعة شديدة الخضرة، جوها أوروبي، تمطر سماؤها ليل نهار، وتكسو جبالها الشاهقة الأشجار العالية والأعشاب الكثيفة، وتغرقها شلالات المياه التي تنهمر من القمم الجبلية مشكلة مشاهد خلابة.
إنها مدينة صلالة التي تقع على الساحل الجنوبي للسلطنة، وتعتبر العاصمة السياحية للسلطنة، وتوصف بأنها مدينة الضباب والسحاب والعطور.
بمجرد أن يصل الزائر لصلالة خلال أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر، تستقبله موجات الرذاذ التي تغمر الأجواء على مدار اليوم، ويحيط الضباب، الذي يخفي شعاع الشمس، ويغمره الجو البارد، الذي ينسيه أنه في واحدة من دول الخليج، التي تصل فيها الحرارة إلى 50 درجة في أشهر الصيف.
ومع حلول أشهر الصيف الحارقة في شبه الجزيرة العربية، تصبح صلالة المقصد الأول لعشرات الآلاف من أبناء الخليج القادمين من المدن السعودية والإماراتية، فتزدحم طرقها بسيارات تحمل لوحات أبوظبي ودبي والشارقة، وأرقام السعودية، ويستقبل مطارها سيلا من الطائرات التي تقل السائحين من مختلف الجنسيات.
وما أن يخرج السائح الخليجي من صالة مطار صلالة حتى يتعجب من الطقس البارد والممطر الذي تتميز به هذه المدينة، فقبل ساعة تقريبا كان في مطار إماراتي أو سعودي ودرجة الحرارة تلهب الوجوه.
ويقدم آلاف الخليجيين على التوجه برا إلى صلالة، ويصابون بالدهشة لأنهم طول الطريق يرون الصحراء القاحلة، والجبال الصماء، ولكن ما أن يصلوا المدينة العمانية، حتى تستقبلهم الأمطار وتسحرهم الطبيعة الخضراء التي وهبها الله لأهل هذه المدينة.
ويقول الإماراتي محمد المزاحمي لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): لا يمر عام إلا وأتوجه إلى صلالة التي تعد قطعة من أوروبا وسط صحراء الخليج القاحلة.
ويضيف: مع دخول فصل الصيف الحارق في الخليج، أستعد ومعي عدد كبير من أفراد عائلتي وأصدقائي وأسرهم، للتوجه في قوافل من السيارات إلى صلالة، لنستمتع بطبيعتها الساحرة، وجوها الخيالي.
ويكمل: على الرغم من بعد المسافة التي تزيد عن 1100 كيلو متر، ننطلق بمركباتنا نحو الساحل الجنوبي لسلطنة عمان، ونقضي أكثر من 12 ساعة ونحن خلف مقود السيارة، ونقطع صحاري وجبالا حتى نصل إلى هذه البقعة الخضراء، ذات الطبيعة الأوروبية.
ويتابع المزاحمي: تتميز المدينة بكثرة منتجعاتها وفنادقها الفاخرة التي تستقبلنا، لنقضي أياما طويلة بين شاطئ المحيط الهندي، وفوق الجبال المكسوة بالخضرة، وننسى تماما أننا في مدينة خليجية. ويروي السوري أحمد سليمان أن الكثير من أبناء الجاليات العربية في دول الخليج يتجهون إلى صلالة في الصيف، مصطحبين الخيام وأدوات الطبخ، وتجهيزات الشواء والتخييم، ليعسكروا فوق قمم الجبال والتلال، تحيطهم الأنهار والبحيرات والشلالات الساحرة والأشجار والأعشاب الخضراء، ويستمتعون بالطقس البارد والأمطار.
ويضيف: نصعد جبال «وادي دربات» و«عيون أتون» و«جحيف»، يحيطنا الضباب، وتكاد أيدينا تمسك بالسحاب، في مشاهد يستحيل أن تراها في مدينة خليجية. أما السعودي فيصل سعود فيصف صلالة بأنها «جنة الخليج»، فعلى شواطئها ترتفع الأمواج لعدة أمتار لتضرب الرمال البيضاء، وتغطي الغيوم سماءها لتخفي الشمس، وتهطل الأمطار طوال ساعات اليوم على رؤوس السائحين وهم يسبحون في بحيراتها أعلى قمم الجبال.
ويضيف: مهما تحدثنا عن صلالة فلا نستطيع أن نصف طبيعتها الخلابة التي تمتع الصغير والكبير، وتجعلنا نشعر بالحزن الشديد حين يحل موعد رحيلنا منها.
ومن أهم معالم صلالة وادي دربات الذي يتميز بغطاء نباتي كثيف، وعين مياه طبيعية وعدد من الكهوف، من بينها «كهف طيق» المملوء بالماء. كما يتميز الوادي بالشلالات، إذ تسقط المياه من ارتفاع عشرات الأمتار مشكلة بحيرات طبيعية يسبح فيها السائحون، أو يبحرون فيها بقوارب تجديف.
ويحرص السائحون على زيارة «عين حوت» التي تقع في الجبل وبفعل تساقط الأمطار تجري المياه مسافة كيلومترات مشكلة العديد من الشلالات المائية. ومن المعالم أيضا، شاطئ المغسيل وهو شاطئ يتميز برماله البيضاء الناعمة، ومياهه الصافية، وعلى مقربة منه يقع كهف المرنيف الذي يعد مزارا رئيسا للقادمين إلى صلالة، خصوصا أنه يعلو كهوفا بحرية، وعلى مقربة منه تندفع مياه البحر من ثقوب جبلية مشكلة نوافير طبيعية بين الصخور.
وإلى جانب المواقع الطبيعية هناك معالم أثرية وتاريخية تتميز بها صلالة من بينها مدينة سمهرهم التي تضم معبدا قديما، ومخطوطات وقطعا نقدية ومقتنيات أثرية تشير إلى أن تاريخ المدينة يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وأنها كانت على صلة تاريخية بالهند وبلاد ما بين النهرين وبلاد النيل.
ومع تزايد أعداد السائحين سنويا، وهم الذين يفوق عددهم الـ600 ألف سائح خلال أشهر الصيف، تنظم مدينة صلالة مهرجانا سنويا، هو مهرجان «صلالة السياحي» الذي يقام طوال أشهر الصيف. ويسلط المهرجان الضوء على التراث والفن العماني، وينظم حفلات غنائية يحييها نجوم عرب، وعروضا فلكلورية وأمسيات شعرية ويقدم المنتجات والسلع المحلية للسائحين من مختلف الدول، وفي مقدمتها اللبان الطبيعي المستخرج من الأشجار، وكان يشكل التجارة الرئيسية للمدينة في العصور القديمة.
وأعد المركز العربي للإعلام السياحي تقريرا عن حجم السياحة الوافدة إلى صلالة خلال العام الجاري، يبرز الارتفاع الكبير في أعداد السائحين.
وقال رئيس المركز سلطان اليحيائي لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): أظهر التقرير أن عدد زوار صلالة هذا الموسم، وتحديدا حتى منتصف شهر أغسطس اقترب من 700 ألف سائح، مقارنة بنحو 543 ألف سائح في نفس الفترة من العام الماضي، بنسبة نمو بلغت 26% ؛ شكل العمانيون ما نسبته 75.6% والإماراتيون 9.5% وبقية مواطني دول مجلس التعاون 8.9.%
وأشار إلى أن قائمة السائحين تنوعت ما بين سائحين قدموا برا من دول خليجية، وآخرين قدموا جوا، ومن بين القادمين هذا العام زوار من دول عربية يزيد عددهم عن 12 ألف زائر فيما بلغ عدد الزوار من الدول الأوروبية ألفي سائح تقريبا.
وأضاف اليحيائي أن مدينة صلالة شهدت خلال الشهر الماضي مؤتمرا دوليا للسياحة بحضور عدد كبير من الإعلاميين المتخصصين في المجال السياحي، وأكد المؤتمر على ضرورة إبراز المقومات السياحية العربية، لتنشيط السياحة العربية البينية، وتسليط الضوء على المدن السياحية العربية التي يجهلها الكثيرون من أبناء الخليج والعرب.
وأشار إلى أن وزارة السياحة بسلطنة عمان تنظم العديد من الفعاليات لدعم الحركة السياحية في صلالة ومختلف أنحاء السلطنة، مشيرا إلى أن السائح القادم إلى صلالة يجد الكثير من التسهيلات التي توفر له زيارة مريحة وممتعة. وأوضح أن السائح يحصل على مطويات خاصة بالإرشادات العامة ليحظى برحلة ممتعة في ربوع السلطنة.
وذكر أن صلالة تشهد نموا كبيرا في المشروعات الفندقية والمنتجعات ذات الخمس نجوم التي تتيح لكل زائر إقامة مريحة، خصوصا أن فترات الزيارة للسائحين قد تمتد إلى عدة أسابيع.