في سوق البلاط تمنح أملا ضد الأمراض المستعصية

تونس – «د.ب.أ»: على طول الممر الضيق لسوق البلاط داخل مدينة تونس العتيقة، تتكدس الأعشاب الطبية والبهارات أمام المحلات بينما يبدي «العشابون» إصغاء كبيرا وهم ينصتون من أمام محلاتهم إلى شكاوى زبائنهم بشأن متاعبهم الصحية.
يطرح الرجل الخمسيني توفيق بن يعقوب الأسئلة على الباحثين عن الشفاء في محله ويطلب المزيد من التفاصيل قبل أن يبدأ بتحديد الوصفة المناسبة ومن ثم يلف بعض الأعشاب والعقاقير. يقدم توفيق بن يعقوب «58 عاما» وهو رئيس «الجمعية العالمية للتراث والفنون والصداقة بين الشعوب» نفسه كشخصية متعددة المواهب والاهتمامات لكن أكثر أوقاته منصبة على التقصي حول آثار تونس المخفية بينما يتفرغ في النصف الثاني من النهار لمحل الأعشاب.
يقول توفيق: إن نشاطه مع الجمعية منصب على إعادة التراث الذي نهب من متاحف تونس خلال حقبة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، كما أنه يسخر وقته كما يقول لإعادة النظر في تاريخ تلك المسروقات وطرح إصلاحات لإحياء التراث الضائع.
لكن ومنذ استفحال النقص الحاد للأدوية الحساسة بسبب التهريب وتفشي الفساد في القطاع الصحي، أصبح محل توفيق ومحلات باقي «العشابين» (تجار الأعشاب) في سوق البلاط أكثر استقطابا للباحثين عن بدائل للأدوية الكيميائية المفقودة وللشفاء من الأمراض المستعصية.
وزادت ندرة الأدوية المضادة للأمراض المزمنة في الصيدليات بفعل التهريب من حاجة الناس المستهدفين إلى بدائل علاجية طبيعية بأقل كلفة ممكنة وبفعالية أكبر أحيانا.
ولا يحتاج «العشابون» إلى شهادات جامعية لإعداد العقاقير والوصفات المناسبة للأمراض، فخبرتهم الطويلة في حصر منافع كل نبتة برية واستخداماتها كفيلة بأن تجعلهم موضع ثقة واطمئنان من قبل المرضى.
مع ذلك فإن توفيق درس العلوم الكيميائية، ومنذ أن استلم إدارة الدكان في مطلع ثمانينات القرن الماضي خلفا لخاله الذي تولى إدارته منذ ستينات القرن الماضي، عمل طوال سنوات على توظيف معارفه الجامعية في هذا القطاع.
يروي بن يعقوب لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب.أ) بداياته مع المهنة قائلا: «أقعد المرض خالي عن مواصلته الإشراف على الدكان ومزاولة المهنة. توليت المسؤولية حفاظا على هذا الإرث من الضياع».
ويتابع كبير العشابين: «عدد صناع هذه المهنة بدأ يقل مع مرور الزمن. لكن أثبتت السنوات المتعاقبة أنه كلما ابتعدنا عن الطبيعة كلما زادت الأمراض، وأن حاجتنا إلى الأعشاب تظل قائمة في كل زمان».
شاعت مهنة التطبيب بالأعشاب في سوق البلاط منذ تأسيس الدولة الحفصية خلال القرن الثالث عشر، ولكنها ترسخت أكثر فأكثر بحسب المؤرخين مع قدوم الأتراك والأندلسيون والعلماء من المشرق العربي في فترات لاحقة. وأكسب هذا اليوم السوق شهرة عالمية.
ويعترف ابن يعقوب بأن الرصيد المعرفي والطبي الذي جلبه معهم الوافدون في القرون الماضية قد ساهم بشكل كبير في انتشار المهنة. ويعلق على ذلك قائلا «حتى اليوم نحن نتبع ما توصلوا إليه في مختبراتهم من وصفات ومقادير».
وكما تبين لافتة معلقة في مدخل المحل، وهي مجسدة لأحد العلماء العرب بمختبره، فإن تجارب وأعمال العلماء القدامي مثل ابن سينا والبيروني وابن الجزار القيرواني، تعد بالنسبة للعشابين في سوق البلاط مراجع أساسية في هذا المجال إلى جانب تجارب الصينيين القدامى.
تُجلب الأعشاب مثل الإكليل والزعتر والزنجبيل وأم الروبية والكلاتوس والشيح وغيرها، من عدة مناطق جبلية وصحراوية من بيئات تونس المتنوعة كما يتم جلب أعشاب أخرى نادرة من الشرق الأوسط ومن المغرب والسودان ومصر والهند. ومنح هذا التنوع الكبير في الأعشاب لقب «الصيدلية الطبيعية» لسوق البلاط، إذ إن أغلب الأعشاب التي يتم تسويقها ووصفها للمشترين تحتوي على العديد من المواد البيولوجية والمعادن الغنية مثل الكربوهيدارت والكاروتين وأملاح المنجنيز والمانيزيوم والبوتاسيوم.
وجميع هذه الأعشاب كما هو متداول بين التجار، فعال في علاج الأمراض الجلدية والقولون وصدمات الأمراض النفسية. كما تحد من آثار أمراض السكري، وتستخدم في علاج البرد وداء المفاصل وأمراض المعدة والكثير من المشاكل الصحية.
لا يخفي ابن يعقوب أن العلاج الطبيعي عبر الأعشاب مهنة بدأت تفقد انتشارها بسبب اتجاه الأجيال الجديدة إلى المهن العصرية وإلى الطب العصري لكن جزءا كبيرا من العائلات التقليدية أبقت على ثقتها في الأعشاب ومنافعها.
وعموما يظل الهاجس الأكبر للمقبلين على العلاج بالأعشاب، بحسب التاجر، يحوم حول مقاومة الأمراض السرطانية وحماية المناعة. ويعد هذا بمثابة التحدي الأكبر لتجار سوق البلاط والمحك الرئيسي لخبرتهم.
ويوضح توفيق بن يعقوب ذلك لـ (د.ب.أ) قائلا: «هناك تهافت كبير على الأعشاب المقاومة للأورام. نقدم للمرضى خليطا من الأعشاب الغنية بالمعادن مثل أم الروبية والسنجورة والريحان والتقف. يساعد هذا على الحد من انتشار الأورام وحماية مناعة الجسم مع شرط اتباع نظام غذائي محدد».
ويتمسك أغلب مرضى السرطان، ممن تبدي أجسامهم مناعة أطول لمقاومة المرض، بأمل التداوي عبر الأعشاب والمواظبة على ذلك بالتوازي مع طرق العلاج الكيميائية العصرية.
والشيخ مراد الذي أنهكه المرض وأفقده الكثير من الوزن، من بين الذين أبقوا على العلاج المزدوج لمكافحة السرطان، والهدف من تردده على السوق واقتنائه الأعشاب حسب قوله «الحفاظ على تدفق الدم في جسمه وتعزيز مناعته وحيويته». ومع أن سوق البلاط عرف كونه معقلا للأعشاب والحشائش والعقاقير الطبية، إلا أنه عرف كذلك كوجهة محببة للباحثين عن البخت وقضاء الحاجيات المستعصية مثل الإنجاب والتخسيس والعجز الجنسي، كما يقصد بعض الناس السوق لإبطال السحر ودفع أذى الحسد عنهم باقتناء الروائح والأبخرة والطيور والحيوانات المجففة.
يقول ابن يعقوب: «أهداف القاصدين للسوق مختلفة لكنهم جميعا يبحثون عن حل لمشاكلهم من الطبيعة. تمنحهم الطبيعة الأمل في وقت قد يفشل فيه الطب العصري في منحه لهم».