حديث بلغة «البانتومايم» الصامتة في ندوة فنية بالنادي الثقافي

ثلاث أوراق عمل تستعرض الجماليات المسرحية –

كتبت – شذى البلوشية –

حلّ الصمت مساء أمس الأول ضيفا في النادي الثقافي بندوة مسرحية أقامتها فرقة مسرح هواة الخشبة بدعم من اللجنة الوطنية للشباب، حيث تناول المتحدثون موضوع «فن البانتومايم» وهو فن التمثيل الإيمائي (الصامت)، وعرضت أوراق العمل نشأته وتاريخه وتطوره، والتجربة العمانية لاستخدام هذا الفن. ضمت الندوة ثلاث أوراق عمل قدمها كل من: الباحث والمسرحي الدكتور محمد الحبسي، والمسرحي الدكتور شاكر عبدالعظيم، والكاتب والمسرحي الدكتور سعيد السيابي، وأدار الندوة الكاتب والشاعر عبد الرزاق الربيعي.
بدأت الأمسية بورقة عمل قدمها الدكتور محمد الحبسي تناول فيها تاريخ «فن البانتومايم» في السلطنة، حيث أكد الحبسي في ورقته خلو المسرح العماني من تقديم عرض متكامل في كل المهرجانات المقامة بلغة البانتومايم الذي له تاريخه العريق، واستعاد الحبسي في ورقته الجانب التاريخي لهذا الفن، حيث قال الدكتور: من خلال البحث في المسرح العماني والرجوع إلى الأساتذة ذوي الخبرة في المجال المسرحي، أكدوا جميعا عدم وجود عروض مسرحية عمانية متكاملة تستخدم «فن البانتومايم»، ولكن بالرجوع إلى الأستاذ هلال الهلالي أكد أنه قد قدمت تمثيليات بسيطة التي لا تتجاوز مدتها الخمسة عشرة دقيقة حول هذا الفن».
وأضاف الحبسي: «في عام 1990 أقيم المهرجان المسرحي بتنظيم من وزارة التربية والتعليم، وتم خلاله استضافة فرقة مسرحية مصرية، قامت بتقديم عرض باستخدام «فن البانتومايم» بأداء الفنان الكبير أحمد بدير، ومنذ ذلك الحين لم تقدم الفرق المسرحية أي عرض متكامل باستخدام هذا العرض ماعدا بعض المشاهد في المسرحيات يؤدي فيها الممثل عرضه بالاعتماد على لغة الجسد والتمثيل الصامت».
وأوضح الدكتور الحبسي من خلال ورقته على أهمية هذا الفن المسرحي الذي يرقى ليكون المتصدر في العروض العالمية، ولكن رغم أهميته إلا أنه يحتاج إلى تدريب كبير وتعليم وتمكن من مقدرة الفنان على استخدام لغة الجسد.
واستعرض الحبسي التجربة العمانية الفريدة التي قدمها مهرجان البانتومايم «المسرح الإيمائي» بصلالة في عام 2013، وهو المهرجان الأول على مستوى الخليج الذي يقدم هذا الفن في مهرجان متكامل.
واختتم الدكتور ورقته بدعوة للمعاهد والكليات أن تقوم بتدريس هذا الفن كجزء أساسي من مقرراتها المسرحية، كما دعا الحبسي الفرق المسرحية لأن تهتم بفن البانتومايم، وتقدم نماذج حية لعروض باستخدام لغة الجسد. وقدم الدكتور شاكر عبد العظيم ورقته التي تناول فيها تاريخ فن البانتومايم، والجزء الحديث المتطور الذي ظهر مؤخرا في فرنسا.
استعاد المسرحي نشأة هذا الفن بحديثه عن أصل كل الحضارات البدائية التي بدأت صامتة وكانت تعتمد لغة الجسد، وقال عبد العظيم: «يمتلك هذا الفن الجماليات من خلال حركة الجسد أو تعابير الوجه، وقد بدأ في وقت متقدم لا سيما في الحضارة الإغريقية التي نشأ وتطور هذا الفن فيها، حيث احتضنته المجتمعات الريفية آنذاك، ووجدت ثلاثة نصوص مسرحية في الإسكندرية لهذا الفن».
وتطرق الدكتور إلى التسلسل التاريخي لهذا الفن الذي انتقل من الإغريق إلى الرومان بعد أن مرّ بصراعات طويلة بين الحضارتين، وأضاف: «ظهرت الكوميديا المرتجلة في العصور الوسطى بعد أن واجه الفن المسرحي في تلك الفترة العديد من الصراعات، وبقي فن البانتومايم هو السائد حينها، ومن أمثلة ذلك ما قدم في تلك الفترة لشكسبير العرض المسرحي (هاملت)».
وانتقل عبد العظيم في حديثه إلى التطور الذي بدأ يدخل فيه هذا الفن من خلال البداية المعاصرة للبانتومايم من خلال الاشتغال عليه من قبل الممثل الإيمائي والمسرحي الفرنسي «إتيان ديكرو»، وهو الذي أعاد لهذا الفن حضوره ووجوده، فقال الدكتور: «كان لفن التمثيل الإيمائي انقطاعات طويلة، وأعاد ديكرو حضور هذا الفن في المسارح من خلال تقديم عروض تعتمد على الإيماءات، فكانت عروضه أشبه بمعرض صور، حيث يعتمد في عروضه على عزل المشاهد والأفعال عن بعضها؛ لتكون صورة واضحة لما يود إيصاله للجمهور من خلال لغة الجسد فقط».
وأضاف في ورقته التي أسهب فيها عن التطور الذي طرأ على هذا الفن؛ حيث أكد أن الفنانين ديكرو، وجان دي بارو، ومارسيل مارسو هم عظماء فن البانتومايم في العالم، وهم الذين نقلوا هذا الفن نقلة عظيمة، وأوضح أن كل مسرحي منهم اعتمد تعريفا منفصلا لهذا الفن حيث قال: ديكرو يرى أن الصمت والصوت لا يمكن الفصل بينهما، مثال ذلك تصادم اليدين ببعضهما يصدر صوتا، كما كان ديكرو يهتم بالتقنيات في فنه، بينما يركز جان على الشخصية، واشتغل مارسيل على أدواته وتطويراته بأشكال متعددة، حيث كان يركز على أهمية التعبير عن الإنسان وعواطفه وروحيته.
وتتبع الدكتور شاكر عبد العظيم التطور في العصر الحالي، مؤكدا أن التكنولوجيا المعاصرة أظهرت فنين مختلفين هما: البانتومايم والمايم، وتطرق في ورقته للحديث عن الاختلاف بين هذين الفنين، حيث أكد على أن البانتومايم فن مقنن يقوم من خلاله الممثل بفعل معين واضح، بينما يتمتع فن المايم بحرية أكبر، وهو ما ظهر في فن الشارع وخيال الظل، وأضاف: «ابن دانيال في الموصل هو أول المشتغلين على هذا الفن في الوطن العربي، وذلك في عام 1248».
كما أكد عبد العظيم على أن فن البانتومايم يحتاج إلى جمهور مثقف وفاهم؛ لأنه يحوي إيماءات خاصة ذات رموز تعبيرية، فيما يرتبط فن «المايم» بالوجدان والذات.
اختتم الدكتور شاكر عبد العظيم ورقته بمقوله للفنان المسرحي ديكرو تقول: «يجد الممثل راحته في عدم الراحة».
وقدم أيضا الدكتور سعيد السيابي ورقته التي تطرق فيها إلى المعنى اللغوي لفن «البانتومايم» حيث أكد على أنه فن أقرب إلى الباليه، بينما المايم هو التمثيل الصامت، ويمكن أن يكون أقرب إلى البهلوان.
واستعرض السيابي النشأة والتسلسل التاريخي الذي بدأ فيه فن البانتومايم، وذلك في الحضارة الإغريقية لا سيما في الكنائس، وأكد على أن العديد من دول العالم لا سيما ألمانيا وفرنسا وأمريكا وكوريا والهند قدمت العديد من المهرجانات التي كان فن البانتومايم هو محورها.
وقال السيابي خلال الندوة: إن السبب في تطور هذا الفن يعود إلى اختلاف اللغات وتعددها في هذه الدول التي وجدت أن لغة الجسد هي التي لا بد أن تكون سائدة في عروضها المسرحية، وستكون متاحة لأكبر عدد من الجمهور المتلقي مهما اختلفت اللغة»، وأضاف: إن الحروب التي عاشتها الشعوب في أوروبا هيأت المناخ لهذا الفن للظهور سريعا ليكون أحد الطرق للتخفيف عن الناس.
كما تطرق الدكتور في ورقته للتجربة العمانية في المسرح الإيمائي، حيث أكد على أنه شارك إحدى الفرق الغنائية الشعبية بتقديم لوحة في السبعينات وظفت هذا الفن، كما أن العروض المسرحية المسرحية لا تخلو من مشاهد تعتمد فن البانتومايم، أبرزهم الفنان جاسم البطاشي الذي قدم عددا من المحاولات لتوظيف هذا الفن في عروضه، إلا أنه لم تظهر عروض بشكل مستقل مقدمة بالتمثيل الإيمائي فقط.