كتـاب يتنـاول نشـأة العـلـوم الطـبية فـي عصـر الحضـارة العـربـية الإسـلامـية

عمّان «العمانية»: يتناول الكتاب الأخير للباحث د.عميش يوسف عميش، محطات من تاريخ الطب ابتداءً من أصول الطب القديم في تاريخ البشرية حتى مراحل تطور العلوم الطبية في الحضارة العربية الإسلامية.
ويناقش الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة الأردنية تحت عنوان «نشأة العلوم الطبية في عصر الحضارة العربية الإسلامية وتطورها»، تاريخ التمريض، ويعرّف بمدارس ومعاهد التعليم عند العرب والمسلمين، وبالعلماء العرب الذين ساهموا وأبدعوا في نشأة العلوم الطبية وتطورها، كما يستعرض دور هؤلاء العلماء في تشخيص وعلاج بعض الأمراض، ويعرّف بالعلماء الذين قدّموا للعالم قبل ألف عام علم الأقرباذين أو الصيدلة.
وقد أقام منتدى الفكر العربي ندوة عن الكتاب، قال فيها الأمين العام للمنتدى د.محمد أبوحمور: إن هذا الكتاب يعرض لنماذج من التفكير العلمي والإبداعي في إطار ظروف تاريخية لم تكن فيها التكنولوجيا كحالها اليوم، مما يدلّ على العبقرية العربية والإسلامية في البحث عن حلول لتحديات طبية صحية وبيئية، لا تتعلق بتطور الطب والصحة العامة فقط وإنما أيضاً بتطور الثقافة المجتمعية والحس الإنساني وأيضاً سلامة القدرات البشرية لتعزيز الاقتصاد والإنتاج في المجتمع.
وأضاف أبو حمور أن الاستفادة من خلاصة الخبرات التاريخية في هذا المجال ما تزال ممكنة حتى اليوم؛ لأن التراث الطبي فكراً وممارسة، كما كل تراث إنساني، ينبغي أن يستفيد منه الجميع وأن يوضَع في خدمة البشرية.
وفي عرضه لموضوعات كتابه، قال عميش: إن ما تم إنجازه في مجال العلوم الطبية في إطار الحضارة العربية الإسلامية كان وسيظل تراثاً خالداً يلهمنا في حاضرنا ويدفعنا إلى مستقبل زاهر. وأضاف قائلاً: «هذه الحضارة جمعت العلماء من كل جنس ودين وطائفة، واحتضنتهم، وشجعتهم، وأتاحت لهم المناخ الملائم والمجال الواسع والإمكانات لينتجوا بغزارة في مجال العلوم، ويتبنّوا طلاباً كثيرين، فيعلمونهم، ويقوم هؤلاء من بعد بدورهم بتعليم غيرهم من الأجيال الجديدة». وتابع بقوله إن هذه الحضارة استطاعت أن تفرز العلماء الذين درسوا تاريخ الأمم والحضارات الأخرى التي سبقتنا، مثل البيروني في دراسته لحضارة الهند وعقائدها، ومن ثم تمكين هؤلاء من استخدام مواهبهم وإجراء تجاربهم والاهتمام بالمنهج العلمي التجريبي الذي ابتكره العلماء العرب.
ودعا عميش إلى التمسك بمنهج البحث العلمي كوسيلة لتحديث العلوم بمجملها، وخاصة العلوم الطبية، مؤكداً أهمية الارتباط بتراثنا العربي الإسلامي، والالتزام بقواعد ممارسة مهنة الطب وآدابها وأخلاقياتها الإنسانية، وإزالة الصبغة التجارية عن فروع العلوم الطبية.
ومن جهته أشار الأكاديمي د.عدنان بدران في مداخلة له، إلى أن الكتاب يشكِّل إضافة نوعية للمكتبة العربية، إذ جمع المؤلف بين حقلين أجاد بهما: الأول تخصصه في الطب، والثاني المظاهر الفلسفية والحضارية والتاريخية للطب البديل في العالم القديم. وأضاف أن هذا الكتاب جاء بأسلوب مبسط سهل تقيَّد المؤلف فيه بالأمانة العلمية لفتح الباب أمام القراء للاستفادة من مضامينه مهما كانت ثقافتهم وتخصصاتهم.
وأوضح بدران أنه بينما كانت أوروبا تعيش في عصور الظلمات (476-1000م) كان العالم العربي والإسلامي يعيش في عصر التنوير في تلك الحقبة (650-1100م)، إذ كان الاجتهاد والاختراع والبحث والتأليف والتنقيب والترجمة مفتوحة على مصراعيها، وبرز علماء متميزون مثل ابن سينا والرازي وابن الهيثم وابن النفيس والزهراوي، قدموا المعرفة العلمية للإنسانية جمعاء في مجالات أسهمت في تطور الحضارات وفي ابتعاث حركة التنوير والحضارة الأوروبية الحديثة.
وأضاف بدران أنه بظهور الإسلام ظهرت آيات قرآنية تحث على النظافة وصحة الإنسان، كما جاءت أحاديث نبوية كثيرة في صحيح البخاري حول صحة الماء والغذاء، وظهر الطب البديل الذي استمر حتى يومنا هذا، والطب الروحي والنفسي، والمداواة بالأعشاب وتحسين نوعية الغذاء واكتمال عناصرها التي يحتاجها الجسم، وممارسة الرياضة وإعطاء الجسم ساعات كافية من الراحة والنوم.
وأوضح أن نشأة العلوم الطبية في عهد الحضارة العربية الإسلامية كانت تشكل تجميعاً للمعارف والأفكار والتجارب التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً مع مدرسة أبقراط الطبية، ومذهب جالينوس الطبي، وأن العلماء المسلمين ساهموا في تصحيح كثيرٍ من المفاهيم الطبية، وأضافوا عليها من بحوثهم ومشاهداتهم العلمية الكثير مما صنع العصر الذهبي للطب العربي الإسلامي خاصةً خلال القرنين العاشر والحادي عشر.
وقال الكاتب الصحفي د.زيد حمزة: إنّ عميش في كتابه تناول إنجازات العلماء العرب الرواد الذين ساهموا وأبدعوا في نشأة العلوم الطبية وتطورها، وأنه ثبت حياة عدد كبير من هؤلاء، وهم جميعاً محطّ تقدير العلماء في جميع أنحاء الدنيا حتى الآن لدورهم المهم في رفد مسيرة التقدم في علوم الطلب.
وأضاف حمزة أن المؤلف ناشد الشباب كي يحملوا لواء التواصل مع العلوم ومواكبة منجزات العصر، كما توقف عند المعارف المتراكمة منذ الحضارات السابقة بما فيها حضارات الفراعنة واليونانيين والرومان والبابليين والفرس والبيزنطيين والهنود والصينيين، وفي ذلك إشادة بدور الإنسان أياً كانت قوميته وأياً كان دينه في تقدم العلوم الطبية لخدمة البشر جميعاً.
وأشار ميشيل حمارنة إلى ما نوه به عميش في كتابه من دور بارز وأساسي للإسلام في الحضارة الإنسانية، حيث بدّد ما كان يسود العالمَ وقتَ ظهوره من التخلف والجهالة، خاصة في مجال الصحة ومعالجة الأمراض التي كانت تعتمد على السحر والكهانة والتمائم، وكذلك انتشار الأساطير والخرافات وممارسة الشعوذة.
وأوضح حمارنة أن العرب والمسلمين أقدموا على التغيير والتطوير في هذا المجال ونجحوا بتفوق، على الرغم من صعوبة واستحالة تغيير المعتقدات والممارسات في أيّ زمن من الأزمان.
ولفت إلى أن الكتاب أبرزَ دور المرأة عمّا سمّاه بداية التمريض في تاريخنا، فتحدث عن «الآسيات» (أو الأواسي)، وهنّ النساء اللواتي عملنّ على إسعاف المقاتلين في المعارك.
وقد كان التمريض من اختصاص فضليات النساء العربيات اللواتي اعتبرنه واجباً. وأكد حمارنة أن المؤلف أراد من كتابه تمهيد طريق من بين طرق عدة للإعلان عن الجهد العربي والإسلامي والمشاركة الفاعلة من أمتنا العربية والإسلامية في الحضارة الإنسانية بعد أن تراجعت أعمال التأليف والترجمة في نشاطات هذه الأمة في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى العلم والتنوير.