دروس من «سلام ويستفاليا» للشرق الأوسط

آندرياس كلوث- هاندلسبلات – ترجمة قاسم مكي –

قبل أربعمائة عام بالضبط قذف البروتستانت في براغ بثلاثة كاثوليك ممثلين للإمبراطورية الرومانية المقدسة من نافذة بالطابق الثالث. نجا الكاثوليك الثلاثة إما لأنهم سقطوا في كومة من روث الأبقار (رواية البروتستانت) أو بفضل العناية الإلهية (الرواية الكاثوليكية.) أطلق هذا الإلقاء من النافذة سلسلة من الأحداث لم يكن في مقدور أي أحد توقعها ولا تزال محيرة حتى اليوم. وكانت النتيجة أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية (ألمانيا الحالية تقريبا) ظلت على مدى ثلاثين عاما ميدانا للقتال. ومات واحد من بين كل ثلاثة من سكانها بل في بعض المناطق اثنان. لكن قبل 370 عاما وبعد خمسة أعوام من المفاوضات المتطاولة وضع أمراء وقوى أوروبية أخرى حدا نهائيا لحمام الدم ووقعوا على ثلاثة من أشهر المعاهدات في التاريخ. (شكلت في مجموعها ما عرف باسم سلام ويستفاليا ووقعت عام 1648 . أنهت هذه المعاهدات حرب الثلاثين عاما 1618-1648 ودشنت بداية النظام العالمي الحديث الذي يرتكز على مفهوم السيادة الوطنية- المترجم) أنجب «سلام ويستفاليا» نظام الدول الحديثة. ومن الممكن أن يكون لذلك أهمية خاصة لكل من يعنيهم أمر الشرق الأوسط اليوم. هذا على الأقل افتراض العديد من الساسة والعلماء الألمان الذين يرجح أنهم أكثر إلماما بحرب الثلاثين عاما قياسا بزملائهم الأنجلوساكسون مثلا. فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ذكرت مؤخرا أن مقارنة الصراع الحالي في سوريا بحرب الثلاثين عاما «ليست غير ملائمة» وفي أثناء توليه وظيفته السابقة كوزير للخارجية كان الرئيس الألماني الحالي فرانك فالتر شتاينماير يرى أن « سلام ويستفاليا لا يمكنه تزويدنا بنموذج للسلام في الشرق الأوسط. لكننا إذا أمعنَّا النظر ربما يمنحنا أدوات وطرائق وأفكار لمثل هذا النموذج.» وخصصت الوكالة الفيدرالية للتعليم المدني في ألمانيا عددا كاملا من مجلتها المرموقة لهذا الأمر. ما الذي يجعل المقارنة مغرية إذن؟
أولا، لقد اشتعل كلا الحريقين (حرب الثلاثين عاما والحرب الأهلية في سوريا) في «دولتين فاشلتين» إذا استخدمنا مصطلحا حديثا. فخلافا للملكيات الفرنسية والإسبانية والإنجليزية، أخفقت الإمبراطورية الرومانية المقدسة في «مَرْكَزَة» السلطة. وبعد قرن لاحقا سيسخر (الكاتب الفرنسي) فولتير منها بقوله أنها «ليست مقدسة ولا رومانية ولا إمبراطورية.» وعلى نحو مماثل افتقرت سوريا ودول أخرى في المنطقة منذ الربيع العربي إلى حكومات متماسكة.
ثانيا، يواجه الشرق الأوسط كله، كما كانت هي الحال في أوروبا الوسطى، تصدعات (انقسامات) طائفية. وفي ألمانيا طرحت حركة الإصلاح الديني أسئلة دقيقة ولكنها لم تحلها حول التوازن بين الكاثوليك والبروتستانت في الإمبراطورية وداخل كل إمارة من إماراتها. وعلى نحو مماثل ينقسم الشرق الأوسط اليوم بين مذهبي الإسلام السني والشيعي. ولأن هناك اعتقادا لدى البعض بأنهم يحاربون من أجل الحقيقة اللاهوتية صار الوصول إلى حل وسط مراوغا، حسبما يعتقد هارفرايد مونكلر، أستاذ السياسة بجامعة همبولدت في برلين.
ثالثا، وقتها كما هي الحال الآن، شكلت هذه الجغرافيا الطائفية منصة لدفع «سياسة القوة التي لا ناقة لها ولا جمل في الخلاف الطائفي» والتي يعتمدها اللاعبون الخارجيون إلى شغل الفراغ. وبذلك صارت حرب الثلاثين عاما مواجهة بين القوى العظمى الإقليمية مثل النمسا وإسبانيا وفرنسا والدنمارك والسويد. والشرق الأوسط اليوم يشكل رقعة شطرنج للصراع بين قوى إقليمية سنية وشيعية ولكن أيضا لإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة. هذه المصالح المتراكبة فوق بعضها البعض تغطي على الانقسامات الدينية. لقد كانت إمارة سكسونيا البروتستانتية في فترات مختلفة خلال القرن السابع عشر تؤيد الإمبراطور الكاثوليكي. والسويد البروتستانتية كانت تحارب بنفس القدر الدنمارك البروتستانتية وهكذا. واليوم نجد تركيا السنية وروسيا الأرثوذكسية وإيران الشيعية على نفس الجانب (مع الأسد) في سوريا. وكما أن لدى حرب الثلاثين عاما مرحلة بوهيمية ومرحلة دنماركية ومرحلة سويدية يبدو أن الصراع في الشرق الأوسط لديه مرحلة فلسطينية ومرحلة لبنانية ومرحلة يمنية ومرحلة كردية ومرحلة سورية من بين مراحل أخرى. رابعا، يجري خوض كلا الحربين ليس فقط بواسطة دول ولكن أيضا بمليشيات خاصة. فقبل أربعة قرون شملت هذه المليشيات مستثمري حروب استخدموا جيوشا. واليوم تتراوح هذه المليشيات بين جماعات متمردة كردية وسورية إلى شبكات إرهابية. هذا التواجد للمتربحين من القتال والذين تعني لهم الحرب نموذجا من نماذج العمل التجاري يجعل الوصول إلى هدنة هدفا مراوغا كما في الماضي، بحسب مونكلير. ورغما عن ذلك انتهت حرب الثلاثين عاما في النهاية. لذلك يمكن أن تنتهي الحرب الشرق أوسطية أيضا.
ماهي إذن تلك «الأدوات والطرق والأفكار» التي عناها فرانك فالتر شتاينماير والتي يمكن لواضعي السياسات اليوم اقتراضها من سلام ويستفاليا؟ تعتقد أليزابيث فون هاميرشتاين، الخبيرة بمركز الأبحاث «كوربر ستيفتنج» في برلين، أن أول شرط مسبق لذلك إدراك مجموعة معقولة من المشاركين في الحرب بأنها حرب لا يمكن كسبها. أي لا يمكن لأي لاعب أن يحقق فيها الغلبة لكن في مقدوره منع الآخرين من الانتصار. والشرط الثاني هو أن تقرر هذه المجموعة من المحاربين السابقين أو القوى الخارجية عند دخولها المفاوضات وجوب تحييد المسألة الطائفية. أي على كل الأطراف الكف عن ادعاء امتلاك «الحقيقة» اللاهوتية وذلك بفصل الولاء الطائفي عن السياسة. والمطلب الثالث هو موافقة المتفاوضين على العفو العام عن كل الفظاعات والمظالم التي حدثت.
من الصعب تخيل حدوث ذلك في الشرق الأوسط اليوم. لكن ذلك أيضا كان كذلك في ألمانيا في أربعينيات القرن السابع عشر. لقد أوضحت ويستفاليا أنه لا يمكنك الحصول على السلام والعدالة في نفس الوقت.
رابعا، هنالك حاجة إلى مؤسسات إقليمية جديدة لمعالجة النزاعات من خلال التحكيم بدلا عن العنف. في الإمبراطورية الرومانية المقدسة تمثلت تلك المؤسسات في هياكل كونفيدرالية (ليست غير شبيهة بتلك الخاصة بالاتحاد الأوروبي اليوم). وفي الشرق الأوسط سيلزم إنشاء منابر التحكيم هذه من الصفر. خامسا، يجب أن تضمن القوى الخارجية المذكورة وعلى نحو يتصف بالصدقية معاهدة السلام كما فعلت في عام 1648. وهو ما يعني عمليا مراقبة التزام بعضهما البعض وكذلك وفاء الأطراف الموقعة على المعاهدة في المنطقة بشروط المعاهدة. أي أن على روسيا والولايات المتحدة إلى جانب القوى الإقليمية المعنية لعب أدوار مماثلة لتلك التي لعبتها فرنسا وإسبانيا والنمسا والدنمارك والسويد وقتها. كل هذا يبدو شيئا لا يمكن تصوره اليوم ولكنه كان كذلك قبل أربعة قرون مضت.

• الكاتب رئيس تحرير الملحق الدولي «هاندلسبلات جلوبال» لصحيفة هاندلسبلات الألمانية