التهدئة في غزة .. حلم يتهاوى بضربات الأصدقاء والأعداء

أشرف ابوالهول –

كشف الموقع العبري، عن قيام سلاح الهندسة بالجيش الإسرائيلي، بالبدء في إنشاء مواقع جديدة، بالقرب من حدود قطاع غزة، للتدرب على الكشف عن الإنفاق ومحاربتها، والتسريع في عمليات تطوير وسائل الكشف عن الإنفاق ومحاربتها.
رغم التصريحات المتفائلة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية قبل أسابيع والتي أكد فيها أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة أمام مشهد جديد على صعيد الحصار الذي مضى عليه أكثر من 13 عاما وأن غزة في طريقها لإنهاء هذا الحصار وذلك في إشارة لقرب توقيع اتفاق التهدئة والهدنة مع إسرائيل تحت رعاية مصر إلا أن الواقع على الأرض يشي بغير ذلك حيث تظهر كل يوم عقبات أمام التوصل لمثل هذا الاتفاق بعضها فلسطيني داخلي وبعضها إسرائيلي داخلي والمحصلة واحدة وهي تراجع احتمالات التوصل لمثل هذا الاتفاق وإن لم تنتهِ تماما .
وحسنا فعل إسماعيل هنية عندما أكد أن مثل هذا الاتفاق لن يكون مرتبطا بما يسمى (صفقة القرن) أو الفصل بين غزة والضفة، وان حماس لن تتخلى عن الثوابت والبندقية، إلا أن هذا التأكيد مازال يبدو غير مقنع للسلطة الفلسطينية، التي تعتقد وبقوة بأن المشاورات حول التهدئة تجاوزتها، وأن حماس تسعي لأن تحل محلها على الساحة الدولية، بل وتعتقد أن الاتفاق المراد التوصل إليه يمهد الطريق لتنفيذ ما يسمى بصفقة القرن وانه سيفصل الضفة عن غزة نهائيا.
والملفت للنظر في موقف السلطة الفلسطينية من المشاورات التي استضافتها مصر من أجل التوصل لتهدئة طويلة الأمد في غزة هو تجاهل السلطة لحقيقة أن أهم مسار في تلك المشاورات هو ما يتعلق بالمصالحة الداخلية الفلسطينية حيث نجحت القاهرة في إقناع الطرف الإسرائيلي بالتخلي عن معارضته للمصالحة الفلسطينية وربطها بالتهدئة وبالتالي فإن عملية إعمار غزة ورفع الحصار عنها لن تتم إلا بواسطة حكومة الوفاق الوطني وليس أي طرف آخر ..
وفي الوقت ذاته تعتبر السلطة الفلسطينية أن المشاورات تمت بعيدا عنها رغم أن مصر أبلغتها بشكل مسبق وانتظرت حضور مندوبيها ولكن أحدا لم يحضر لأسباب غير منطقية حيث أكد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، أن حماس تنفرد بالاتفاق مع إسرائيل وهو ما يمثل تدميرا للمشروع الوطني الفلسطيني معتبرا أن مثل هذا الاتفاق إن تم سيمهد لتنفيذ صفقة القرن وفصل غزة عن الضفة نهائيا ..
وعلى الجانب الإسرائيلي تتزايد الضغوط على حكومة بنيامين نتانياهو للتراجع عن موافقتها المبدئية غير الرسمية على اتفاق التهدئة الذي يتضمن تبادلا للأسري مع حماس ومصالحة فلسطينية داخلية والبدء في إعمار غزة بعد رفع الحصار عنها حيث كشف استطلاع للرأي نشره موقع «واللا» الإسرائيلي، معارضة معظم ناخبي «الليكود» لأي اتفاق للتهدئة في قطاع غزة ..
وبحسب الاستطلاع الذي أجراه معهد «بانلز بوليتيكس» فإن 41% من الذين عرّفوا أنفسهم على أنهم من أنصار الليكود يعارضون اتفاقية التهدئة المفترضة، مقابل 28% يؤيدونها، فيما أشار الاستطلاع إلى أن 40% من مجمل الإسرائيليين المستطلعة آراؤهم يعارضون التهدئة و27% يؤيدونها
ولا يتوقف الرفض المتزايد لاتفاق التهدئة المزمع علي الشارع الإسرائيلي بل إنه يضرب حكومة نتانياهو نفسها حيث نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، في أعقاب ورود الأنباء عن الاتفاق المزمع عن وزير التعليم ورئيس حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت قوله إن أفيجدور ليبرمان وزير الدفاع وزعيم حزب «إسرائيل بيتنا» اختار استسلاما سيجلب الحرب علينا جميعا وان موافقة وزير الدفاع على ذلك الاتفاق هو هراء مطلق وعدم مسؤولية.
وأضاف بينيت أن «ليبرمان نفسه الذي صرح بأنه سيدمر حماس ويصفي إسماعيل هنية، يمنحهم الآن جوائز على حساب أمن إسرائيل، وقال إن السياسة الواهية التي يتبعها ليبرمان تحت غطاء المسؤولية والبراجماتية، مكنت حماس من إحراق الجنوب طوال 140 يوما والإملاء على السكان هناك متى ينزلون إلى الملاجئ ومتى يخرجون منها وذلك في إشارة للطائرات الورقية الحارقة التي يستخدمها الفلسطينيون على حدود غزة منذ نهاية مارس الماضي، وأضاف «بينيت» إن من يستسلم للإرهاب، يجلب الإرهاب. وليبرمان استسلم. وتوجهه للتهدئة يشكل خطرا على إسرائيل وسيؤدي إلى مواجهة لا يمكن منعها وستملي حماس التوقيت المريح لها».
أما المستشرق مردخاي كيدار، الباحث بمركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية، فقد هاجم بقوة اتفاق التهدئة، قائلا إن «إسرائيل تعمل ضد مصالحها، وتخدع مواطنيها، رغم أنها تعلم أن حماس سعت للتهدئة بعد تراجع التمويل الإيراني عنها بسبب العقوبات الدولية عليها، مع أن هذا الوقت المناسب اليوم للطلب من حماس إعادة الجنود والمفقودين لديها».
وأضاف إنني «قلق من تفاصيل اتفاق التهدئة الذي يشمل إقامة ميناء فلسطيني في قبرص، التي تبعد 250 كيلومترا عن البحر، وأسأل: من سيرافق هذه السفن القادمة إلى غزة، ومن يضمن ألا تتوجه إلى لبنان لتحميلها ببضائع أخرى».
وختم بالقول: «من يضمن ألا تنشئ حماس خلال سنوات التهدئة مصنعا لإنتاج الصواريخ القادرة على أن تطال كل مساحة إسرائيل من رأس الناقورة إلى إيلات، أو تقوم بإنشاء أنفاق هجومية جديدة، كل ذلك يجعل إسرائيل لا تسارع في التوقيع على الاتفاق قبل معرفة تفاصيل التفاصيل».
وهكذا فإن كل يوم يمر يجعل التهدئة أبعد لأن الضغوط تتزايد من أجل عدم قيام الفصائل الفلسطينية بإبرام اتفاق بشأنها سواء من جانب الصديق الفلسطيني أو العدو الإسرائيلي ولكن يبقى الضغط من جانب السلطة الفلسطينية هو الأخطر لأنه يستخدم فزاعة لا يمكن الوقوف في وجهها وهي أن الاتفاق يمثل جزءا من صفقة القرن التي يعكف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومساعدوه على إعدادها ..
وبدلا من الكلام عن التهدئة عادت الصحف والمواقع الإسرائيلية تتحدث عن احتمالات المواجهة العسكرية في غزة حيث ذكر موقع «واللا» الإسرائيلي، في تقرير نشره مؤخرا، أن الجيش الإسرائيلي، يستعد لاحتمالات قيام حماس، باستخدام أنفاقها الهجومية، وتنفيذ عمليات عسكرية، داخل الأراضي الإسرائيلية.
وقال الموقع الإسرائيلي، إن تقديرات الجيش تشير الى أن حماس قد تصل الى حالة يأس من عدم التوصل الى تهدئة، وتقرر تنفيذ عمليات عن طريق الأنفاق ..
وكشف الموقع العبري، عن قيام سلاح الهندسة بالجيش الإسرائيلي، بالبدء بإنشاء مواقع جديدة، بالقرب من حدود قطاع غزة، للتدرب على الكشف عن الإنفاق ومحاربتها، والتسريع في عمليات تطوير وسائل الكشف عن الأنفاق ومحاربتها.
ووفقا للموقع الإسرائيلي، سيتم إنشاء مثل هذه المواقع التدريبية، في مناطق الجبهة الشمالية، على الحدود مع لبنان.
وأشار موقع «واللا»، الى أن وزارة الدفاع ، أنهت مؤخرا جزءا كبيرا من أعمال بناء الجدار العازل على طول الحدود مع قطاع غزة، ووضع الحساسات الإلكترونية داخل الجدار.
ومن خلال متابعتي للتطورات في إسرائيل والأراضي الفلسطيني فان سيناريو المواجهة العسكرية ربما بات هو الأقرب لأن إمكانية موافقة إسرائيل على اتفاق للتهدئة بالشروط التي تحدث عنها الإعلام العبري وبدون أثمان سياسية كما قال إسماعيل هنية باتت شبه مستحيلة الآن ، وبالتالي فلن يكون أمام الاحتلال في حالة رفض الفصائل الفلسطينية تخفيف مطالبها إلا شن عدوان واسع النطاق على غزة لإجبارها على وقف إطلاق الطائرات الورقية الحارقة.
وعلى الجانب الفلسطيني فإن الفصائل المشاركة في المشاورات ربما تتراجع الواحدة تلو الأخرى، ماعدا حماس عن موافقتها على التهدئة، خوفا من اتهامها بأنها تشارك في تنفيذ صفقة القرن، رغم أن هذه الصفقة ما زالت في علم الغيب، وكل ما يتردد عنها مجرد تسريبات لجس النبض، أو فبركات صحفية والذي سيدفع ثمن هذا التراجع هو أبناء قطاع غزة.