أفلح الخليلي: الوصيّة عقد حضاري حفظ الله تعالى به حقوق العباد

تبرع مضاف لما بعد الموت أولاه القرآن عناية بالغة متكررة –
متابعة: سيف بن سالم الفضيلي –
أكد فضيلة الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي الباحث الإسلامي بمكتب الإفتاء: إن الوصية حكم شرعي أولاها القرآن عناية بالغة متكررة ومن المهم أن نعنى به وهو عقد حضاري حفظ الله تعالى به حقوق العباد ربط به بين أواصر الأسر لأن الوصية تشمل الوصية للأقربين الذين لا يرثون؛ وتلك الوصية كثيرا ما يكون لها الأثر البالغ العظيم في إزالة سخائم النفوس.. وإلى ما جاء في المحاضرة الموسومة بـ(أحكام الوصية) في حلقتها الأولى.

صدر فضيلته المحاضرة بقوله: الوصية من الأحكام المهمة التي أولاها كتاب الله تعالى عناية بالغة متكررة في عدة مواطن منه وعبر عن ذلك بعبارات دالة على عظم أهميتها فالله تعالى ذكرها مثلا في سورة البقرة عندما قال: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) وذكر الله تعالى ذلك في آيات المائدة وهي من أواخر ما نزل من القرآن وأقر فيها عند عدم توفر الشهود العدول من المسلمين تحديدا دون بقية الأحكام شهادة المشركين من اجل الحفاظ على الوصية في بعض الأحوال وان قال كثير من العلماء بأن حكم الآية منسوخ لكنهم لم يقدموا بين يدي هذه الدعوة شهادة عدل كافية لإقرار النسخ فيها.
وأضاف: والله أيضا ذكر أحكام الوصايا وكرر فيها (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)، (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) من بعد وصية توصون بها أو دين) (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) وبعد كل تلك الوصايا وتلك الأحكام قال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ). وأوجز فضيلته تعريف (الوصية) بأنها تبرع مضاف لما بعد الموت.
وأوضح: طالما انه تبرع فهذه الكلمة تحـــــــديدا تبين لنا نوع العقد فالعقد هو عقد تبرع وليس عقد معاوضة، فتجري عليه جملة من أحكام التبرعات، ولهذا بناءً على هذه الكلمة يمكن ان يتنازل أحيانا عن بعض الشروط التي تشترط في عقود المعاوضــــات لان عــــقود التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفـــــر في عقود المعاوضات، وبناء على ذلك رخّص جماعة من أهل العلم في الجهالة في عقد التبرعات، ومعنى الجهالة في عقد التبرعات، عندما تستلم هدية من دون ان تعرف ما في الغلاف، يصح لك ان تقبلها دون أن تعرف.
ويشير إلى ان في عقد التبرع أيضا يصح لك قبل أن تفتح الهدية أن تعطيها لغيرك وأن تتبرع بذلك بناء على الأصح من القولين وإلا بعض العلماء يمنع ذلك.
ويبيّن فضيلته انه بناء على ذلك عقد الوصية عقد تبرع يغتفر فيه في بعض الأشياء، لكن هذا لا يعني أن أحكامه خالية من الشروط والضوابط، بل له جملة من الضوابط المتعددة التي تؤكد ضرورة الالتزام بها وهو عقد يظهر لك بعد موتك وبما أنه عقد يستمر عطاؤه بعد موتك فمن المهم أن تحكم ضبط هذا العقد لأنك إذا لم تضبط عقدك فقد وقعت في خطأ يمتد إلى ما بعد موتك، وبالإضافة إلى ذلك ربما يكون هذا الخطأ سببا من أسباب شقاق بين الورثة وقد يكون سببا للشقاق بين الورثة أنفسهم أو بين الورثة وبين الموصي لهم فمن المهم ان تكون الوصية مشتملة على كل ضوابطها الشرعية.

تطفئ فتنة

ويقول أفلح الخليلي: وبما أن الوصية حكم شرعي فمن المهم ان نعنى به لكنه بالإضافة على ذلك هو عقد حضاري حفظ الله تعالى به حقوق العباد وبالإضافة إلى ذلك ربط به بين أواصر الأسر لان الوصية تشمل الوصية للأقربين الذين لا يرثون وتلك الوصية كثيرا ما يكون لها الأثر البالغ العظيم في إزالة سخائم النفوس، فأحيانا توجد خصومات بين الأحياء لكن عندما يوصي الواحد منهم بوصية لأقربائه فينال خصمه ريالات معدودة وربما لا تبلغ الريال تكون لذلك المبلغ البسيط أثر عظيم في إطفاء فتنة كانت مستعرة وبالإضافة إلى ذلك ربما يكون ذلك الريال يجلب لك دعوات عظيمة من أناس صادقين ربما يكون ذلك الريال لدعوات من طفل لم يعصي الله طرفة عين ولهذا تمثل الوصية كما قلت أهمية بالغة.
وهي بالإضافة إلى ذلك تمثل ثروة نقدية لأن الوصايا في كل عام في قطرنا مثلا فيما أتصور ربما تبلغ الملايين لان كثيرا من الناس يوصون بثلث أموالهم او ما يقارب ذلك وهي أموال لا يحسن كثير من الناس توجيهها الوجهة المرضية.
وذكر فضيلته انه يوجد شخص منذ موته إلى اليوم أكثر من ثلاثين عاما والى اليوم لا يمضي عام حتى يحج عنه حاج، الحج عن الميت مهم لكن توجد أبواب خير وأبواب فضل اهم وأولى من ذلك، يوجد ميت أوصى بحج أربعين حجة بعد موته.
وربما يوصي موص بذلك وعليه حقوق لله تعالى أو حقوق لعباد الله تعالى دون ان يؤديها وربما يوصي بهذه الوصايا الكثيرة وينسى الوصية للأقربين أو يقلل مقدارها بحيث تكون وصية الأقربين وهي الوصية التي اكدها القرآن العظيم تأكيدا بالغا يبقي لها مبلغ يسير جدا.
ومضات..

وقدم فضيلته ومضات حول قول الله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) الله تعالى في هذه الآية بدأها بأمر واضح عبر عن هذا الأمر بتعبير دال على الثبوت واللزوم فقال (كُتِبَ) وكلمة (كُتِبَ) من ألفاظ الوجوب الدالة عليه ثم أتبع كلمة (كُتِبَ) بـ (عَلَيْكُم) وكلمة (عَلَيْكُم) بحد ذاتها تدل على الإلزام حينما يقال عليك ان تفعل كذا أي يلزمك ان تفعل كذا (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ) كلمة (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ليس المراد منها ان يؤخر الإنسان وصيته حتى يفاجأ بريب المنون وإنما عليه ان يعد الأمر قبل ذلك لان الله تعالى عندما يوصي أو يأمر بأحكام غير معقولة الأمد هو يدل على التعجل فيها، الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ومعنى (وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) عندما يأتي الموت أو ملك الموت ان يتأخر عنه وإنما يكون مستعدا للموت، فإذا جاء أحدكم الموت دال على التعجيل بالأمر وإذا ظهرت أمارات الموت فالموت يتأكد أكثر وأكثر ولهذا إذا أقبل الإنسان على المخاطر فتتأكد عليه الوصية أكثر وأكثر لأنه أقبل على أمر قد يفقد فيه حياته فمن لامهم ان يعد العدة لذلك ومن ضمن العدة لذلك هي عدة الوصية.
ولذا نص أهل العلم على ان من ركب بحرا وكان البحر آنذاك مخوفا أو من سافر سفرا طويلا وهكذا من أراد الحج أو من تعرض لمرض أو لغير ذلك من الظروف التي تدفعه أجارنا الله تعالى وإياكم إلى الموت فلا بد أن يكون مبادرا ومعجلا.
ونبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، عبّر بتعبير يدل على الاستعجال فقال كما في رواية الإمام الربيع: (لا يحل لامرئ مسلم ان يبيت ليلتين وفي رواية «ثلاث ليال» إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه، ولهذا الحديث يبدأ أولا بكلمة (لا يحل) وهي كلمة دالة على حرمة الأمر وهو حرمة ترك الوصية، وإذا كان ترك الوصية لا يحل، فكتابة الوصية يعتبر واجبا، وذكر الكتابة وعبّر عنها مع ان الوصية لا يشترط كتابتها يمكن ان تكون شفوية وتترتب عليها آثارها، لكن التعبير بالكتابة لأنها أرسخ ولأن الشهود الذين تشهدهم قد تشاء إرادة الله تعالى ان يتقدموا ولهذا هذا الإنسان لا يعرف من المتقدم ومن المتأخر، فمن المهم ان تكون الوصية مكتوبة لان الكتابة ادعى لاستمرار. وفي رواية جماعة من رواة الحديث (ما حق امرئ مسلم) (ما حق) وهي دالة على الوجوب لأنها متضمنة لنفي الحق وعبرت أيضا بالليلتين وفي بعضها بالثلاث، فدلالة الحديث تؤكد الاستعجال وتؤكد الوجوب.
وتتمة الآية (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أَحَدكمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) فالوصية واجبة على من ترك خيرا أو مالا.
الوصية عقد تبرع والتبرع يتبرع به من كان واجدا اما من لم يكن واجدا لشيء من المال فقد رفع الله تعالى عنه التكليف في هذا الجانب والله تعالى إذا سلب ما وهب أسقط ما وجب. وهذا من فضل الله تعالى انه لا يكلف نفسها إلا وسعها ولا يكلف نفسا إلا ما آتاها.
وهذا الأمر جليّ في الحديث نفسه لأنه يعبر (لا يحل لامرئ مسلم له شيء يوصي به) بمعنى انه يجد ما يوصي به أما إذا لم يكن واجدا فالله تعالى أولى بعذره والحمد لله تعالى إن لم أقل نحن جميعا فلا أقل من ان أقول أكثر من 99 فالمائة منا من يجد يوصي به وفي رواية (له شيء يوصي فيه) فلذا علينا ان نؤدي هذا الواجب.

اختلاف أهل العلم

وذكر فضيلته انه اختلف اهل العلم في الوصية فذهب فقهاء الاباضية وهو قول موجود عند غيرهم إلى وجوب الوصية وذهب كثير من اهل العلم من غيرهم إلى ان الوصية منسوخة.
واختلف القائلون بالنسخ إلى اقوال متعددة فمنهم من قال بأن الآية نسختها آية المواريث، والواقع انه لا تعارض بين آيات المواريث وبين آيات الوصية، فيمكن ان يأمر الله تعالى بوصية وأن يأمر بميراث ويقر به فلذا يستبعد القول بالوصية على ان من الاقربين ما ليس بوارث.
وقال قائل: إن الناسخ حديث (لا وصية لوارث) وهذا الحديث ان سلّمنا بأنه ناسخٌ فهو ناسخ لبعض الآية فناسخ للوالدين الوارثين وناسخ للأقرباء الوارثين وكلامنا في غير الوارثين على ان الآية الكريمة – والله تعالى أعلم – تشمل الوالدَين غير الوارثين، أي الوالدان إذا وجد مانع من موانع ميراثيهما.
وموانع الميراث: الشرك والرق والقتل بمعنى ان يقتل الوارث مورّثه، لكن سبب الثالث نقصيه لأن جماعة من المحققين قالوا بأن الوصية أيضا تمنع القاتل فلا تحق له الوصية وإنما يبقى السببان الأولان ان يكون الوالد مشركا وان يكون الوالد مملوكا.
وقد كان إبان نزول هذه الآية جملة من آباء المسلمين ينتمون إلى غير الإسلام، وقيل إن الناسخ هو الإجماع وهو ضعيف جدا لان الإجماع لا صلاحية له في النسخ. وقيل الناسخ القياس وهو أضعف من سابقه.
ولذا يظهر من خلال ذلك ان الآية غير منسوخة وإنما الآية مخصصة على ان الآية تؤكد الوجوب- كما قلت- بدلالات واضحة قوية ويتأكد ذلك في خاتمة الآية (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) ثم قال (حَقّاً) وكلمة (حَقّاً) تدل على الوجوب لان الحقوق لا بد ان تؤدى فعندما يعبر بأن هذه من الحقوق فعليك ان تؤدي الحق الذي عليك وهو ان كان لك فل ان تأخذه لأنه أمر ثابت لك.
ثم يتأكد ذلك بكلمة (عَلَى) المتكررة، وبيان بأنها على المتقين، والمتقون هو الذين يمتثلون أوامر الله تعالى بتطبيق أمثال هذه الوصايا العظيمة.

وجوب بعض الوصايا

ويشير فضيلته إلى ان حكم الوصية واجبة، لكن الوجوب لا يعني الوجوب بكل وصية من الوصايا وانما يعني وجوب بعض الوصايا.
فالوصية الواجبة أحد ثلاثة أمور: أول تلك الأمور وأهمها الوصية بالحقوق الواجبة عليك، وهي مفهوم عام جدا يشمل كل حق وجب عليك أداؤه ولم يتسنى لك أداؤه في حياتك.
وهذا الأمر يشمل الديون التي لم يتسن لك أداؤها سواء أكانت تلك الديون بقرض اقترضته بناء على ان مفهوم الدين يشمل القرض ويشمل غيره، القرض هو ان يكون جنس ما أخذ وجنس ما يتم الوفاء به واحد بمعنى ان تأخذ نقدا وان ترد نقدا بمثله، هذا هو القرض الحسن، وإذا كان بزيادة فهو قرض ربوي.
او أي دين ترتب على عقد من العقود بعت شيئا مثلا ولم يتسنى لك أداء ثمن أو شخص اشترى منك بِسَلَمٍ فدفع لك المبلغ ولم يأتي دفع السلعة التي يجب عليك ان تؤديها للطرف الآخر، وهذا الأمر يشمل بالإضافة إلى الديون أشياء أخرى مثل مؤخر الصداق والضمانات والأمانات التي ليست ديونا، وكأن توجد عندك أمانات لشريك معك في تجارة معينة فمن المهم ان تبيّن للناس بأن هذا الأمر ليس ملكا لك حتى لا يأكل ورثتك أموال غيرك باعتباره وصية فيما يظنون وهم ليسوا مسؤولين وإنما المسؤول الميت عن ذلك، فعليه ان يبين بيانا واضحا في هذا الأمر.
وحقوق العباد يشمل كل أمر كسره الإنسان أو أخذه بغير وجه حق يمكن ان يكون أخذ شيئا بغير وجه حق أو بخطأ أو ذهول أو نسيان أو غير ذلك من الأشياء فكل ذلك مما يؤمر الإنسان بأن يسجله في وصيته حتى تضبط الحقوق وتؤدى أداء واضحا لعباد الله تعالى.