الهجرة النبوية.. حادثة عظيمة وحدت أمة استمر عطاؤها فضيلة وقيما إنسانية عمّت الكون

التضحية في سبيل الدين –
يوسف بن إبراهيم السرحني –
بداية نقرر أمرًا لا يختلف فيه اثنان من العقلاء هو: أن ليس هناك أعز للإنسان من أهله وولده، وأغلى ما لديه من ماله ووطنه إلا الدين، وهذا هو ما ضحى به المهاجرون وكذا إخوانهم الأنصار- رضي الله عنهم- لأجل الإسلام، فهؤلاء هم جوهر الهجرة وطرفاها؛ عليهم دارت أحداثها ووقائعها، وبهم تحققت معطياتها ونتائجها. لقد كانت الهجرة امتحانًا صعبًا للمهاجرين والأنصار معًا، كانت امتحانًا شاملًا لكل جوانب الحياة البشرية؛ النفسية والبدنية، والأسرية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، نجح في هذا الامتحان الصعب الشامل الفريقان بامتياز وجدارة واستحقاق؛ لأن كل شيء يهون في سبيل الله تعالى، ولأجل دين الله تعالى؛ فالمهاجرون خرجوا من مكة المكرمة أحب البقاع إليهم، فهي مهبط الوحي، ومنطلق الرسالة، ومهوى الأفئدة، تاركين الأهل والولد والمال وراء ظهورهم كل ذلك لأجل الإسلام، وهذا ليس بالأمر السهل والشيء الهين على الإنسان.

فالمهاجرون والأنصار؛ الذين هم قمم في علياء المجد سامقة شامخة، ونجوم في سماء الإنسانية زاهرة لامعة، وشموس في فضاء الكون مشرقة ساطعة، لا تصل إليهم الأبصار، ولا ترنو إليهم الأنظار، ولا تتطاول عليهم القامات، ولا تسمو عليهم الأعناق، ولا تحاذيهم الرقاب، ويكفيهم شرفًا وفخرًا ومنزلةً ثناءُ الله تعالى عليهم في القرآن الكريم، يقول سبحانه وتعالى في شأنهم: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} سورة التوبة الآية «100» ويقول تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} سورة الأنفال الآية «74» ويقول تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّـهِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} سورة التوبة الآية «20»
لقد كان المهاجرون يعلمون تمامًا أن الهجرة بداية لمرحلة جهاد صعب طويل، ولمرحلة كفاح شاق مرير لنشر الدعوة، يقول الله سبحانه وتعالى عنهم: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} سورة الحشر الآية «8»
فهذا الصحابي الجليل صهيب بن سنان الرومي يضحي بكل مال مقابل أن يهاجر، يقول ابْنُ هِشَامٍ: وَذُكِرَ لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهَيْبًا حِينَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ؟ وَاللهِ! لاَ يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِك رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «رَبِحَ صُهَيْبٌ، رَبِحَ صُهَيْبٌ» وفي رواية أخرى «يا أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع، ربح البيع» ويذكر أن في صهيب نزل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} سورة البقرة الآية»207، نزل صهيب في المدينة المنورة على سعد بن خيثمة، وقد آخى النبي- صلى الله عليه وسلم- بينه وبين الحارث بن الصمة.
أمَّا الأنصار فقد دخلوا الإسلام في دين الله أفواجًا في ظرف سنة واحدة، وبايعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعتي العقبة الأولى والثانية، بايعوه على السمع والطاعة في اليسر والعسر، وفي المنشط والمكره، بايعوه على نصرته وحمايته والدفاع عنه، قائلين له: يا رسول الله ما لنا إن نحن وفينا لك بذلك؟ فأجابهم -عليه الصلاة والسلام- قائلًا: «لكم الجنة» فردوا عليه: ربح البيع. ربحت التجارة، كما أنهم آووا إخوانهم المهاجرين، وآثروهم على أنفسهم؛ فتحوا لهم قلوبهم، قبل أن يفتحوا لهم دارهم، ورضوا أن يشاركوهم في ديارهم، وهذا ليس بالأمر السهل، والشيء الهين على الإنسان، لكنه يهون في سبيل الله تعالى، يقول الله تعالى عن الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} سورة الحشر الآية»9»
مناقشة مزاعم وتفنيد افتراءات
أولًا: هناك من يزعم أن إن الهجرة إنما كانت فرارًا من التعذيب، وهروبًا من التنكيل.
هذا القول سخيف باطل، فهو زعم مرفوض، وكلام مردود على صاحبه، إذ كيف يصح ذلك، والرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- مكثوا ثلاثة عشر عامًا في مكة المكرمة ينشرون» دعوة لا إله إلا الله» صابرين محتسبين أشم من الجبال، غير مبالين بصنوف الأذى، والاضطهاد، وشتى أنواع التعذيب، والتنكيل، ولا بالمقاطعة الشاملة الجائرة التي استمرت ثلاث سنوات؛ حتى أنهم أكلوا ورق الشجر وجلود الحيوانات، فهذا سيدنا بلال بن رباح -رضي الله عنه- عذب في رمضاء مكة المكرمة، وسحب في طرقاتها، وهو يردد نشيده الخالد: «أحدٌ أحدٌ”
وهذه أسرة آل ياسر تعرضت لأشد أنواع العذاب، حتى ماتت سمية، وزوجها ياسر من أثر ذلك، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمر عليهم وهم يعذبون، ويقول لهم: « صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”
على أن هناك من الصحابة من يستطيع أن يدافع عن نفسه بل وعن غيره من المسلمين، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول لهم: «لم يؤذن لنا بعد» إنه اختبار عملي على مدى قدرة التحمل.
ومن جهة أخرى فإن الهجرة كانت بداية لمرحلة جهاد صعب طويل، ولمرحلة كفاح شاق مرير، ولم تكن وقتًا للراحة والدعة والاستجمام؛ فقبل الهجرة كان المسلمون يواجهون عدوًا واحدًا، أما بعد الهجرة فكانوا يواجهون ثلاثة أعداء، ففي مكة كانوا يواجهون المشركين فقط، أما في المدينة فكانوا يواجهون المشركين واليهود والمنافقين، ولا ريب أن مواجهة ومقارعة ثلاثة أعداء معًا أشد وأشق وأصعب بكثير من مواجهة ومقارعة عدو واحد.
ثانيًا: هناك من يزعم أن الهجرة إنما كانت لأجل تحقيق حظوظ مادية، ومكاسب دنيوية من رئاسة وسيادة قيادة ومال، فقد كان المسلمون فقراء في مكة ولا سيادة لهم.
هذا الزعم كسابقه باطل كاسد خاسر، فقريش عرضت على الرسول -صلى الله عليه وسلم- الملك والمال، والجاه والسلطة، مقابل أن يتخلى عن دعوته ويترك الإسلام، فأبى -عليه الصلاة والسلام- فرد على عرضهم ردًا قاطعًا، إذ قال لعمه أبي طالب الذي حمل له هذا العرض المغري عبارته الصريحة الخالدة: « والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه” فلو كانت الهجرة كما يزعمون لقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا العرض المادي السخي الذي يسيل له لعاب الدنيويين، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية أن المسلمين في مكة المكرمة لم يكونوا جميعًا فقراء، بل فيهم أغنياء وأصحاب ثروة، بل فيهم من يمتلك كثيرًا من الثراء والمال، ومنهم من ذوي الجاه والشرف، ومن ذوي القيادة والسيادة، إلا أنهم تنازلوا عن ذلك كله؛ ليكونوا هداة مهتدين في الدنيا، وسادة مكرمين في الآخرة. على أن الفقر كما يوجد في مكة يوجد في المدينة، بل ويوجد في كل زمان ومكان؛ حتى في الدول الغنية. نعم؛ هناك تفاوت في العدد؛ نسبة وتناسبًا.
ومن جهة ثالثة فإن الأنصار عرضوا أموالهم على إخوانهم المهاجرين بل وخيروهم فيها، فلم يقبل أحد من المهاجرين أن يأخذ شيئًا ولو قليلًا من أموال إخوانهم الأنصار. على شدة حاجتهم.
ومن جهة رابعة فإن مكة المكرمة لها مكانتها المتميزة من جميع النواحي؛ فمن الناحية الدينية فيها بيت الله الحرام، ومن الناحية الأدبية فيها أسواق يفد إليها سنويًا من كل بلاد العرب فحول الشعراء وجهابذة الخطباء يتبارون فيها أشهرها سوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز، ومن الناحية الاجتماعية فقريش هي المحور والقطب التي تدور وتلتف حوله وترجع إليه القبائل العربية كافة، ومن الناحية الاقتصادية فمكة مجتمع تجاري من الدرجة الأولى فهي بين اليمن وبلاد الشام ومنها كانت تنطلق رحلتا الشتاء والصيف، وإليها يفد على مدار العام الحجاج والمعتمرون والشعراء والخطباء
وسائر الوفود الأخرى، مما يجعل التجارة فيها نشطة مزدهرة طوال العام، فتنتعش اقتصاديًا؛ فإذا كانت المدينة المنورة مجتمعًا زراعيًا، فإن مكة المكرمة مجتمعي تجاري، وتسع أعشار الرزق في التجارة كما جاء في بعض الآثار.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام متعلقين بمكة المكرمة فهي أحب البلاد إليهم، فلولا أهلها لم يخرجوهم ما خرجوا منها، وكيف يقبلون بديلًا عنها وهي بهذه الأهمية والمكانة؛ إذ لا نظير لها ولا مثيل، لو لم يكن الأمر أكبر وأعظم من ذلك كله.
إنه الإسلام؛ إذ كانت المدينة المنورة أرضًا خصبة صالحة، وبيئة طيبة حاضنة للدعوة الإسلامية، فالأوس والخزرج آمنوا بالدعوة واعتنقوا الإسلام في ظرف سنة واحدة على يد مصعب بن عمير -رضي الله عنه- بخلاف أهل مكة الذين رفضوا الدعوة ووقفوا في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وناصبوه العداء، وقد مكث يدعوهم ثلاثة عشر عامًا فما آمن منهم إلا قليل.