«الأونروا » والتبعات السياسية

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

وكالة غوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين المعروفة باسم (الاونروا ) هي احدى وكالات الامم المتحدة انشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 في اعقاب تداعيات نكبة فلسطين ، وهذه المنظمة لها دور انساني وتعليمي وفي مجال تقديم الخدمات الصحية واللوجستية لنحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني يتوزعون في دول الشتات من خلال المخيمات في سوريا ولبنان والاردن علاوة على وجود مخيمات اخرى في الاراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة .
ومن خلال الدعم المادي واللوجستي المتواصل من هذه المنظمة الانسانية من خلال دعم الامم المتحدة والدول الاعضاء والافراد والهئيات المختلفة تأبى ادارة الرئيس الامريكي ترامب الا ان تدخل (الاونروا ) في المتاهات السياسية ، واتهامها بأنها غير منضبطة في عملها وتحتاج الى اصلاح ، وبالتالي تم قطع الدعم الامريكي عنها مؤخرا ، وهو يمثل رقما مهما في ميزانيتها ، ولم يقم اي رئيس امريكي طوال سبعة عقود باتخاذ قرار بقطع الدعم رغم الخلافات السياسية حول التسوية السياسية للصراع العربي-الاسرائيلي ، وخاصة القضية الفلسطينية في قلبه .

التبعات السياسية
لقي قرار الرئيس الامريكي ترامب بقطع الدعم عن (الاونروا) استهجانا عربيا واقليميا ودوليا ومن الامم المتحدة ، حيث ياتي القرار الامريكي السلبي في سلسلة قرارات ممنهجة اتخذها ترامب منذ الاعلان عن نقل السفارة الامريكية في اسرائيل من تل ابيب الى مدينة القدس ، مرورا باغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن ، واخيرا بقطع الدعم على (الاونروا) في محاولة متعمدة لانهاء مسألة حق العودة لنحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني .
ان منظمة (الاونروا )هي منظمة انسانية تقدم خدمات صحية وتعليمية ولوجستية وتقديم الدعم الغذائي ، ولاينبغي ان تكون جزءا من التبعات السياسية ، ولكن يبدو ان كل تلك القرارات الامريكية المتتالية تهدف الى الضغط على الفلسطينيين للقبول بصفقة القرن ، والتي تم رفضها عربيا وفلسطينيا على المستويين الرسمي ، في القمة العربية الاخيرة في مدينة الظهران السعودية ، وشعبيا من خلال تواصل النضال والكفاح الفلسطيني في الاراضي الفلسطينية المحتلة .
ان ادارة ترامب شعرت باحباط شديد من خلال فشل الصفقة – حتى الآن على الأقل – وكان لديها امل وتصورات بأن تمرير الصفقة ممكن في ظل الاوضاع العربية المتدهورة ، وفي ظل الخلافات وهشاشة الوضع العربي ومع ذلك كان الرفض حتى قبل الاعلان عن تلك الصفقة رسميا ، والتي ترمي الى تصفية القضية الفلسطينية من خلال اسقاط موضوع القدس وموضوع اللاجئين ولعل موضوع قطع الدعم الامريكي عن (الاونروا ) هو نتيجة طبيعية لذلك الاحباط الامريكي .
ان الولايات المتحدة اتخذت قرارا خاطئا ضد منظمة انسانية واستخدمت تلك المنظمة كموضوع ضغط ، وهو امر غير مناسب ، كما اشارت الى ذلك افتتاحية صحيفة «نيويورك تايمز» الامريكية والتي اعتبرت قرار ترامب غير منصف لمنظمة تقدم خدمات انسانية لشعب هجر وطرد من وطنه .

رد فعل منطقي
رد فعل منظمة (الاونروا) كان حاسما بانها سوف تواصل عملها وتسعى بكل جهودها الى الحفاظ على خدماتها الانسانية ودورها الذي تخدم به ملايين اللاجئين الفلسطينيين ، كما ان الفلسطينيين حكومة وشعبا رفضوا القرار الامريكي واكدوا تصميمهم على تواصل العمل من خلال الشركاء ، خاصة الدول العربية ، ودول الاتحاد الاوروبي واليابان والصين وغيرها من الدول الاعضاء في الامم المتحدة .
ويبدو ان ورقة (الاونروا) هي الورقة الاخيرة في حسابات الرئيس ترامب السياسية ، ومع تعثر كل خطوة من الادارة الامريكية يزداد الاحباط لدى اركانها ومن هنا فان مناقشة هذا الموضوع في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة التي ستعقد هذا الشهر في نيويورك ، وكشف الممارسات الامريكية سوف يكون اطارا ضاغطا حتى تبقى هذه المنظمة ودورها الكبير في خدمة اللاجئين الفلسطينيين .
ادارة الرئيس ترامب تتحرك في اكثر من ملف حول العالم ، وبشكل يثير التساؤلات ، خاصة بعد تهديداته بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية بسبب خلافاته التجارية مع الصين ودول الاتحاد الاوروبي وكندا علاوة على مايواجهه من تحديات داخلية ، من خلال تواصل التحقيقات الفيدرالية من قبل المحقق «مولر» حول احتمال التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الامريكية عام 2016 ويعد موقف ترامب على ضوء التطورات الاخيرة معرض لاحتمالات عديدة .
الدول العربية وفي ظل القرار الامريكي غير المنطقي عليها دور كبير في دعم منظمة (الاونروا ) خاصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، وقد بدأت بعض المبادرات من بعض تلك الدول وهذا واجب قومي وانساني تجاه الشعب الفلسطيني في الداخل وفي دول الشتات ، كما ان الاجتماعات القادمة مع دول كالسويد والاردن ودول اخرى سوف يكون له اهمية لإعادة البريق لهذه المنظمة والتي تعد الوجه المشرق لمنظمات الامم المتحدة لدورها الرائد في انقاذ ملايين اللاجئين الفلسطينيين في اعقاب النكبة وما بعدها .
وفي ظل ردود الفعل الاقليمية والدولية فقد تضررت سمعة الولايات المتحدة كثيرا حيث الربط بين منظمة انسانية والاستحقاقات السياسية ، وقد كان الأمر مكشوفا الى درجة كبيرة حتى من داخل الصحافة الامريكية ولعل افتتاحية نيويورك تايمز هي احد الامثلة ، علاوة على المنظمات الحقوقية حول العالم التي استهجنت قرار الرئيس غير المدروس .

الأهداف السامية

يكفي منظمة (الاونروا ) انها تدير نحو 600 ألف طالب في مئات المدارس المنتشرة في داخل فلسطين المحتلة وخارجها ، علاوة على المراكز الصحية وسد الفجوة الغذائية لملايين اللاجئين ، وكل هذا مستمر كدور رائد ل (الاونروا) منذ عام 1949 وهو دور اشار مسؤولو المنظمة الى انه سوف يستمر ، وان التحدي اصبح واضحا بان منظمة (الاونروا) هي منظمه دولية تابعة للامم المتحدة ولايمكن ان تختفي في ظل ادعاءات غير صحيحة وتلك الادعاءات تخفي وراءها اهدافا سياسية كما تمت الاشارة .
ان استغلال العمل الانساني لأهداف سياسية وللضغط على الجانب الرسمي الفلسطيني هو امر مرفوض وهو امر اقرب «للابتزاز» كما اشار الى ذلك الدكتور صائب عريقات امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في تعليقه على القرار الامريكي المجحف .
ان الاهداف السامية لمنظمة (الاونروا) سوف تستمر وان الهدف الحقيقي من قرار ترامب وهو اسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين هو امر لا يملكه ، كما في حالة مدينة القدس المحتلة ، لان هذه القضايا مرتبطة بقرارات دولية وبالتسوية الاخيرة للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي ومن هنا فان تلك القرارات الفرديةهي قرارات تؤثر سلبا على القضية الفلسطينية ولا تسهم في حلها .
لقد كانت صدمة كبيرة للعالم ليس لان الدعم الامريكي للانروا قد اتخذ ولكن كانت تلك الصدمة بسبب الهدف من وراء ذالك القرار المبطن سياسيا حيث تتكشف كل يوم جزء من المحاولات المستميتة لفريق ترامب وخاصة مستشاره كوشنر لانجاح صفقة القرن تحت اي ظرف ومن ضمن ماتحدث عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس لوفد من منظمة السلام الاسرائيلية بان وفد ترامب طرح عليه القبول بدولة كونفيدرالية تضم الاردن والاراضي الفلسطينية التي تقدمها صفقة القرن واشار الرئيس الفلسطيني بانه قال بانه موافق بشرط ان تنضم اسرائيل الى ذلك الكيان الكونفيدرالي الجديد وهي اجابة تعني استحالة قبول الكيان الاسرائيلي
ان استغلال المنظمات الانسانية والفكرية ليس بالشيء الجديد منذ وصول ادارة ترامب ولعل الانسحاب من منظمة اليونسكو باعتبارها منحازة مع الجانب الفلسطيني ضد اسرائيل هو احد النماذج الصارخة في هذا الاطار
ان منظمة الانروا رغم القرار الامريكي سوف تواصل عملها الانساني وهو دورها التي اقره قرار دولي من الجمعية العامة للامم المتحدة والامل كبير في سد فجوة الدعم الامريكي من خلال الدول العربية وبقية دول العالم لان فشل المسعى الامريكي يعني ان استخدام منظمات الامم المتحده كالانروا واليونسكو وغيرها من المنظمات هو امر يرفضه العالم ولايعطي دلالة على اهمية العدالة الاجتماعية واعطاء الشعوب تحت الاحتلال حقوقها المشروعة .