الإشارات الحمراء وحدها .. لا توقف البلدوزر !!

د. عبد الحميد الموافي –

بالرغم من ان البلدوزر الامريكي لا توقفه شرعية دولية ، ولا حقوق وطنية فلسطينية غير قابلة للتصرف ، ولا مواثيق دولية ، الا ان القرار الأمريكي بخنق وكالة غوث وتشعيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا ) بتخفيض المساهمة الامريكية في موازنتها ، ثم وقف التمويل الامريكي لها بشكل تام ، كما أعلن قبل أيام ، يظل في النهاية قرارا امريكيا فقط .
البلدوزر … هو تلك الآلة الثقيلة التي تستخدم عادة في هدم المباني ، وتمهيد الطرق ، وازالة الصخور والهضاب الصغيرة ، وكلها أعمال مفيدة للإنسان ولعمليات التعمير وتسهيل الحياة للبشر في النهاية ، غير ان البلدوزر ذاته يتحول الى آلة قتل وتدمير واطاحة بمن يقف امامه ، عندما ينطلق دون كوابح ، أو دون التزام بقواعد مرور، أو اشارات تحذير صفراء أو حمراء ، خاصة اذا كان من يقوده لا يراها ، أو لا يعترف بها ، أو يستهين بدلالاتها ، اعتمادا على قوته الضخمة وجسمه المصنوع من الصلب ، أو استهانة منه بصرخات واعتراضات وحجج الآخرين ، وبأياديهم العارية ، وهم الذين يريدون ألا يتجاوز البلدوزر عليهم او يدعمهم – يطيح بهم – في اندفاعات قائده ، خلال نوبات تصوره الذاتي لقوته غير المحدودة ، بحكم قيادته لهذه الآلة الضخمة !! .
وفي العلاقات والسياسة الدولية هناك بالطبع أطراف عديدة ، دول ومؤسسات دولية ، وشعوب تسعى لنيل حقوقها ، أو لحماية تلك الحقوق ومنع الاعتداء عليها ، وهناك ايضا قانون وقواعد دولية ومبادئ واعراف وقرارات وأحكام واتفاقيات ومعاهدات والتزامات دولية عديدة ومتنوعة ، وفي ظل الصراعات الدولية والاقليمية العديدة ، تلجأ الدول الى الاعتماد على قواها الذاتية في الحفاظ على حقوقها ومنع الاعتداء عليها ، كما تتعلق عادة بأهداب القانون الدولي والمبادئ والأعراف المستقرة في التعامل الدولي ، للحيلولة دون الاعتداء أو التجاوز عليها . غير ان المشكلة تنشأ وتتعقد بفعل البلدوزرات الدولية، وهي هنا القوى الدولية المؤثرة، و اقواها بالطبع في عالم اليوم هي الولايات المتحدة الامريكية، فهي البلدوزر الأكبر في عالم اليوم دون منازع، وشرح ذلك يطول.
ومع الاعتراف بأن نشأة وقيام اسرائيل عام 1948 ، تم بفعل مواقف وقرارات القوى الدولية المؤثرة في نهاية اربعينيات القرن الماضي ، وفي مقدمتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق وفرنسا ، وكلها كانت لها علاقات قوية مع قيادات الوكالة اليهودية والمؤتمر الصهيوني العالمي ، وبالطبع قيادات اسرائيل ، فان القيادات الأمريكية والغربية ظلت محافظة ،على الأقل ، على حد أدنى من الاطار الدولي للتعامل مع القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي . غير أن هذا الالتزام الامريكي يتآكل الآن بشكل سريع ومخيف، في ظل ادارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وميله ورغبته في النجاح في حل مشكلة الشرق الأوسط ، وهو ما لم ينجح فيه رئيس امريكي قبله . وبالطبع من حق الرئيس الأمريكي ان يأمل ويرغب ويسعى لتحقيق ما يراه في صالح بلاده، ولكن المشكلة تنشأ من انه في تحقيقه لمصالحه ، أو لمصالح بلاده ، لا يهتم كثيرا بما يصيب الآخرين من اضرار مباشرة أو غير مباشرة ، ولا حتى بمدى تمشي ذلك ، أو توافقه مع قواعد القانون والشرعية الدولية ، فالبلدوزر الأمريكي ينطلق بجموح ، لتحقيق التصور الاسرائيلي ومصالح اسرائيل ، مغتصبة الأرض والحقوق الفلسطينية ، غير عابئ بتحذيرات ، ولا بإشارات حمراء ، ولا بقانون دولي ، ولا بأمم متحدة ، ولا مجتمع دولي ولا شيء ، والمرجح أن البلدوزر سيواصل جموحه على الأرجح ، ليس فقط اعتمادا على ضعف الاطراف العربية ، ويقينا بأنه يمكن التأثير في مواقف مختلف الأطراف العربية بأدوات وطرق مختلفة ومتعددة ، بحكم المصالح المشتركة وهي معروفة ومعلنة ، ولكن ايضا رغبة في كسب التأييد الاسرائيلي والصهيوني العالمي ، وتأييد اليمين الامريكي ، وهو امر ضروري في الواقع لاستمرار الرئيس الأمريكي في منصبه ، والتغلب على اية مشكلات يتعرض لها الآن في الداخل الامريكي ، بل وحتى التطلع لفترة رئاسة ثانية ، ستعمل اسرائيل والدوائر الصهيونية واليهودية واليمينية الامريكية لتحقيقها بكل السبل الممكنة ، ليس من اجل ترامب الرئيس ، ولكن من اجل ان يجهز البلدوزر على قضايا الوضع النهائي بين اسرائيل والفلسطينيين ( القدس والحدود واللاجئين والمستوطنات والمياه ) وبذلك يتم فرض الأمر الواقع على الفلسطينيين والعرب ، ومحاولة التوصل الى سلام ما ، سيكون في حقيقته سلاما اسرائيليا ، اذا تحقق !! ولكن هل هذا هو الحل العادل والشامل والدائم ، الذي طال انتظاره ؟! وهل يمكن ان ينجح ذلك ؟ على اية حال فانه يمكن الاشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من اهمها ما يلي :
*اولا : انه ليس من المبالغة في شيء القول بأنه بالرغم من ادراك انه ستظل هناك درجة ما من عدم التطابق بين المصالح الاسرائيلية والمصالح الأمريكية في الشرق الاوسط ، لاعتبارات عديدة وموضوعية ومفهومة ايضا ، بغض النظر عن مدى عمق واتساع وطبيعة العلاقات الأمريكية الاسرائيلية والعناصر التي تعتمد عليها في الداخل الامريكي وثقافة شريحة مهمة من المجتمع الامريكي ايضا ، الا انه من الواضح ان الرؤية الامريكية سواء للأوضاع في الشرق الاوسط بوجه عام ، وبالنسبة للقضية الفلسطينية ، ولسبل التوصل الى سلام في الشرق الاوسط بوجه خاص ، تتماهى تماما الآن ، والى حد غير مسبوق امريكيا ، مع الرؤية والحسابات الاسرائيلية . وليس مفيدا اللجوء الى نظرية المؤامرة، ولكن من المهم ادراك ان ادارة ترامب هي اكثر الادارات الامريكية اعتناقا للتوجهات والرؤية الاسرائيلية للحل مع الفلسطينيين، وبمعنى آخر فرض السلام الاسرائيلي بقوة الأمر الواقع، ودون اعتبار لأية نتائج أو اعتبارات اخرى، وهو امر كان من المشكوك فيه تماما ان يتحقق في ظروف مختلفة عن تلك السائدة في الداخل الامريكي الآن . وعبر هذا التماهي فانه من غير المستبعد ان يكمل ترامب فترته الرئاسية الحالية ، وربما ينجح في الاستمرار لفترة رئاسية ثانية ، فوجوده في البيت الابيض هو فرصة بالغة الأهمية لاسرائيل لفرض ما تراه على الفلسطينيين ، والاحتماء بالبلدوزر الامريكي ، في مواجهة العالم كله وليس الفلسطينيين فقط . ولكن السؤال هو هل يكفي ذلك؟ وهل يمكن لاسرائيل الاكتفاء بأمريكا عن العالم ؟
* ثانيا: انه بالرغم من كل ما يقال عن الضعف الفلسطيني والعربي، الا ان ورقة القوة المهمة ، التي لا يمكن اهمالها ولا التقليل من أهميتها ، تتمثل في الاطار القانوني الدولي للقضية الفلسطينية ، فالقضية الفلسطينية مطروحة امام الأمم المتحدة منذ تأسيسها ، أي منذ ما قبل قيام اسرائيل ، التي قامت بفعل قرار التقسيم عام 1947 وتم اعلانها في 15 مايو 1948 والاعتراف الفوري بها من جانب أمريكا والقوى الدولية الغربية والاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت. وظلت القضية الفلسطينية بندا دائما على جدول اعمال كل دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، كقضية تحرير وطني ، فهي آخر قضية للتحرر من الاستعمار . وهذه النقطة تحديدا هي ما يقلق اسرائيل وامريكا ، لأن هذا الإطار الدولي هو ما يبقي على القضية حية ودائمة وموضع اهتمام دولي ، برغم الضعف الفلسطيني والعربي ، ولذا فان التخلص من هذا الاطار الدولي هو امر مهم ، بالنسبة لاسرائيل ولآمريكا ايضا .
واذا كانت الولايات المتحدة قد حاولت من قبل التحرك لتحقيق السلام في الشرق الأوسط بعيدا عن الأمم المتحدة ، بعد حرب عام 1967، وعبر مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط عام 1991، الا أنها لم تتمكن من التخلص من هذا الاطار الدولي الذي يتمسك به الفلسطينيون والعرب ، كسياج واطار يمكن ان يضمن حد ادنى من الحقوق الفلسطينية والعربية على الأقل . واذا كان ذلك يمثل في حد ذاته تفسيرا لعداء اسرائيل القوي والدائم، للأمم المتحدة ولهيئاتها ومنظماتها الداعمة للحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها اليونسكو ومجلس حقوق الانسان، اللذين انسحبت منهما امريكا احتجاجا على مواقفهما من اسرائيل، فانه يمكن القول بأنه مهما كانت القرارات والمواقف الأمريكية، سواء من القدس المحتلة ومن مستقبلها، أو من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) الا ان تلك المواقف تظل في النهاية مواقف الدولة الامريكية. صحيح ومن المؤكد انها قرارات ومواقف مؤثرة، ولها تأثير البلدوزر في هدم ما يصل اليه، أو تحطيم ما يقف في طريقه، ولكن الصحيح ايضا هو انها لا يمكنها الغاء الاطار الدولي للقضية الفلسطينية ولقضية السلام في الشرق الاوسط . ولعل هذه النقطة تحديدا هي ما تعطي قوة للموقف الذي تتخذه السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس. فالقضية لا تستطيع واشنطن بمفردها حسمها وانهائها وازالتها من جدول اعمال الامم المتحدة ، ولا يستطيع البلدوزر الامريكي طمر أو دفن كل القرارات الدولية الصادرة عن الامم المتحدة ، والتي تعترف بالحقوق الفلسطينية ، ولكنه يمكن ان يكسر عظام الفلسطينيين ومن يؤيدهم من العرب وغيرهم ايضا، اذا اراد وذلك على الصعيد الثنائي في التعامل معه ، اما على المستوى الجماعي وفي اطار الامم المتحدة ، فقد شهدنا ما حدث في مجلس الامن الدولي، وفي الجمعية العامة للامم المتحدة قبل اشهر فيما يتصل بقرار امريكا الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، ونقل سفارتها في اسرائيل من تل ابيب الى القدس . وهذا هو ما يؤرق اسرائيل والدوائر الامريكية المؤيدة لها.
ومع الوضع في الاعتبار ان امريكا باعتبارها القوة الأعظم في عالم اليوم – البلدوزر الاكبر – يمكنها التأثير في عمل وقرارات مختلف المنظمات الدولية، بدرجات متفاوتة المدى والتأثير، الا أنها لا تستطيع فرض رؤيتها على المجتمع الدولي في بعض القضايا على الأقل. ومن هنا فانه من المهم والضروري للفلسطينيين والعرب التمسك بالاطار الدولي للقضية الفلسطينية ، وبدور الامم المتحدة ، وبقراراتها المؤيدة للحقوق الفلسطينية . صحيح ان ذلك وحده لن يعيد الحقوق الفلسطينية والعربية ، ولكن الصحيح انه يحول دون بلعها وهضمها من جانب اسرائيل ، وذلك حتى يتم التوصل الى افضل صيغة ممكنة ومقبولة للسلام العادل والشامل والدائم واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ، وليس فرض السلام الاسرائيلي .
*ثالثا: انه بالرغم من ان البلدوزر الامريكي لا توقفه شرعية دولية ، ولا حقوق وطنية فلسطينية غير قابلة للتصرف ، ولا مواثيق دولية ، الا ان القرار الأمريكي بخنق وكالة غوث وتشعيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا ) بتخفيض المساهمة الامريكية في موازنتها ، ثم وقف التمويل الامريكي لها بشكل تام ، كما أعلن قبل ايام ، يظل في النهاية قرارا امريكيا فقط . وبغض النظر عن لائحة المطالب الامريكية بإصلاح الاونروا ، وهي لائحة المطالب نفسها تقريبا التي يتم الحديث عنها بالنسبة للكثير من الهيئات التابعة للامم المتحدة، التي لا تروق للادارة الامريكية لسبب أو لآخر، فان القرار الامريكي يؤثر بالضرورة على عمل وكالة ( الاونروا ) التي تقدم خدماتها لأكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي لبنان والأردن وسوريا ، وبشكل على درجة كبيرة من الأهمية لهم ولأبنائهم ولحياتهم اليومية. فأمريكا تسهم بنحو 364 مليون دولار في ميزانية ( الاونروا) وهو ما يصل الى نحو ثلث ميزانية الاونروا التي تصل الى 1,1 مليار دولار سنويا ، ويسهم الاتحاد الاوروبي بنحو 143 مليون دولار ، وهي في الواقع منح وتبرعات تسهم فيها الدول والاطراف الدولية المختلفة ادراكا منها لأهمية الدور الذي تقوم به الاونروا لصالح اللاجئين الفلسطينيين . والجانب الأخطر في الموقف الامريكي حيال الأونروا يتمثل في رغبة الادارة الامريكية في التخلص من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ذاتها ، لأنها تبقي على القضية الفلسطينية قائمة ومستمرة . ويتم تحقيق هذا الهدف بتخفيض أعداد اللاجئين الفلسطينيين من 2,5 مليون لاجئ الى نحو خمسمائة ألف لاجئ فقط ، وذلك باعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني ، والقيام بتوطين الاعداد الزائدة في الدول المتواجدين فيها ، ثم استيعاب اللاجئين الفلسطينيين الخمسمائة الف في اطار المفوضية العامة للاجئين التابعة للأمم المتحدة والتخلص من الأونروا كوكالة مستقلة ترعى اللاجئين الفلسطينيين ، وهذا هدف تحدث عنه نتانياهو صراحة في العامين الأخيرين ، وجاءت ادارة ترامب لتعمل على تحقيقه !!.
واذا كان من المؤكد ان الاونروا ستواجه مشكلات مادية في القيام بدورها ، خاصة وان هناك نحو 515 الف طالب فلسطيني بدأوا العام الدراسي لهم ، فانه من المهم والضروري العمل بكل السبل الممكنة لتعويض الاسهام الامريكي في ميزانية الاونروا ، سواء من الدول العربية او من الاتحاد الاوروبي او غيره ، والأكثر اهمية من ذلك هو الابقاء على الاونروا كوكالة دولية تابعة للأمم المتحدة لرعاية اللاجئين الفلسطينيين حتى يتم حل القضية حلا عادلا وشاملا ودائما وهو ما لن يتحقق سوى بالعمل على اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفي اطار تسوية عادلة وفق قرارات الشرعية الدولية ، واذا كان البلدوزر الامريكي لا توقفه اشارات صفراء او حمراء ، فان التمسك بالاطار الدولي للقضية الفلسطينية يظل امرا بالغ الاهمية ولعل الدورة القادمة للجمعية العامة للامم المتحدة التي تبدأ في 18 سبتمبر الجاري تكون مناسبة للتأكيد على هذا الاطار القانوني الدولي واشراك أكبر عدد من دول العالم في ذلك لتفويت الفرصة على إسرائيل والابقاء على الأونروا حتى يتحقق السلام .