تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة لمحاولات هدم الأونروا

د.أحمد سيد أحمد –

التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقانون القومية الإسرائيلي الذى ينص على أن إسرائيل هي وطن للشعب اليهودي فقط, بما يعني استبعاد أو تهميش المكون الفلسطيني فيها, ومحاولات خنق الأونروا, وتسريبات صفقة القرن, كلها تفرض ضرورة التحرك الفلسطيني السريع والعاجل لإتمام المصالحة الفلسطينية
شكلت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينين ( الأونروا) على مدى سبعة عقود منذ إنشائها عام 1949 بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 302, أحد الضمانات للحفاظ على حق العودة للاجئين الفلسطينين, حيث جاءت بعد أسبوعين من صدور قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194 الخاص بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم, وساهمت المنظمة بشكل كبير فى تخفيف العبء الإنساني عن ما يقارب ستة ملايين لاجئ فلسطينى, تقوم الوكالة بتقديم الخدمات الأساسية لهم من صحة وتعليم وبنية أساسية فى خمس مناطق رئيسية لعمل الوكالة هي الضفة الغربية (التي تشمل القدس الشرقية أيضا), وقطاع غزة ولبنان وسوريا والأردن, وتقوم بتشغيل عشرات الآلاف من الفلسطينيين ضمن هيئاتها المختلفة للقيام بأعمالها.
الأونروا تواجه أزمة حقيقية تتعلق بوجودها ومحاولات هدمها خاصة بعد قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتخفيض المساهمة الأمريكية في ميزانية المنظمة من 360 مليون دولار سنويا إلى 60 مليون دولار, وهو ما أوجد أزمة مالية كبيرة للوكالة هددت أعمالها الإنسانية وقدرتها على الإنفاق على مجالات التعليم والصحة والبنية الأساسية. وكان أبرز مؤشرات الأزمة هو تزايد احتمالات حرمان أكثر من نصف مليون تلميذ وطالب فلسطيني يتلقون تعليمهم فى المدارس التابعة للوكالة, ورغم أن الوكالة أعلنت بدء العام الدراسي الجديد وفتح مدارس الأمم المتحدة أمام التلاميذ الفلسطينيين, إلا أن ميزانية المؤسسة لا تسمح في الاستمرار في العمل إلا لشهر واحد, كما قامت الوكالة بتسريح العديد من الموظفين الفلسطينيين لديها, خاصة فيما يعرف بموظفي الطوارئ, الذين دخلوا بدورهم فى اعتصامات مفتوحة أمام مقر الوكالة بعد فقدانهم وظائفهم وعدم وجود أية مصادر بديلة للدخل. ورغم أن بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية التي قدمت دعما بأكثر من 50 مليون دولار للوكالة خلال قمة القدس في السعودية هذا العام, وتقديم اليابان لمبلغ 5 ملايين دولار وبعض الدول العربية الأخرى, إلا أن الوكالة تواجه أزمة مالية طاحنة وعجزا كبيرا يصل لأكثر من 200 مليون دولار مما يهدد استمرارها.
الأبعاد السياسية تقف وراء محاولات هدم الأونروا من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل, حيث برزت قضية الأونروا إلى السطح في سياق الحديث عن نية الإدارة الأمريكية طرح خطة جديدة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المعروفة باسم صفقة القرن, والتي تقوم على استبعاد قضايا الوضع النهائي خاصة قضية القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين, فبعد قيام الرئيس ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس فى شهر مايو الماضي واعتبارها عاصمة موحدة لإسرائيل, جاءت الخطوة التالية من جانب الولايات المتحدة لتصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين في الداخل والخارج, حيث تستهدف الولايات المتحدة تقليل أعداد اللاجئين الفلسطينيين من 6 ملايين إلى ما لا يتجاوز نصف مليون شخص, يمكن التفاوض بشأن مصيرهم, أي ما يقارب 10% وتجاهل أكثر من 90% من اللاجئين, بما يعد مخالفة صريحة للقانون الدولي ولقرار الجمعية العامة رقم 194 الذي ينص صراحة على حق العودة اللاجئين الفلسطينيين, حيث أنشأت وكالة الأنروا لضمان تنفيذ هذا القرار, ولذلك قامت الإدارة الأمريكية وكرد فعل غاضب على موقف السلطة الفلسطينية برفض قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ورفض صفقة القرن, قامت بتخفيض مساهماتها المالية فى الوكالة, وحيث إن الولايات المتحدة هي المساهم الأكبر فى ميزانية الوكالة منذ عام 1968 فإن مصير أكثر من ستة ملايين فلسطيني أصبح على المحك وأمام مستقبل مجهول.
خطورة محاولات هدم الأنروا ليس فقط في تداعياتها الإنسانية الكبيرة على اللاجئين الفلسطينيين وزيادة معاناتهم الإنسانية وحرمانهم من الخدمات الأساسية مثل الصحة والكهرباء والبنية الأساسية في ظل التدهور الكبير لأوضاع المخيمات التى يعيشون فيها في المناطق الخمس واحتمالات تزايد انتشار الأمراض الخطيرة مثل الكوليرا, وكذلك تشريد الآلاف من العاملين فى الوكالة, وإنما الأخطر أيضا هو تصفية حق العودة, إحدى قضايا الوضع النهائي وأبرز الثوابت الفلسطينية التي حرص الفلسطينيين على التمسك بها عبر أجيال مختلفة أملا فى العودة إلى وطنهم الأصلي بعد المعاناة الكبيرة التي تكبدوها, ولذلك فإن ما وراء هدم الأنروا هو إعادة صياغة العملية السياسية ومفهوم السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية ضمن ما يعرف بصفقة القرن وتقوم على استبعاد قضايا الوضع النهائي التي تم الاتفاق عليها من قبل محادثات مدريد عام 1992 واتفاق أوسلو عام 1994, وتشمل أيضا الدولة الفلسطينية وقضايا المياه والحدود, والتركيز فقط على إقامة دولة فلسطينية مقطعة الأوصال في الضفة الغربية وقطاع غزة, أشبه بحكم ذاتي, مع شطب حق العودة واستبعاد القدس من المفاوضات وهو ما يمثل تحولا كبيرا ويستهدف القضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية.
ومن الناحية القانونية لا تملك الولايات المتحدة وإسرائيل إنهاء تفويض عمل الأونروا في الأراضي الفلسطينية والأردن ولبنان سوريا, لأن الوكالة أنشئت بتفويض من الأمم المتحدة وعبر الجمعية العامة وتم تمديد التفويض لها فى عام 2016 لثلاث سنوات أخرى بموافقة 167 دولة, ولذلك لجأت الإدارة الأمريكية إلى محاولات خنق المنظمة وتصفيتها عبر تقليص الدعم المالي لها بما يهدد بوقف أنشطتها, وهذا يفرض ضرورة التحرك العربي والدولي لإنقاذ الأونروا وإخراجها من أزمتها عبر عدة أمور:
أولا: زيادة الدعم المالي العربي والإسلامي في ميزانية الأونروا حتى تتمكن من ممارسة مهامها في غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين خاصة في مجال التعليم وتقديم الخدمات الضرورية لهم, ومن المهم ألا يكون هذا الدعم العربي والإسلامي بديلا عن الدعم الدولي, خاصة ما يطرحه البعض من إنشاء وكالة إسلامية بديلة للأونروا, فالقضية تتجاوز الدعم المالي إلى الحفاظ على الأونروا كإحدى منظمات الأمم المتحدة التي تكرس وتضمن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين ومقاومة أية محاولات لطمس حق العودة, ولذلك فإن حشد الدعم الدولي المالي خاصة الأوروبي مهم لاستمرار عمل المنظمة, كما يجب التحرك عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة لحشد دعم الدول في ظل التعاطف الدولي الكبير للحقوق الفلسطينية والذي برز في الرفض الجماعي الدولي لقرار الرئيس ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إلى القدس, وأبرزها قرار الجمعية العامة ذاتها والموقف الأوروبي والعربي والإسلامي وهو ما يمثل ضمانة مهمة أمام اية محاولات لهدم الأنروا أو تصفية حق العودة الفلسطيني.
ثانيا: التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقانون القومية الإسرائيلي الذى ينص على أن إسرائيل هي وطن للشعب اليهودي فقط, بما يعنى استبعاد أو تهميش المكون الفلسطيني فيها, ومحاولات خنق الأونروا, وتسريبات صفقة القرن, كلها تفرض ضرورة التحرك الفلسطيني السريع والعاجل لإتمام المصالحة الفلسطينية وتوحيد الموقف الفلسطيني للوقوف أمام هذه الهجمة, كذلك التحرك العربي على المستوى الدولي لحشد دعمه في مواجهة تلك التحديات, وإجهاض المساعي الأمريكية والإسرائيلية لفرض السلام وفقا لتصورهم, والعمل على تأكيد السلام العادل والشامل الذي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفقا لحل الدولتين, وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرار مجلس الأمن 194 والضغط من أجل أنجاز عملية سلام حقيقية وإشراك أطراف أخرى مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا في رعاية عملية السلام إلى جانب الولايات المتحدة, وتأكيد أن السلام العادل والشامل هو الضمانة الأساسية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وضمان مصالح جميع الأطراف بما فيها الولايات المتحدة وأن محاولات هدم الأونروا سيكون لها تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة.