بحر قزوين… بوتين يربح من جديد

إميل أمين – كاتب مصري –
‏emileamen@gmail.com –
في حاجة إلى صراع جديد يضاف إلى بقية الصراعات المحتدمة شرقاً وغرباً حتى ينفجر الصراع بسبب بحر قزوين «والذي يجعل من آسيا ومن جديد موقعاً وموضعاً لخلافات قادمة قد تصل إلى حد المواجهات والمجابهات العسكرية المسلحة؟
بحسب الموسوعات العالمية فان بحر قزوين هو بحر مغلق يقع في غرب آسيا على مساحة تبلغ 371 ألف كيلو متر مربع، وهو أكبر بحر مغلق في العالم، ويبلغ طول بحر قزوين 1200 كيلو متر بعرض يصل إلى 30 كيلو مترا، ويبلغ أقصى عمق له 1023م، وتطل على بحر قزوين خمس دول هي روسيا وإيران وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان.
يعني لنا أن نتساءل هل هناك علاقة ما بين بحر قزوين وبين صراع الطاقة العالمي الذي تحدثنا عنه في القراءة الماضية على صفحات عمان الغراء، والذي من جرائه يمكن للعالم أن يشهد سلسلة من الحروب بسبب الغاز والنفط وبقية المصادر التي تقيم أود الحياة الحديثة والحضارة المعاصرة ؟
الشاهد أنه يمكن أن يكون ذلك كذلك بالفعل، حيث يوجد حقل «تنجيز» والذي يعد ثاني أكبر حقول النفط في العالم والموجود بمستنقعات الشاطئ الشمالي الشرقي للبحر في كازاخستان، وحقول الغاز على سواحل تركمانستان، حول مدينة تركمانباشي على الساحل الشرقي للبحر.
لماذا يتجدد الآن الحديث عن بحر قزوين وصراعاته؟
المؤكد أن للأمر صلة ما بتوقيع اتفاقية أوائل أغسطس الجاري بين الدول الخمس المطلة على البحر، بشأن الاستخدام الجماعي لخيراته الطبيعية، وذلك بعد نحو عقدين من مفاوضات معقدة طويلة، الأمر الذي دعا الرئيس الروسي بوتين لأن يصرح بالقول إن الاتفاقية الجديدة «تنظم الحق والمسؤولية المصيرية لدولنا بشأن مصير بحر قزوين، كما تؤسس قواعد واضحة للاستخدام الجماعي له».

وتأتي الاتفاقية لتنهي مسيرة تفاوضية بدأت العام 1996، لتنظيم الوصول إلى سطح بحر قزوين، كما تنظم أموراً أخرى تشمل الصيد وبناء خطوط الأنابيب وقضايا بيئية أخرى.
هل من علاقة ما بين توقيع الاتفاقية وقطع الطريق على النفوذ الأمريكي الساعي لاختراق «بحر قزوين» سيما من خلال المعاهدات الثنائية القائمة والقادمة مع كازاخستان؟
الشاهد أن الجواب لا يمكن إيجاده بعيدا عن تصريحات الرئيس بوتين، والذي تدين له آسيا اليوم بالريادة السياسية التاريخية، وأيضاً بالحضور العسكري في مواجهة مشروعات الهيمنة الأمريكية على العالم.
خلال الاجتماعات التي قادت إلى الاتفاقية تحدث بوتين بالقول: «إن قمة دول بحر قزوين الخامسة تتمتع بأهمية استثنائية ومغزى تاريخي، وتضمن الاتفاقية عدم وجود قوى غير إقليمية على البحر.
ويضيف بوتين: إن قمتنا تنطوي بالفعل على أهمية استثنائية ومغزى تاريخي، إن اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين، التي أعدت في سياق أكثر من 20 سنة من المفاوضات، تحدد الحق الحصري، ومسؤولية دولنا عن مصير بحر قزوين وتضع قواعد واضحة لاستخدامها الجماعي».
ما الذي كان يقصده بوتين بالقول الدول غير الإقليمية على البحر؟
مؤكد أنه لم يكن يقصد الصين أو يشير إليها، فهناك من العلاقات الجيدة الصاعدة بين بكين وموسكو، ما ينفي وجود نوايا تصادمية لدى الروس والصينيين في الوقت الحاضر.
من هنا يفهم المرء أن تلك القوى لن تخرج عن إطار الولايات المتحدة الأمريكية، فواشنطن تضع نصب عينيها الموقع والموضوع فائق الأهمية الاستراتيجية لبحر قزوين من جهة، ولما هو ساكن في باطنه من ثروات طبيعية من جهة ثانية، وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فقد قدرت الاحتياطيات المثبتة من النفط هناك بنحو 15-40 مليار برميل، وهو ما يمثل 1.5% إلى 4% من الاحتياطيات العالمية المثبتة، أما الاحتياطيات المثبتة من الغاز الطبيعي فتقدر بنحو 6.7 – 9.2 تريليونات متر مكعب، إضافة إلى احتمال 6% – 7% من الاحتياطيات العالمية من الغاز، ولا تزال غالبية الأحواض، خاصة البعيدة منها عن خط الساحل، وفي قاع البحر دون استغلال لأسباب تقنية.
في هذا الإطار كان الأمريكيون يعملون جاهدين على إيجاد نقطة ما تضحي بمثابة «كعب أخيل» في الجسد القزويني إن جاز التعبير، وهنا طفت على السطح جهورية كازاخستان، والاتفاقيات الموقعة بينها وبين الجيش الأمريكي بنوع خاص.
بدأت المخاوف عند الدول الخمس المطلة على بحر قزوين حينما صدقت كازاخستان على اتفاقية مع الولايات المتحدة، يحق لها بموجبها استخدام الجيش الأمريكي للموانئ الكازاخستانية في بحر قزوين لعبور شحنات الأسلحة إلى ظهور قواعد عسكرية أمريكية كاملة في بحر قزوين.
السؤال هنا: «هل كازاخستان سوف تسمح مستقبلاً بقيام قواعد عسكرية أمريكية في موانيها المطلة على بحر قزوين أم ستسمح فقط للقوات الأمريكية بالعبور جهة أفغانستان وليس أكثر من ذلك؟
بحسب البروفيسور «طلعت ماميرييموف» المحلل السياسي والاستراتيجي الكازاخي، فان كازاخستان قد أجرت مشاورات أولية مع الكرملين، وتبين لها أن روسيا مهتمة باستقرار أفغانستان، وان بوتين وافق على وجود القوات الأمريكية هناك.
عطفا على ذلك فان كازاخستان تستغل المشكلة الأفغانية لخدمة مصالح السياسة الخارجية، في المقام الأول لتطوير علاقات أعمق مع الغرب وعلى وجه الخصوص مع الولايات المتحدة، وتدرك «استانا» (عاصمة كازاخستان) أن واشنطن مهتمة بالعبور المستقر للمعدات العسكرية لوحداتها إلى أفغانستان ، وعلى خلفية النزاع بين روسيا والولايات المتحدة، تخش أستانا من أن يؤثر ذلك بشكل ما على مصالح كازاخستان، وأن تتعرض البلاد أيضاً للعقوبات، وبالتالي تحاول استرضاء الولايات المتحدة بشكل خاص، بمنحها الحق في العبور.
لا تبدو روسيا في واقع الحال قلقة من فكرة إقامة قواعد عسكرية أمريكية في موانئ كازاخستان، وإن كان كل قلقها سببه الرئيس توسع الناتو شرقا أي إلى حدود روسيا الغربية، والأحاديث الدائرة هناك منذ فترة عن حائط صواريخ نووي جديد.
والمؤكد أن كافة التحليلات السياسية والعسكرية تشير إلى أنه من المستبعد أن توافق أستانا على نشر قواعد عسكرية أمريكية في موانيها، فهي في غنى عن الدخول في صراع مع الجارتين الكبيرتين، أي روسيا وإيران، مع ما لهما من خلافات ضخمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي باتت تستخدم سلاح العقوبات الاقتصادية كآلية عقاب وردع، في مواجهة الدول التي تختلف معها، سيما بعد تراجع الخيارات العسكرية، وعدم تفضيل الأمريكيين الدخول في صراعات عسكرية جديدة، سواء في الشرق أو الغرب، وبعد أن باتت ميادين القتال في نهايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مختلفة شكلاً وموضوعاً مع ما كان عليه الأمر غداة احتلالها لأفغانستان عام 2001، أو لغزوها للعراق عام 2003.
لم تعد مسألة القواعد العسكرية الأمريكية تشغل الروس كثيراً، الأمر الذي عبر عنه نائب مدير معهد التحليل السياسي والعسكري الروسي «الكسندر خرامتشيخين» بالقول إن هناك شكوكا كبيرة في إمكانية ظهور قواعد عسكرية أمريكية في بحر قزوين، سيما وأن هذا البحر جغرافياً يشبه بحيرة يمكن الدخول إليها فقط من خلال نهر الفولغا، الذي يقع بالكامل في أراضي روسيا، أو من خلال نظام فولغا – الدون، الذي يقع أيضاً جميعه في روسيا.
تنحو الاتفاقية الجديدة إلى مسألة تبادل المنافع بين الدول المطلة على بحر قزوين، وفي المقدمة منها مسألة مكافحة الإرهاب وعند الرئيس بوتين انه في المحيط المباشر لبحر قزوين توجد جيوب من عدم الاستقرار،ـ مثل الشرق الأوسط، وأفغانستان، ولذلك تتطلب الحياة نفسها التعاون الوثيق لمصالح الشعوب التي تطل على بحر قزوين، لاسيما تعزيز التعاون المنهجي في مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، وتوسيع العمل المشترك، من خلال الخدمات الخاصة والإدارات الحدودية.
غير أن مسألة الطاقة يتبقى لها في واقع الحال نصيب الأسد من الاتفاقية الأخيرة، التي أولت هذه القضية اهتماماً كبيراً جداً، فروسيا قد عارضت مبادرات مد أنابيب عبر بحر قزوين على مدى عدة سنوات ليس من دون أساس، فهي ترى فيها منافسة للغاز الروسي المورد إلى أوروبا، لكن موسكو الآن، خففت من حدة معارضتها وباتت مستعدة لتقديم تنازلات، فأولاً عززت غاز بروم كبرى شركات الطاقة الروسية بالفعل موقعها الاحتكاري في السوق الأوربية، وربما لم تعد تخيفها المنافسة، وثانياً تريد روسيا الحفاظ على علاقات جيدة مع الجمهوريات الشقيقة السابقة في منطقة نفوذها، على خلفية العلاقات الضعيفة للغاية مع الغرب وحلف الناتو.
كانت روسيا في واقع الحال هي العقل المحرك الأول والأكبر، بل الأهم في مسألة اتفاقية بحر قزوين وبنوع خاص من أجل ترتيب مسألة الاتفاقية النفطية، فوفق الرؤية الروسية يمكن تقسيم قاع البحر إلى قطاعات وطنية بطريقة خط الوسط، بحيث يكون للدول الحق في استغلال الموارد كل في حدود قطاعه مع ترك السطح وعمق المياه للاستخدام العام، وهكذا لم تعد فكرة تقسيم البحر مرفوضة من قبل أي دولة من الدول الخمس، الأمر الذي يعد في حد ذاته مقدمة مهمة للتوصل إلى حل توفيقي نهائي بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين.
ينظر بوتين لبحر قزوين نظرة استراتيجية ربما تتجاوز فكرة مصالح الطاقة على أهميتها، إذ يعتبر هذه الاتفاقية بمثابة آلية جديدة لتعزيز النفوذ الآسيوي في مقابل الرؤى الأمريكية المنفلتة حول العالم.
فعلى سبيل المثال يعتقد رجل روسيا الأهم في حاضرات أيامنا انه من المهم تطوير الشراكات على الخط البحري، على وجه الخصوص للقيام بزيارات متبادلة منتظمة للسفن، لتوسيع ممارسه المشاركة المشتركة للطاقم والسفن في مختلف المناسبات، وكذلك يؤمن بانه يمكن أن تكون واحدة من هذه المناسبات ما يطلق عليه «كأس البحر» التي تقام في منطقة بحر قزوين في إطار الألعاب الدولية، وعنده أيضاً انه من الضروري تطوير آلية لإجراء مشاورات منظمة مع أسطول بحر قزوين لمنع وقوع الحوادث.
هل كسب بوتين جولة جديدة في الصراع الدائر على رقعة الشطرنج العالمية مع الولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص؟
يمكن للمرء أن يشير إلى أن اتفاقية بحر قزوين، والتي تنص على أن قوات الدول المطلة على البحر هي وحدها فقط التي لها الحق في التواجد في هذا البحر، تعد نصراً عظيماً لروسيا، لأنها بذلك تقطع الطريق على أي وجود للناتو في بحر قزوين، الأمر الذي يعزز من حضور روسيا الأقوى بشكل عام بما لا يقاس من جميع جيرانها.
وتبقى الإشارة إلى جزئية هامة ربما لم يلتفت إليها كثير من المراقبين والمحللين السياسيين والاستراتيجيين وهي أن بحر قزوين قد لعب دوراً عسكرياً فاعلاً لصالح روسيا في معاركها مع الإرهاب في سوريا، وبخاصة لمواجهة تنظيم داعش، فمن خلال أكبر بحر مغلق حول العالم ، تمكن الروس من إطلاق صواريخهم بعيدة المدى على الدواعش، كما انه من هذه المنطقة مستقبلاً يمكن لروسيا أن تهدد العديد من المواقع والمواضع المرشحة لمواجهة موسكو حال القارعة.
هل من خلاصة؟…. بلا شك بوتين يربح من جديد