كيف غيرت البرودة الجافة الحياة في غرب آسيا قبل 8000 سنة ؟

  كشفت دراسة نشرت مؤخرا أن فترة مفاجئة من البرودة الجافة تسببت في تغيير مظاهر الحياة في مناطق غرب آسيا بشكل كبير قبل نحو 8000 سنة. وذكر فريق دولي من الباحثين أن ما يعرف بـ “تذبذبات ميسوكس” في مدينة “كاتال هويوك”، في تركيا الحالية، كان لها عواقب سلبية على الاقتصاد وطرق معيشة السكان.
ورجح الباحثون في دراستهم التي نشرت في العدد الأخير من مجلة “بروسيدنجز” التابعة للأكاديمية الأمريكية للعلوم، أن الجفاف والبرودة في هذه المناطق دفعا سكانها إلى الهجرة إلى أوروبا، وكذلك انتشار الزراعة هناك.
وكانت تغيرات في التيارات المائية شمالي المحيط الأطلسي، قد سببت “تذبذبات ميسوكس” قبل نحو 8250 عاما حسب تقديرات العلماء.
وأدت هذه التغيرات إلى مناخ جاف بشكل متزايد في أنحاء واسعة من العالم على مدى نحو 160 عاما وفي انخفاض درجات الحرارة بنحو 3 درجات مئوية.
وقام باحثون من بريطانيا وبولندا والولايات المتحدة بدراسة التأثيرات على مدينة “كاتاك هويوك” بالقرب من مدينة قونية حيث كان الناس آنذاك يمارسون الزراعة وتربية الماشية.
وكانت المدينة معمورة في الفترة بين عام 9600 إلى عام 7800 سنة.
وتم استخراج حفريات من باطن المدينة قبل أكثر من 50 سنة، عثر فيها على أكثر من 13 ألف قطعة فخار وأكثر من 220 ألف من بقايا عظام الحيوانات.
وحلل الباحثون في إطار الدراسة 67 أثرا من الفترة محل الخلاف، بحثا عن بقايا عضوية، وقد اعتمدوا على نظائر الهيدروجين التي عثر عليها في بقايا الأحماض الدهنية. وقد وضع الباحثون في البداية نموذجا للمناخ الذي كان سائدا في هذه الفترة.
ويرجح الباحثون، وفقا لهذا النموذج أن درجة الحرارة انخفضت في المنطقة بواقع درجة إلى درجتين مئويتين وتراجعت الأمطار في الصيف بنسبة 10 إلى 15 بالمئة.
ثم درس الباحثون مدى تأثير التغيرات المناخية على حياة البشر آنذاك.
ويدل تحليل البقايا العضوية التي عثر عليها على أن عدد الأبقار تراجع في بداية فترة البرودة، في حين تزايدت في الوقت ذاته أعداد الماعز والأغنام، وهي حيوانات تجيد التأقلم بشكل أفضل مع الجفاف. وفي نفس الوقت، كشفت الآثار التي عثر عليها أن البشر لجأوا بشكل متزايد لتكسير العظام الكبيرة لاستغلال النخاع الدهني والعظمي للأبقار. كما فسر الباحثون وجود عدد متزايد من آثار الشفرات على أنه علامة على الاستغلال الرشيد للماشية آنذاك. وفسر الباحثون ذلك، وأيضا وجود مايدل على سوء تغذية الأبقار، على أنه دليل على نقص الغذاء. وقال فريق الباحثين: “تسبب تراجع درجات الحرارة في تزايد الحاجة للمواد الغذائية للماشية التي أصبحت تحتاج، بسبب البرد، إلى ضعف السعرات الحرارية للحفاظ على درجة حرارتها العادية وعلى وظائف الجسم.. مما جعل الحصول على علف للحيوانات في هذه الظروف تحديا بينما تسبب الجفاف الصيفي في انخفاض المحاصيل الزراعية”. كما أكد الباحثون أن الهندسة المعمارية للمدينة عكست هي الأخرى هذه التغيرات المناخية حيث كانت المباني الكبيرة ذات الغرف الكثيرة سائدة في البداية، ثم أدى تغير المناخ إلى انتشار المنازل ذات الغرف المركزية التي تحيط بها غرف صغيرة شبيهة بالخلايا والتي كانت تستخدم كمخازن أو غرف للعمل. وتابع الباحثون: “نشأت منازل صغيرة وأكثر استقلالا، حلت محل البيوت المشتركة التي كانت سائدة آنذاك”. وأوضح الباحثون أن هذه المساكن الجديدة أثبتت أنها غير مستديمة وقلصت المستعمرات السكنية التي كانت سائدة حتى ذلك الحين مما أدى حتميا إلى انهيارها بشكل مفاجئ نسبيا ثم مغادرة هذه المدينة قبل 7925 إلى 7815 تقريبا”.
(د ب أ)