فضائل عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير

د. عبد العاطى محمد –
يظل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير فضيلة من فضائل السياسة الخارجية للطرف الذي ينتهج الحكمة في إدارة علاقاته الدولية. ومع كونه التزاما أخلاقيا يعكس درجة عالية من التحضر والرقى الإنساني، وتجسيدا لروح العمل بقواعد القانون الدولي، إلا أنه أيضا أحد العناصر الأساسية في تشكيل سياسة خارجية تحقق المصلحة الوطنية فيما يتعلق بالتنمية والأمن والاستقرار.
وقد يتبادر إلى الذهن أن المقصود بهذا المبدأ النأي بالنفس عن أي شكل من أشكال التفاعل مع البيئة الخارجية، أو أنه مرادف لما يسمى بالحياد السلبي، ولكن ذلك بعيد عن الحقيقة تماما، فلم يعد لهذا الحياد السلبي مكان في عالم اليوم الذي يضج بالأزمات والخلافات بل والصراعات التي تطول الجميع حتى لو لم يكونوا طرفا مباشرا فيها، بما لا يترك مجالا للوقوف موقف المتفرج. أي أن التفاعل قائم بحكم الضرورة. ولكن المقصود هو عدم التأثير على الأوضاع الداخلية لطرف أو أطراف خارجية بهدف تغييرها عنوة وضد رغبة أطرافها المباشرين ودون استدعاء للتدخل من هذه الأطراف طلبا للمساعدة. ويشمل التأثير أشكالا شتى تبدأ من التدخل العسكري الصريح إلى تجنيد وحشد قوى داخلية للقيام بما يسمى الحرب بالوكالة، مرورا بالحملات الإعلامية والدعاية المعادية والضغوط الاقتصادية. وأما ما هو دون ذلك من تفاعلات فهو تصرف طبيعي ومعتاد ومتوقع لا غرابة فيه، بل وضروري للغاية، خصوصا عندما ترتبط ظروفه بصور معينة من التهديدات للأمن القومي. ولا شك أن الطبيعة المنفتحة للعالم التي جعلته قرية صغيرة، وكذلك التقدم الرهيب في وسائل التفاعل والرد على المواقف والأحداث بسبب توفر الثورة الرقمية ووسائل التواصل الإلكترونية، لم يعد يصف هذا التفاعل على أنه تدخل في شؤون الغير وإنما تشارك في الاهتمامات ورغبة في العمل المشترك لتبيان الحقائق وتجنب الأزمات وتعظيم التطورات الإيجابية للصالح الوطني والدولي أيضا.
مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين لا علاقة له بهذه التفاعلات المعتادة في العلاقات الدولية، وإنما ينصرف تحديدا إلى رفض كل أشكال التأثير على النظم والمجتمعات بهدف تغييرها على غير موافقتها أو رضاها. ومن متابعة ما جرى ويجرى في العالم المعاصر فإن عديد الأزمات القائمة أيا كان حجمها وخطرها على الأمن والسلام العالميين وكذلك على أمن وسلامة كل طرف من أطرافه على مستواه الوطني، قد نشأت بسبب انتهاك هذا المبدأ بغض النظر عن الحجج التي تبرر ذلك، خصوصا أنه في ظل تعقد المشكلات الإقليمية والدولية تتوه الحقائق بين ما يعد تدخلا في شئون الغير (وهو ما ليس مقبولا) وما يعد تفاعلا أملته الضرورة.
ولم يؤد الغموض الذي يلف مصير العالم المعاصر إلى هز مكانة هذا المبدأ العظيم، بل على العكس أضفي عليه المزيد من المصداقية والنجاعة مما يجعله بمثابة طوق النجاة من الرياح والعواصف السياسية التي تضرب عالم اليوم وبشكل مفاجئ كل يوم تقريبا. والأمثلة العملية التي تؤكد ذلك كثيرة، وتحديدا مما هو قائم في منطقتنا العربية، فمن استمسك بهذا المبدأ نجا من العواصف التي هبت على الشرق الأوسط، ومن تخلى عنه واستسهل انتهاكه دفع ثمنا غاليا حيث لم يجن من ورائه سوى أن يصبح طرفا في أزمة يصعب التكهن بمآلاتها أو نهايتها.
فضائل عدم التدخل بهذا المعنى وضمن هذا الإطار عديدة. ويمكن الوقوف عليها من خلال توضيح تبعات العكس،أي المغامرة بالتدخل في شؤون الغير على غير إرادته.
فمن ناحية إذا ما أقدم طرف ما على هذه المغامرة فإن ذلك يعني أنه أصبح في وضع عدائي ضد الآخر والمواجهة المتوقعة تعنى أنه في حاجة إلى طلب المساعدة من الآخرين. ووضعية الاحتياج تفرض عليه أن يقبل بشروط من سيقدم له يد العون. وهنا يمكن أن يفاجأ بأمور لم تكن في حسبانه كأن يقبل مثلا بالانخراط في تحالفات عسكرية يكون فيها طرفا ضعيفا. والمعنى أنه يكون في وضع القابلية للضغط عليه لا وضع الذي يفرض شروطه لتحقيق ما يرجوه من أهداف. لتقريب المعنى نأخذ مثالا موضع احتمال مما يحاك للمنطقة من مخططات. فمن وقت إلى آخر يتجدد الحديث في واشنطن عن إقامة ما يسمى «الناتو العربي»، أي إقامة حلف عسكري عربي على غرار حلف الناتو. ويجرى التسويق للفكرة بدعوى أنها الحل للتغلب على التهديدات الأمنية في المنطقة المترتبة على الأزمات القائمة في كل من سوريا وليبيا واليمن والعراق أيضا. ولا يتحدث من يروجون لهذا الحلف عن أنه سيواجه إسرائيل مثلا، وإنما للصدام العسكري مع إيران بما يعنى إيقاع الفرقة بين الدول الإسلامية. دعوة من هذا القبيل، ومع أنها لن تتحقق، ما كان لها أن تصدر لولا أن هناك أطرافا طاب لها هوى المغامرة بالتخلي عن مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للغير.
ومن ناحية أخرى وبناء على ما سبق فإن التخلي عن المبدأ يعنى الانخراط في صراعات دولية وليس مجرد صراعات إقليمية فقط، فمن يلجأ لطلب المساعدة سيطلبها بالقطع من قوى دولية كبرى لما يتوافر لها من إمكانيات عسكرية واقتصادية ونفوذ سياسي. وبما أن هذه القوى ليست على وفاق بل على خصام وتنافس دائم، فإن الطلب سيواجه بمعارضة من القوى الدولية الأخرى، والنتيجة هي استعداء هذه القوى. والمؤسف حينها هو اكتشاف ان من جرى استعداؤه كان صديقا بالأمس!. وهكذا بعد أن كان طرفا ما ينعم بصداقات قوية وعديدة وقت حفاظه على مبدأ عدم التدخل في شؤون الغير، إذا به يفقد هذه الصداقات أو بعضا منها ويجني عداوات بدلا منها، لقد كانت هذه الصداقات نعم العون له في أوقات الشدة أي عندما كان يتعرض لتهديدات أمنية أو في حاجة للمساعدة الاقتصادية، ومن المؤسف أن يفتقدها عندما يزج بنفسه في صراعات دولية لا شأن له بها، ولكنه اضطر لذلك عندما تخلى عن هذا المبدأ.ومن ناحية ثالثة يؤدي التخلي عن هذا المبدأ إلى تبديد الموارد الوطنية ومن ثم الانشغال عن الهدف الأسمى وهو التنمية. فالتخلي يؤدى بداهة إلى الانخراط في أزمات وربما معارك مسلحة، وذلك يفرض تغيير أوجه الإنفاق الوطني من التنمية إلى ساحة هذه المعارك. التكلفة هنا لن تتوقف فقط عند فقدان البشر بل تمتد إلى تبديد جانب كبير من الموارد المالية للإنفاق على التسلح، والمستفيد الأكبر هنا هو كبريات شركات السلاح في العالم!. ومعلوم حجم الخسارة الوطنية من تراجع معدلات التنمية من حيث تدني الخدمات وارتفاع تكلفة المعيشة ولا حديث وقتها عن بناء دولة الرفاهية.
ومن ناحية رابعة لا يمكن الحديث عن سياسة خارجية تضمن السيادة الوطنية وحرية اتخاذ القرار الوطني المستقل وتوفير بيئة خصبة للتنمية الاقتصادية وتحقيق مكانة دولية مؤثرة وموضع تقدير من الآخرين، في ظل التخلي عن مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين؛ لأن النتائج المترتبة على هذا التخلي، وسبق الإشارة لأمثلة منها، لن تحقق شيئا من هذا القبيل، بل على العكس تؤدي إلى تأثر السيادة الوطنية وحرية اتخاذ القرار وفقدان البيئة الخارجية للتنمية. وأما الاستمساك بالمبدأ فإنه يؤدي حتما إلى تشكيل سياسة خارجية مرموقة تحقق مطالب الداخل والخارج معا. وليس سرا أن الأطراف الدولية الأكثر إيجابية في الوساطات الدولية هي تلك المستمسكة بهذا المبدأ. الجميع يدقون أبوابها كلما احتاجوا إلى طرف حكيم يقرب المسافات بين أطراف الأزمات المستعصية. هي أطراف لم تصنع عداوات مع أحد لأنها احترمت شؤونه الداخلية ولم تتورط في نزاعاته. هي دائما جاهزة للتفاعل الإيجابي مع مشكلات بيئتها المحيطة، ولا تقف موقف المتفرج خصوصا إذا ما مست التطورات مصالحها وأمنها القومي، وإنما تستثمر رصيدها من العلاقات الطيبة مع الجميع لدرء المخاطر عن نفسها وللعمل على احتواء الأزمات أو منعها من الانفجار. وفي كل ذلك تجد آذانا صاغية من الجميع وتؤدى تحركاتها إلى التوصل إلى نتائج إيجابية دائما.
ما أحوج منطقتنا العربية إلى هذا النهج ، الذي تتبناه سلطنة عمان على سبيل المثال على مدى العقود الاخيرة ، خاصة في وقت اشتدت فيه التحديات، وضاقت فيه فرص الحوار لأسباب شتى. هو نهج يحفظ المصالح الوطنية مثلما يسهم في كبح جماح الخلافات التي في حال استمرارها تزداد محنة الأمة العربية سوءا، بينما لا يستفيد من الهوان العربي سوى المتربصين الذين يسعون إلى زراعة الفتن السياسية لبسط الهيمنة على المصير العربي.