حكايات شعبية جعلت كهف جرنان وجهة مقصودة للمغامر والطامع

بين الحقـيقـة والخـرافـة –
كتب: كلثم الدرمكية –
عجل من الذهب الخالص بداخله، هكذا عرّفت الروايات المتداولة كهف جرنان الذي يعود تاريخه إلى العصر الجاهلي، وما زال حتى اليوم لغزا لم يستطع أحد فك شفرته خاصة بعد ما تم ردمه بفعل عوامل الطبيعة ومعالم التجوية والتعرية لتصبح آلية الدخول إليه أقصى من 20 مترا من المدخل -على الأكثر- صعبة المنال بعد أن كانت مغامرة وتحديا لدى البعض.

يقع كهف جرنان في تلة صخرية غير مستقرة جيولوجيًا تحت حارة النزار القديمة بولاية إزكي في محافظة الداخلية، حيث يجاورها من الشمال ولاية سمائل، ومن جهة الجنوب ولايتا أدم ومنح، ومن جهة الشرق ولاية المضيبي، ومن الغرب الجبل الأخضر التابع لولاية نزوى، وتبعد عن العاصمة مسقط حوالي 140 كيلو مترًا.
يذكر أبو مسلم البهلاني في كتابه «نزهة المتأملين في معالم الأزكويين» أن جرنان هو الاسم القبلي للولاية في عصور الجاهلية نسبة إلى صنم يعبد آنذاك – وهو العجل الذهبي- ومع بزوغ الإسلام تم إخفاؤه داخل الكهف الذي يحوي عدة طرق متشعبة منها طريق يؤدي إلى مقر العجل الذهبي حسب ما يُزعَم وأخرى مسالك لطرق متفرقة، كما ذكر البهلاني أن فتحة الغار – الأمامية- المقابلة لمجرى ومهبط وادي حلفين ضيقة فلا يستطيع الشخص دخوله إلا زاحفا على بطنه ومن بعدها يتسع الكهف.
مع مرور السنوات تكاثرت الروايات والأقاويل عن الكهف حتى أصبح الموقع جاذبا للمغامرين والسياح من المواطنين والأجانب على حدٍ سواء ومن الروايات القديمة على لسان الوالد صالح بن علي العزري قال: «سمعنا العديد من الحكايات المتعلقة بالكهف منها أن شخصا من أهل قرية النزار القديمة كلّف ابنه بتبليل سعف النخيل رغم أن البيت كان بعيدًا عن الفلج، ذهب الابن لبله ووجد فلجًا جاريًا أمام البيت، بلل السعف وعاد إلى بيته فتعجب الأب من سرعته، فلما سأله كيف وصلت إلى الفلج بهذه السرعة؟ أجاب الابن بوجود فلج أمام المنزل إلا أنهم حين خرجوا لرؤيته لم يجدوا سوى آثار أقدام الابن والماء موجودة في ذلك المكان فقط، فقيل حينها إن الكهف يمتد إلى ذلك المكان -أي إلى مكان الفلج، ويطلق عليه فلج الهدّار، وهو موجود بداخل قرية النزار- كما يقال إن الجن هم من شقوا الفلج إلى تلك المنطقة، حيث إن الكهف كان يملكه الجان».
ويشيع بين الناس أن الكهف لا يدخله إلا من كان ذا علم وعزم – كما جاء على لسان الوالدة سارة السرحنية مما سمعته عن الأجداد السابقين- أن عبد الرحمن، وهو شخص ذو علم وعزم دخل الكهف منذ زمن، حيث كان المدخل ضيقا فاضطر الدخول زحفاً على بطنه مع قراءة بعض من آيات الله لتحصين نفسه بها، دخل من الباب الأول، ووصل إلى باحة واسعة فواصل السير حتى وصل إلى الباب الثاني لكن حينما وصل إلى الباب الثالث لم يستطع الدخول، وواجه صعوبة في ذلك عندها قرر العودة للخروج، وفي طريقه وجد بوتقة – وهي عبارة عن وعاء يستخدم لصوغ الذهب قديماً- فأخذها معه إلى الخارج ووجد فيها بقايا ذهب.
ويروى كذلك أن آخرين دخلوا الكهف، وواجهوا عدة مصاعب أثناء دخولهم أهمها مهاجمة الدواب والطيور لهم وبعض منهم وجدوا في الكهف (صرف) – وهي نقود قديمه كانت تسمى شيخة ومحمدية- حيث كان القدماء يستخدمون هذا المصطلح عند المناداة على تقسيم الأثر من الفلج الملكي الذي يعد أقدم أفلاج عُمان، فكانوا يقولون شيخة ومحمدية قبل نطق اسم الشخص الذي يذهب له الأثر.
إلى جانب رواية وجود الكهف بداخل جبل تنزل مياه خفيفة من أعلاه ويسميها أهل البلدة قديمًا «غويزات بنت النبي» وتصدر من الفلج الهدّار.

قصص وهمية

إلا أن الكثير من المغامرين والأشخاص وبعض من أبناء المنطقة يعتقدون أن كل ما يتم تداوله عن الكهف من حكايات ما هي إلا إشاعات فمنهم من وثّق تجربة الدخول عبر قناته على اليوتيوب، ومنهم من نشرها عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي الأخرى ليبرهنوا أن القصص محض خرافة، ومن أهم هذه التجارب ما نشره المغامر أحمد جني في سبتمبر 2017 عبر قناة اليوتيوب خاصته التي تضم أكثر من 48 ألف مشترك قائلًا: «تم تصوير واكتشاف المكان في الفترة الليلية، فلم يتم العثور على مدخل للكهف أو قد يكون مغلقا أساسا، تبين لنا بعد ذلك أن الكهف والأساطير فيما يخص وجود العجل الذهبي وحراس الجن مجرد خرافات وهمية، لا يوجد دليل قاطع على صحتها».
وفي فيديو آخر تم نشره من قبل الناشط فهد مبارك بنفس العام ظهر فيه الشيخ محمد بن ناصر الريامي عضو مجلس الشورى سابقا في ولاية إزكي يتحدث عن الأقاويل المتناقلة عما بداخل الكهف من عجل ذهبي وجن حارسة وأفلاج، اختصر كلامه في عبارة قال: «كلام فارغ ليس له من الحق كلمة».
كما علق فهد مبارك عبر قناته اليوتيوبية حول الكهف قائلا: «بسبب الكثير من الحكايات التي شطحت في مخيلة الناس حول كهف جرنان بإزكي، وبسبب كثرة المغالطات والمزايدات حوله كان لزاما علينا أن نوضح حقيقة الكهف، ونؤكد أنها عبارة عن أكاذيب شوهت للأسف تاريخ عمان الذي يضرب بجذوره في عمق التاريخ، وسوف تشاهدون زيارة للأهالي الذين سكنوا المنطقة، ويعرفون تفاصيل الكهف، وزيارتنا للكهف سوف تكشف لكم حقيقته، وأنه عبارة عن امتداد بسيط لحوالي 20 مترا وينتهي؛ لذلك كان من الواجب الانتباه قبل بث معلومات مغلوطة التي شطحت بها مخيلة الناس إلى البعيد الذي تجاوز حدوده».

معلم سياحي

ورغم أن حجارة كهف جرنان تعود إلى الصخور الجيرية التي تشكلت في العصر الثلاثي قبل 35 مليون سنة إلا أن الجيولوجيا لم تكفِ وحدها في صناعة عملية استقطاب السائح، فالأساطير والحكايات المخيفة المتناقلة من عصر إلى آخر حول الكهف ميزته عن باقي كهوف السلطنة، وساهمت بشكل كبير في جلب السائح، ولكن قد يظل كهف جرنان سرًا للطبيعة إلى أجل غير مسمى، فقد تم ردمه طبيعيًا بعد فيضان وادي حلفين خلال أحد مواسم السيول الجارفة منذ القرن الماضي، وهذا قد يكون سببا رئيسيا في عدم إمكانية التحقق من صحة الأقاويل المتداولة بشأنه من قبل المغامرين.
وفي دراسة أولية أعدتها الحكومة في مطلع التسعينات حول إمكانية تطوير الكهف إلا أنها أثبتت تضرره جراء تسرب المجاري القديمة وغير الصحية لحارة النزار الواقعة أعلى الكهف مباشرة، مما يصعب معه تطويره بشكل كبير لاعتبارات صحية وبيئية وخشية تصدع الكتل الصخرية غير المستقرة، وبالتالي تعريض القرية القديمة للسقوط والانهيار.
ووفقا لوزارة السياحة فقد طور الكهف بشكل بسيط من خلال إضافة بعض اللمسات التي من شأنها إبراز الكهف، حيث تمت توسعة المدخل وإنشاء الجلسات إضافة إلى تهيئة مواقف للسيارات، كما تم عمل لوحات إرشادية متفرقة تسهل على السائح الاستدلال على موقع الكهف.
الجدير بالذكر أنه من المهم التفات وزارة السياحة لهذا النوع من المواقع السياحية مع تهيئة المكان بالخدمات المطلوبة وأهمها لوائح إرشادية قريبة من حارة النزار وطريق مؤدية لواجهة الكهف تماما بالإضافة إلى حرص المحافظة على نظافة المكان.