بعد هزيمة «داعش».. مهمة أخرى للألمان في العراق!

سمير عواد –
على الرغم من الأرقام والإحصائيات المتفائلة التي أعلنتها الحكومة الألمانية أخيرا وأرادت من ورائها على النقيض من الدور العسكري الذي تقوم به منذ نهاية عام 2001 في أفغانستان، تقديم أدلة إلى الشعب الألماني المعروف أنه ليس من عادته إبداء رضاه عن مهام الجيش الألماني خارج نطاق حلف شمال الأطلسي «ناتو»، بأن مهمة الجيش الألماني في العراق التي قامت أصلا لمحاربة «داعش»، حققت الأهداف المنشودة حيث قامت منذ عام 2015 بتدريب وتجهيز ثمانية عشر ألف مقاتل ينتمون إلى الميليشيا الكردية «البشمركة»، والتي يؤكد المسؤولون الألمان على أنها قامت بدور أساسي في انسحاب مقاتلي «داعش» من المناطق التي كانت تسيطر عليها في العراق، ورغم كل التفاؤل الحذر الذي تضمنه تقرير الحكومة الألمانية بالخصوص، ما زالت برلين تصر على أن «داعش» لا يزال يُشكل خطراً على العراق ومناطق الحكم الذاتي الكردية الواقعة في القسم الشمالي منه.

وجاء في تقرير حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن الحكومة الألمانية أبلغت باستنتاجات إيجابية بعد تقييم مهمة الجيش الألماني في العراق منذ أن بدأت في عام 2015 تركزت حينذاك على تدريب مقاتلي البشمركة والقوات المسلحة العراقية. وخلص التقرير إلى أن ألمانيا قدمت مساهمة مهمة في تحقيق انتصارات عسكرية للبشمركة والجيش العراقي في الحرب ضد «داعش». ويُعتبر هذا آخر تقرير وضعته الحكومة الألمانية بمناسبة انتهاء مهمة الجيش الألماني في العراق وتم تسريب نسخة منه إلى بعض وسائل الإعلام الألمانية.
وتجدر الإشارة إلى أن مهمة الجيش الألماني في العراق كانت قد بدأت رسميا في فبراير 2015 وانتهت بتاريخ 30 أبريل الماضي، وشارك فيها حوالي 1600 جندي ألماني، قاموا بتدريب نحو 18 ألف مقاتل من البشمركة وأفراد الجيش العراقي. كما دعمت ألمانيا البشمركة بالذات بأسلحة حديثة وعربات عسكرية وبزات تقدر قيمتها بأكثر من 98 مليون يورو. كما أشرف خبراء من الاستخبارات الألمانية على تزويد مقاتلي البشمركة بمعلومات وصور تم التقاطها عبر الأقمار الاصطناعية وطائرات استطلاع حول حشود ومواقع تجمعات عناصر ومقاتلي تنظيم «داعش».
وزارت أورسولا فون دير لاين، وزيرة الدفاع الألمانية المناطق الكردية مرارا وكذلك بغداد، لتفقد المهمة الألمانية والاطلاع على سير المهمة العسكرية الألمانية الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الألمانية العراقية الكردية.
ولوحظ في التقرير الرسمي للحكومة الألمانية حول مهمة الجيش الألماني في العراق، أن التقرير الذي اشتركت وزارة الخارجية ووزارة الدفاع الألمانيتين في إعداده، قد خلا تماما من معلومات وتقارير نُشرت في السابق، سببت حرجاً للحكومة الألمانية وهددت بفشل مهمة الجيش الألماني في العراق، مثل المشكلة التي أثارت جدلا واسعا في تركيا والعراق وألمانيا، بعد اكتشاف عرض أسلحة قدمتها ألمانيا إلى البشمركة، معروضة للبيع، حيث أكد الكثير من المنتقدين لهذه العلاقة بين برلين والبشمركة، أنهم يخشون وقوع الأسلحة الألمانية بأيدي جهات أخرى مثل «داعش» و«حزب العمال الكردستاني» المعارض لأنقرة الذي يحارب تركيا منذ سنوات عديدة. ومن ضمن أنواع الأسلحة التي تم الكشف عن قيام الأكراد ببيعها في السوق السوداء، بنادق ألمانية من نوع G36 وأسلحة أخرى من بينها صواريخ من نوع «ميلان». وقال بعض المراقبين: إن تقليل برلين من خطورة ما جرى في تلك الفترة، مسألة متعمدة، وعوضا عن السعي للتأكد من صحة الاتهامات بعرض أسلحتها للبيع في السوق السوداء، حيث تأكد لاحقا أن بعضها وقع فعلا بأيدي «داعش» و«حزب العمال الكردستاني»، حسبما تقول بعض المصادر، أكدت برلين مرارا أنها تثق بالبشمركة وبوجهات النظر التي اقتنع الألمان بها، والتي أفادت أن بعض قادة ومقاتلي البشمركة باعوا أسلحتهم الألمانية بسبب الحاجة إلى المال، وتمكنوا من استعادتها وتم سحبها تماما من «الأيدي الخطأ». لكن مجلة «دير شبيجل» الألمانية، أكدت في تقرير لها أن روايات البشمركة مشكوك في صحتها. وخلافاً لمزاعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي صرح في مطلع العام الجاري أنه قد تم القضاء على «داعش» في العراق، يدحض تقرير الحكومة الألمانية هذا الموقف بكل وضوح ويشير إلى ذلك بحذر شديد حيث أورد التقرير العبارة التالية عند التعرض للاستنتاجات: «حتى لو أنه تم إضعاف «داعش» بوضوح في العراق وسوريا، فإن التنظيم لا يزال يُشكل خطرا، لأنه يعمل سراً وبذلك يُشكل تهديداً دائماً للأمن والاستقرار في المنطقة، الأمر الذي يستدعي مواصلة مكافحته. لذلك ترى برلين ضرورة في مواصلة التواجد في العراق، وقررت الحكومة الألمانية بدء مهمة جديدة للجيش الألماني هناك، وبدلا من تدريب مقاتلي البشمركة في المناطق الكردية في الشمال، تعتزم برلين تدريب ضباط في الجيش العراقي في قاعدة تقع بالقرب من بغداد، ولهذا السبب سيتم إرسال فريق من المدربين العسكريين الألمان إلى بغداد مدة تصل إلى ثمانية أسابيع موجود حاليا في الأردن، لهدف تدريب الضباط العراقيين على مواجهة «داعش» بالإضافة إلى إزالة الألغام.
وترى برلين مهمتها العسكرية الجديدة في العراق، علامة سياسية إيجابية تجاه الحكومة العراقية التي كانت تتابع باستغراب الدعم العسكري الألماني الكبير للبشمركة في شمال العراق، فيما كانت تحاول منذ سنوات منع الأكراد العراقيين من إعلان جمهورية كردية في الشمال التي تقع فيها حقول من النفط. كما ترى الحكومة العراقية أنه من الخطأ قيام ألمانيا بتقوية وتعزيز الميليشيات الكردية عوضا عن تقوية وتعزيز الجيش العراقي.
وبحسب مجلة «دير شبيجل» الألمانية سيظل تعاون ألمانيا مع العراق من جهة والأكراد من جهة أخرى، مسألة صعبة لا تخلو من المشكلات. لكن برلين تؤكد أنها لن تُرسل جندي ألماني واحد إلى العراق لتدريب ميليشيا «الحشد الشعبي» لكن هذه الميليشيات بالتحديد، تسعى الحكومة العراقية إلى ضمها للجيش العراقي.
وتجد الحكومة العراقية الفرصة متاحة أمامها للطلب من برلين دعمها بالسلاح. وقد ذكر أحد مستشاري رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي مجلة «دير شبيجل» على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة «لقد زودت برلين الأكراد بصواريخ وأسلحة حديثة ونريد الحصول على معاملة بالمثل». وستجد برلين صعوبة بالغة في التعبير لبغداد عن رفضها معاملتها بالمثل لسببين، أولا أن القانون الأساسي الألماني يمنع قيام ألمانيا بإرسال أسلحة إلى مناطق تسودها نزاعات، ثانيا ترى برلين في إطار الدفاع عن دعمها البشمركة أنهم كانوا مهددين بالسحق من قبل تنظيم «داعش» وسعيه للسيطرة على شمال العراق برمته مما جعل ألمانيا تهب لنجدتهم. لكن ليس من المنتظر أبدا أن ترضى بغداد بسهولة بالموقف الألماني إذا استمر في هذا الإطار.